بيغن سادات: بوتين يحاول استغلال توترات الخليج ويتحول من رئيس إلى سمسار

يبدو أن فلاديمير بوتين، الذي يتوق إلى الاستفادة من التوترات المُتصاعدة في الخليج، يحاول استغلال ما يحصل ويتحول في أغلب الأحيان من مهنة الرئاسة إلى السمسرة، بحسب مركز بيغن - سادات للدراسات الاستراتيجية.

ونشر مركز "بيغن-سادات" للدراسات الاستراتيجية الإسرائيلي مقالاً تحدث فيه عن الضربات التي استهدفت منشآت النفط في السعودية والتي فشلت بطاريات باتريوت الأمريكية الصنع في اكتشاف هجمات الطائرات بدون طيار والصواريخ في البلاد، مما أدى إلى ضرب نصف الإنتاج، ويرى المقال بأن بوتين حاول أن ينتهز تلك الفرصة، وحثّ المملكة على المضي قدماً في عملية الحصول على نظام الدفاع الصاروخي الروسي S-400 الذي تم طرحه كثيراً.

وقال بوتين "للدفاع عن النفس وللدفاع عن بلدنا، نحن على استعداد لتقديم المساعدة للمملكة العربية السعودية"، وأضاف "يكفي اتخاذ قرار حكومي حكيم ... وسيقومون بحماية أي كائنات أساسية في المملكة العربية السعودية على نحو فعّال".

ويرى المقال بأن محاولات بوتين هذه من خلال الاستفادة من التوترات المتصاعدة تعد انتهازية واستراتيجية.

ولفت المقال إلى أن الهجمات، سواء نُفّذت من قبل جماعة مدعومة من إيران (بمبادرة منها أو بناءً على طلب من إيران) أو التي شنتها الجمهورية الإسلامية نفسها، كانت عبارة عن رسالة ليس فقط إلى الرياض وواشنطن ولكن أيضاً إلى موسكو وبكين: إيران وحلفاؤها لن يقفوا مكتوفي الأيدي، لأن الولايات المتحدة تسعى إلى قطع صادرات النفط الإيرانية، والسماح للمملكة العربية السعودية بالالتفاف على حصتها في السوق الإيرانية، وإجبار الجمهورية الإسلامية على الركوع.

ويقول المركز "إذا وضعنا جانباً حقيقة ادعاء بوتين بأن الأنظمة الروسية ستعمل على صد الطائرات المقاتلة بدون طيار والقذائف حيث فشلت الأنظمة الأمريكية، فإن الرئيس الروسي ربما تناسى ولو لبرهة أن حسن روحاني ورجب طيب أردوغان العدوين اللدودين للسعودية كانا جالسين إلى جانبه".

ولفت المقال إلى نقطة هامة مفادها أن السعودية لم تكن ممتعضة من كلام بوتين على الرغم من تحالفها العميق مع الولايات المتحدة، حيث أرادت المملكة، الواقعة في الجزيرة العربية والتي تبعد أميال قليلة عن كل من إيران وتركيا، أن تسمع حليفتها واشنطن بأن هناك منافس لها في الخليج، وأنه على واشنطن أن تبذل قصارى جهدها لحماية الرياض، لأن الأخيرة لديها إحساس بأن واشنطن ليس لديها الجاهزية للرد على إيران، وخاصة أن ترامب كان يُركّز على حقيقة أن الهجمات كانت ضد المملكة العربية السعودية وليست ضد الولايات المتحدة، وأن إدارته ستدعم الرد السعودي أو يحتمل أن تتصرف نيابة عنها مقابل الدفع.

وأثار الرئيس باراك أوباما علامات استفهام حول الالتزام الأمريكي تجاه حليفتها السعودية لأول مرة عندما مهد الطريق لعودة إيران إلى الساحة الدولية باتفاقية عام 2015 التي تحد من البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية. وأضاف إلى هذه الشكوك عندما أعرب علانية عن اعتقاده بأن المملكة العربية السعودية وإيران بحاجة لتقاسم السلطة في الشرق الأوسط.

وتراجعت المخاوف الخليجية مع زيارة ترامب للسعودية في أول رحلة خارجية له كرئيس بعد أشهر من توليه منصبه في عام 2017، وانسحابه العام الماضي من الاتفاق النووي الإيراني وفرض عقوبات اقتصادية قاسية على الجمهورية الإسلامية، ودفاعه عن المملكة في أعقاب مقتل الصحفي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول.

وبدأ هذا يتغير في يونيو عندما فشل ترامب في الرد على إسقاط إيران لطائرة أمريكية بدون طيار، وكان رد فعلها "حذراً" على الهجمات على الناقلات في الخليج.

ويرى المركز بأن ترامب، في رده على إيران، أسوأ من أوباما، حيث  أعطى الأول بتقاعسه ضوءاً أخضراً لهذا. الآن لقد هاجمت إيران شريكاً استراتيجياً في الخليج حيث أعرب عالم السياسة في الإمارات العربية المتحدة عبد الخالق عبد الله عن امتعاضه بقوله "إنه فشل تام وخيبة أمل كبيرة في هذه الإدارة".

