بعد عام.. مسيرات العودة بين آمال انطلاقتها والنتائج المطروحة

عام مرّ على انطلاق مسيرات "العودة الكبرى وكسر الحصار" في غزة، أكبر حدث شعبي عاشته الحالة الفلسطينية منذ ما يزيد عن عقد من الزمن، وذلك بالنظر إلى شكله والأثر الذي أحدثه في المرحلة الحالية من القضية الفلسطينية.

لاقت مسيرات غزة السلمية، اهتماماً دولياً بالغاً، وقد تمكنت وفق توصيف مراقبين، من إعادة  مشهد القضية الفلسطينية  إلى الساحة الدولية، بعد أن أغرقت هذه الساحة بالأزمات الدولية التي انبثقت خلال السنوات الماضية، وطغت إلى حد ما على أولويات المجتمع الدولي، بشكل خفف من حضور القضية الفلسطينية عالمياً، وخصوصاً الأزمات التي اندلعت في البلاد العربية.

وفيما يلي، جرد واستعراض لمسيرات غزة التي انطلقت يوم 30 مارس/ آذار 2018، ودوافع ظهورها والآمال التي علقها الفلسطينيون عليها، وما قدمته المسيرات بشكلها نضالاً سلمياً للقضية الفلسطينية عموماً وقطاع غزة المحاصر والمنسي منذ 13 عاماً على وجه الخصوص.

بداية الفكرة

بلور فكرة المسيرات السلمية على حدود غزة، مجموعة من النشطاء والشخصيات الفكرية المستقلة، وذلك ضمن التفكير في سبل قادرة على انتشال فلسطينيّ غزة أولاً من واقعهم اللاإنساني والمتدهور، وثانياً لإعادة الاعتبار إلى القضية الفلسطينية دولياً بعد أن صار ملف القضية الفلسطينية يقابل دولياً بالتهميش والمماطلة، بسبب عجز الأطراف الدولية عن تقديم حلول واقعية للحالة الفلسطينية، لكن سرعان ما التف حول الفكرة جميع مكونات الشعب الفلسطيني، وهي النقطة التي ساعدت في زيادة تحشيد المسيرات.

وفي إطار ذلك، انبثقت فكرة المسيرات الحدودية، واتخذت عنوان "العودة وكسر الحصار" شعاراً لها، إذ يرمز الشق الأول إلى ملف اللاجئين الفلسطينيين العالق منذ النكبة الفلسطينية عام 1948، التي هجر بسببها الفلسطينيون من أراضيهم، فيما يعني الشق الآخر "كسر الحصار"، ما  أسماه الفلسطينيون صرخة أخيرة موجهة للعالم من أجل الانتباه إلى قطاع غزة، والحصار الإسرائيلي المفروض عليه منذ عام 2005، وحوّل كل قطاعات الحياة في غزة إلى مأساة ودمار.

الفكرة، لاقت قبولاً فلسطينياً واسعاً، وقد دلل على ذلك، المشاركة الواسعة والمستمرة للفلسطينيين على مدار عام كامل من المسيرات.

واختار المنظمون أن يكون يوم انطلاق هذه المسيرات هو 30 مارس/آذار، وهو يعرف فلسطينياً بيوم "الأرض"، وهي مناسبة رسخها الفلسطينيون في أذهانهم، كدليل على تعلقهم بأرضهم وقضيتهم.

وحددت الهيئة العليا المسؤولة عن المسيرات خمسة مواقع رئيسية لتجمع المحتجين أقامت فيها مخيمات قرب السياج الفاصل بين القطاع والأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل.

طوق نجاة.. إلى ماذا يتطلع الفلسطينيون من خلف المسيرات

ويرى الفلسطينيون عموماً والذين يعيشون في قطاع غزة خصوصاً، أن حياتهم ملقاة في مياه راكدة، لا يتغير فيها شيئ سوى أن المياه ترتفع كل عام أكثر وصولاً إلى إغراقهم وإنهاء وجودهم، هنا المياه بمعنى المعاناة، ما حتم عليهم بالحد الأدنى على اتخاذ خطة تمثل طرقاً للخزان الدولي، أملاً في الالتفات إلى معاناة الفلسطينيين.