ويزداد القلق في الخليج بسبب الشعور المتنامي بأن الولايات المتحدة، التي لم تعد تعتمد على واردات النفط الخليجية، تغيرت نظرتها إلى الأهمية الاستراتيجية للخليج وشرعت في عملية تدريجية للانسحاب من المنطقة.

ونقل المركز عن ستيفن أ. كوك، الباحث في مجلس العلاقات الخارجية قوله "إن الولايات المتحدة ستغادر الخليج. عاجلاً أم آجلاً، وإن القادة في الرياض وأبو ظبي والدوحة والمنامة ومسقط بدوا يلاحظون هذا المنحى"، وأضاف: "من بين الخيارات التي تتخذها تلك الممالك،  تقديم مبادرات إلى الصين وروسيا وإيران وتركيا".

ويكمن القلق في جذر الموقف السعودي والإماراتي الأكثر حزماً، والذي أدى إلى عدة سنوات من المبادرات السياسية والعسكرية غير المدروسة وغير المنتظمة والكارثية إلى حد كبير. وهي تشمل الحرب المدمرة في اليمن والمقاطعة الدبلوماسية والاقتصادية المنهكة لقطر.

ويرى المركز أن هنالك علامات تُفيد بأن المواقف الخليجية تجاه الولايات المتحدة بدأت تتغير، حيث السعودية، في أعقاب الهجمات النفطية، تسعى للوصول إلى بلدان أخرى للمساعدة في تعزيز دفاعاتها الجوية.

وأفادت وكالة أنباء يونهاب الكورية الجنوبية أن ولي العهد محمد بن سلمان طلب مساعدة من كوريا الجنوبية في تعزيز نظام الدفاع الجوي للمملكة.

وقال البنتاجون، استجابة لطلب من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وفي محاولة لتخفيف شكوك الخليج بشأن الالتزام الأمريكي، إنه سيرسل عدداً غير محدد من القوات والمعدات إلى البلدين لتعزيز دفاعاتهم.

وقال الجنرال جوزيف دانفورد، رئيس هيئة الأركان المشتركة، إن الولايات المتحدة ستساعد في توفير "نظام متعدد من القدرات الدفاعية للتخفيف من مخاطر أسراب الطائرات بدون طيار أو غيرها من الهجمات التي قد تأتي من إيران".

وفي محاولة لتعزيز العزلة الدولية لإيران وتقاسم العبء، وهي خطوة أولى نحو تقليص المشاركة الأمريكية، قال الجنرال دانفورد إن الولايات المتحدة تبحث عن "شركاء دوليين آخرين للمساهمة أيضاً في الدفاع عن السعودية".

وجاء نشر القوات الأمريكية في أعقاب قرار سعودي بالانضمام إلى تحالف بحري تقوده الولايات المتحدة لحماية الملاحة البحرية في الخليج.

ومع ذلك، فإن الحد الذي حدده الرئيس ترامب لالتزام بلاده، والذي تم ترسيخه في عقيدة 1980 التي أعلنها الرئيس جيمي كارتر بأن الولايات المتحدة ستستخدم القوة العسكرية إذا لزم الأمر للدفاع عن مصالحها الوطنية في الخليج، يمكن أن يجعل عناصر الاقتراح الروسي والذي تدعمه الصين لتجديد بنية الأمن في المنطقة أكثر جاذبية.

ويتضمن الاقتراح مفهوماً للأمن الجماعي، ويحل محل مظلة الدفاع الأمريكية في الخليج ويضع روسيا كوسيط قوة إلى جانب الولايات المتحدة.

وبحسب المركز إنه يستلزم إنشاء "تحالف لمكافحة الإرهاب من جميع أصحاب المصلحة" من شأنه أن يكون المحرك لحل النزاعات في جميع أنحاء المنطقة وتعزيز الضمانات الأمنية المتبادلة.

ويدعو الاقتراح إلى نظام أمني "عالمي وشامل" يأخذ في الاعتبار "مصالح جميع الأطراف الإقليمية وغيرها من الأطراف المعنية، في جميع مجالات الأمن، بما في ذلك أبعادها العسكرية والاقتصادية والطاقة".

وسيتم إطلاق التحالف، الذي يضم دول الخليج وروسيا والصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند بالإضافة إلى أصحاب المصلحة الآخرين، بما في ذلك إيران، في مؤتمر دولي حول الأمن والتعاون في الخليج.

ويمكن أن يكون التلميح إلى إيران هو أمر غير وارد. حيث أنه من الصعب تصور المملكة العربية السعودية، التي قالت مراراً وتكراراً إنها لن تجلس مع إيران، قد تعكس موقفها وتنضم إلى اتفاق أمني يضم الجمهورية الإسلامية.

(م ش)


إقرأ أيضاً