وكل هذه المعاناة، كما يقول الفلسطينيون نتيجة  حتمية للحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ ما يزيد عن 13 عاماً، وأدى إلى تدهور الاقتصاد والمعيشة والصحة وكل  قطاعات الحياة، في حين أن الحكومة الإسرائيلية ترفض حتى تغيير سياستها حيال القطاع، وتعمد عبر ممارستها وحروبها المدمرة والمتكررة، إلى جعل غزة بيئة طاردة ومكاناً لا يصلح للحياة.

وتعلق الفلسطينيون في فكرة مسيرات العودة فور ولادتها، إذ  صار ينظر إليها كـ"طوق نجاة" وحيد في هذه المرحلة وما دونها خيارات ضياع، وقد حددوا مطالبهم بشكل واضح، وهي الشعارات التي رفعها الفلسطينيون المتظاهرون منذ البداية: "رفع الحصار الإسرائيلي الخانق المفروض على القطاع، وعودة اللاجئين الفلسطينيين الذين طردوا من ديارهم في عام 1948".

"النكبة الثانية".. كيف تعامل الجيش الإسرائيلي مع مسيرات غزة

وجذبت هذه المسيرات انتباه العالم، خصوصاً أن الجيش الإسرائيلي تعامل معها بالقوة المميتة والعنف المفرط، فحصيلة عام من المسيرات حتى الآن، هي مقتل قرابة الـ300 فلسطيني برصاص الجيش الإسرائيلي، وإصابة أكثر من 30 ألف آخرين.

وحتى اليوم، يتعامل الجيش الإسرائيلي مع المسيرات بذات القوة المميتة، إذ لا تمر جمعة دون تسجيل ضحايا جدد أو إصابات، وفي مقابل ذلك، يرفض حتى اليوم تقديم أدنى طلبات المتظاهرين الفلسطينيين، وهي تنازلات إنسانية، برفع الحصار المفروض على القطاع.

واسلوب الجيش الإسرائيلي في التعامل مع المتظاهرين، دفع منظمات حقوقية وإنسانية إلى إدانة الفعل الإسرائيلي، وأشاروا أن الجنود يطلقون النار على متظاهرين لا يشكلون تهديداً على حياتهم، في حين ترد إسرائيل على ذلك، بأن ردها ضروري للدفاع عن الحدود، وتتهم حركة حماس بالوقوف وراء التظاهرات، لاستنزاف إسرائيل.

وخصص الفلسطينيون خلال العام الماضي، يوم النكبة الفلسطينية، 14 أيار/ مايو وهو اليوم الذي هُجّر فيه الفلسطينيون من أراضيهم، ليكون ذروة المسيرات، وهو اليوم الذي صادف أيضاً نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس ضمن اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن القدس عاصمة لإسرائيل.

وأطلق الفلسطينيون على هذا اليوم "مليونية النكبة"، وقد قمعها الجيش الإسرائيلي بقوة مفرطة، أدت إلى قتل أكثر من 62 فلسطينياً، برصاص إسرائيلي فيما أصيب المئات الآخرين، ليسميها الفلسطينيون لاحقاً "النكبة الثانية".

المرحلة الثانية: تصعيد المسيرات وأدواتها الشعبية في وجه إسرائيل

وكانت المرحلة الثانية في مسيرات العودة، بعد أن رفضت إسرائيل الاستجابة للمطالب الفلسطينية، هي تصعيد المسيرات وأدواتها، أملاً في تحقيق ضغط على إسرائيل، يلزمها في تنفيذ تنازلات إنسانية للقطاع.

فاستحدث الفلسطينيون أداوت ونشاطات مختلفة، كان من بينها، البالونات الحارقة التي أصبحت تؤرق إسرائيل بشكل كبير، ثم قص السلك الفاصل بين غزة والأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل واختراقها من قبل شبان فلسطينيين، ثم تفعيل نشاطات ليلية لإرباك الجيش الإسرائيلي، وإطلاق المسيرات البحرية، قرب الحدود البحرية لغزة، وكذلك إشعال إطارات السيارات وإلقاء الحجارة والطائرات الورقية.

ويرى المنظمون أن هذه الأدوات، هي وسائل شعبية أقرتها الأعراف الدولية، لحماية الاحتجاجات السلمية، ومساندتها وإعطاءها أدوات قوة.

وبعد أن اكتسبت المسيرات تعاطفاً ودعماً دولياً، حاولت إسرائيل في المقابل، عبر تسخير حملاتها الإعلامية، إلى شيطنة المظاهرات وإبدائها كمسيرات عنف هدفها فقط استنزاف الجيش الإسرائيلي، إلا أن ذلك قوبل بالتهميش دولياً، نظراً لأن طلبات الفلسطينيين ظاهرة كحقيقة مجردة ومشروعة.

كيف يرى المختصون الإسرائيليون مسيرات غزة؟

ونشر الخبير العسكري في صحيفة معاريف الإسرائيلية "تال ليف رام" تقريراً يرى خلاله أن هذه المظاهرات حققت جملة أهداف فلسطينية، أهمها أنها أعادت النقاش حول أوضاع غزة إلى الأجندة السياسية محلياً وعالمياً، وعادت الأسرة الدولية لتنشغل مجدداً بمصير القطاع، وهو ما أخفق في تحقيقه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس كأدوات سياسية هادئة، وقد حققت المسيرات ذلك وأعادت الأذهان مجدداً إلى حصار غزة.

ويرى الخبير الإسرائيلي أيضاً، أن المسيرات نجحت في حشر إسرائيل في زاوية التعامل الأخلاقي وإسقاطها، إذ تعامل الجيش الإسرائيلي بعنف مفرط، ما أدى إلى وقوع أعداد كبيرة من الضحايا، وهو ما انعكس على الساحة الدولية، وقد أحرج إسرائيل كثيراً.

فالرأي العام العالمي، عموماً، يميل  إلى الاصطفاف إلى جانب الطرف المستضعف: إذ يعيش الفلسطينيون في قطاع غزة تحت الحصار الإسرائيلي، في ظروف أزمة إنسانية متصاعدة ومستمرة.

وبناء على ذلك، يحاول الفلسطينيون الاستفادة من محنتهم كي يستعيدوا مكانتهم في جدول الأجندة العالمية، في المقابل، سيُنظر إلى "إسرائيل" على أنها تمتلك اليد العليا، كما أنها تعتمد خيار استخدام القوّة ضد المدنيين، إنّ تحرك الغزيين، ووضع النساء والأطفال في مقدّمة المواجهات مع جنود جيش الدفاع الإسرائيلي، عزّز حالة اللاتكافؤ، وخسرت إسرائيل أمامها.

وفي مقابلة مع القناة الإسرائيلية العاشرة، قال الخبير الإسرائيلي في شؤون الإعلام والأمن، يوني بن مناحيم، إن هناك عدة أهداف حققتها المسيرات، من بينها: "نجح الفلسطينيون في قطاع غزة في إيصال رسالتهم إلى مجلس الأمن والجامعة العربية، ونقلوا القضية الفلسطينية من الواقع الإقليمي إلى الواقع الدولي، إحراج إسرائيل أخلاقياً بعد أن قتل جيشها العزّل.

بعد عام.. هل حققت المسيرات نتائجها؟

لم تحقق المسيرات حتى اللحظة الأهداف التي انطلقت لأجلها، إذ لم تسمح إسرائيل بعودة الفلسطينيين إلى أراضيهم التي هجروا منها ولا حتى كسر الحصار عن غزة.

ولكنها فتحت مجدداً قناة تفاهمات بين غزة وإسرائيل، وأحيت مجدداً عبر وسطاء، ملف التهدئة مع إسرائيل وكسر الحصار، إلا أن ذلك، لم يتبدى عملياً على الأرض سوى بإحياء مجرى الحوار مع إسرائيل التي تماطل في تنفيذ التزامات التهدئة، وترفض حتى الآن بصريح العبارة، كسر الحصار عن غزة، وهو الفعل الذي تبرره بأن كسر الحصار سيقوي الفصائل الفلسطينية المسلحة، وهذا بدوره سيشكل مشكلة أكبر لإسرائيل.

فيما ينظر الفلسطينيون إلى أن كسر الحصار، هو أحد شروطهم لإنهاء المسيرات، وليس الوحيد، إذ يقولون إنهم مستمرون في مسيراتهم حتى تحقيق كامل شروطهم وهي عودة اللاجئين إلى أراضيهم وكسر الحصار عن غزة.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً