بروميثيوس لازال مصلوباً في إمرالي

كثيراً ما نسمع بمقولة "التاريخ يعيد نفسه"، ولكن هل فكرنا يوماً بكيفية إعادة نفسه، ولماذا يعيد نفسه مادامت الحياة البشرية في تطور وتغيّر مُستمرَّين؟، فكيف لتاريخ عمره آلاف أو ملايين السّنين أن يعيد نفسه في القرن الـ 21 مثلاً؟، ولو أمعنّا النّظر في بعض الأحداث الّتي يشهدها عالمنا اليوم سنرى أنّها تكاد تتطابق في مضمونها مع بعض الأساطير الغارقة في القدم التي تعيد إنتاج نفسها من جديد مع اختلاف في الأسماء.

لو استحضرنا الأسطورة الإغريقيّة "بروميثيوس" لن يحتاج منّا الأمر جهداً لندرك أن حاضرنا مخبَّأ في طيّات تلك الأساطير والقصص، واليوم تعيد نفسها من جديد، لعلّنا نستشفّ منها العبر.

 والآن ما علينا سوى إسقاط أسماء تلك الشخصيات الأسطورية على بعض الشخصيات والجماعات أو الأنظمة الحاكمة في وقتنا المعاصر، ثم نسأل: هل حقّاً التّاريخ يعيد نفسه؟

يقول القائد عبد الله أوجلان في المجلّد الأول من "مانيفستو الحضارة الدّيمقراطية" الذي كتبه بعد المؤامرة الدولية التي طالته، وأدت إلى اختطافه وسجنه في جزيرة إمرالي المعزولة منذ 21 عاماً: (أصبحتُ مقيّداً إلى صخور إمرالي في عصر "الملوك العراة والآلهة غير المقنّعة"، ومتروكاً لاجترار قدر يضاهي في آلامه ما عاناه بروماتوس في الأسطورة الشّهيرة).

فما وجه الشّبه بين حالة أوجلان وبروميثيوس (بروماتوس) لكي يصف أوجلان وضعه على أنّه تكرار لتجربة بروميثيوس المقيّد المعروف باسم واهب النار؟

بداية سنغوص في أغوار شخصية "بروميثيوس" لنتعرف عليه، ونكتشف كيف أنه لازال يعيش في عصرنا الرّاهن.  

كان بروميثيوس أحد حكماء التايتن، واسمه يعني بعيد النظر، ويملك القدرة على التنبُّؤ بالمستقبل. وجعله زيوس كبير الآلهة مستشاراً له لبعد نظره وحكمته، وبحسب الأسطورة: أن زيوس أوكل إلى بروميثيوس وأخيه إبيمثيوس تشكيل الحيوانات والبشر، قام إبيمثيوس بتشكيل الحيوانات، بينما شكّل بروميثيوس البشر، وأشفق بروميثيوس على البشر لضعفهم وعدم امتلاكهم أدوات دفاع عن النفس وعيشهم في الظلام، فلجأ إلى زيوس طالباً مساعدته، لكن زيوس كان يريدهم أن يكونوا ضعفاء خائفين حتى لا يمتلكوا القوة التي تمكّنهم من تحدّيه في أحد الأيام، كان زيوس يرى أن المعرفة والمهارات والمواهب لن تجلب إلّا الشقاء للبشر الفانين، ولكن بروميثيوس كان له رأي آخر، وفضّل البشر على ملكه المجنون بالسلطة والعظمة، لم يكن بروميثيوس على وفاق مع زيوس، كان يعرف أنه مستبدّ، لا يحب المراجعة أو الأسئلة الكثيرة.

وهنا يسرد لنا روائيّ المسرح التراجيديّ اليوناني إسخيليوس ( 525 ق.م - 456 ق.م. ). نصّ الحوار الذي دار بين بروميثيوس وزيوس لدى المطالبة بمنح النار للبشر، وأسباب رفض زيوس ذلك الطّلب، حيث يقول بروميثيوس لزيوس: "يا إله السموات والبرق، لا أفهم إدارتك لهذا العالم، لقد سمحت لجنس البشر بالظّهور على سطح الأرض، لكنّك جعلتهم يعيشون وسط الظلام الحالك والجهل المخزي".

أجابه زيوس: "أعتقد من الأفضل أن تترك شأن هذا الإنسان لي وحدي، الإنسان سعيد الآن، سيظل سعيداً، طالما لم يخبره أحد أنه غير ذلك، فدعنا ننسى هذا الموضوع من أساسه".

من خلال هذا الحوار يمكن الاستنتاج أن زيوس يمثّل ذهنيّ الأنظمة السلطوية والمستبدّة والقوى المُهيمنة على العالم والمتحكّمة بقدر الشعوب، والتي لا تريد أن يملك البشر الحرية والقوة، لأنها تريدهم ضعفاء لا يملكون القدرة على مواجهة المستبدّ، ومن هنا ندرك أيضاً سبب كره المستبدّين للمفكرين والثوار والمناضلين، لأنهم يوقظون الشعوب من سباتها، ومن وهم السعادة التي رسمها لهم المستبدّون، وتلك الأنظمة تريد ألا يخبر أحد تلك الشعوب أنهم عبيد، وليسوا سعداء في الحقيقة.

ويرد بروميثيوس على زيوس بالقول: "سعيد؟ سعادة الحيوانات بالطّبع، لماذا إذن جعلت منه جنساً مختلفاً عن الحيوانات؟ ولماذا أعطيته بعض المهارة وحبّ المعرفة؟ إذا كان قرارك هو أن تجعله يعيش هكذا مثل الحيوانات؟".

زيوس: "لا، إنه يختلف شيئاً عن الحيوانات، له قدرة كبيرة على العبادة والامتثال، له شهية مفتوحة للإعجاب باستبدادنا وقدرتنا ونزواتنا، يخافنا ويقدّم القرابين لنا، لهذا خُلِق".

نعم هنا زيوس يعبّر بشكل واضح عن أهداف الأنظمة السلطوية المُتحكّمة برقاب الشعوب، تريدهم أن يمتثلوا لعبادة أصحاب السلطة، وتمجيد وتعظيم قدراتهم على إذلال الشعوب واستعبادها، لأجل تلك النزوة لا يريدون للشّعوب امتلاك شعلة النار والحرية، لأن الحرية ستفسد نزوة المستبدّين وتفقدهم عظمة السلطة.

لكن بروميثيوس لم يستسلم، وقرّر أن يناضل لمنح شعلة النّار للبشر رغم رفض زيوس لهذا الطلب، فذهب بروميثيوس إلى مقرّ إله الحدادة هيفاستوس (المكلّف بصناعة الأسلحة والدّروع للآلهة وصنع صواعق زيوس). وبينما هيفاستوس منشغل بعمله استطاع بروميثيوس أن يسرق أحد صواعق زيوس ونزل بسرعة وهو يحمل شعلة من النار، مرّ على الكهوف، حيث يسكن الإنسان، وأوقد في كل منها كومة نار.

قرار بروميثيوس الخطير يعبّر عن الروح الثائرة والمتمرّدة لكلّ ثائر ومفكر ونبيّ خرج يبحث عن الخلاص للشعوب المستضعفة، ومن أجل منحهم الحرية والكرامة يقوم بالمغامرة وتحدّي قوى الهيمنة على العالم، وهذا ما فعله أوجلان الثائر على أنظمة تدّعي التحضر والديمقراطية، وتنادي بحقوق البشر، ولكنها في الحقيقة ملأت العالم ظلماً وقتلاً وفقراً ومجاعات، وبثّت فيها صراعات أثنية ودينية وعرقية وطائفية شوهت البشرية والمعاني الصافية لمعنى الإنسانية الحقيقية، وأراد أوجلان أن تعود البشرية إلى النبع الصافي ليسود السّلام والمحبّة والتّآخي عبر طرح فكرة الأمّة الديمقراطية والعيش المشترك وإدارة الشعوب لنفسها، وهذه الأهداف بطبيعة الحال تتعارض مع مصالح قوى الهيمنة والتسلط العالميّة التي تجني الكثير من المكاسب من الحروب والصراعات والأمراض التي نشرتها بين البشر، إذاً أفكار أوجلان تلك تمثّل منح شعلة نار المعرفة من جديد إلى البشر، وتنبيههم بأنهم ليسوا سعداء، وهم مجرّد عبيد لخدمة أصحاب السلطة والقوى المُهيمنة.

في أول الأمر حين منح بروميثيوس النار للبشر، أُصِيب الإنسان بالرعب من هذه الهدية، لقد وجد النار حامية تلسعه عندما يلمسها، وتجعل الظلال تتراقص أمامه، وطلبوا من بروميثيوس أن يأخذ النار معه، وقالوا لا حاجة لنا بها.

هنا تشرح لنا الأسطورة طبيعة البشر الذين يخافون من كل ما هو غير مألوف لديهم، وكيف أنهم مع مرور الوقت يستسلمون للعبودية والظلام إن لم يجدوا من يوقظهم، ويشعل لهم شعلة النار، وكيف أن الشعوب التي أَلِفَت العبودية يصعب إقناعها بوجود الحرية وأنها من حقهم، وعليهم النضال لامتلاكها، لذا فإن أكبر المصاعب التي تواجه الثوار والأنبياء والمفكّرين ليست مواجهة المستبدّين، بل كيفيّة إقناع شعوبهم بأنّهم لا يملكون شعلة الحرّيّة، وأنّ الحرّيّة هي التي ستجلب لهم السّعادة والسّلام، وعليهم أن يثوروا، ويناضلوا للحصول عليها.

لذا تحاول الأنظمة السّلطويّة والرّأسماليّة أن تمنع أيّ ثائر أو مفكّر من نشر شعلة الحرّيّة وإنارة الطّريق للشّعوب، وإن حاول أحد فعل ذلك سيتآمرون عليه حتّى إيقاعه، وهذا ما حصل لأوجلان عندما تكالبت عليه الدّول، وضاقت عليه 3 قارّات على وجه الأرض، ولم يقبل أو يجرُؤ أحد قبول لجوئه لديهم لخوفهم من "زيوس" أي الأنظمة السّلطويّة العالميّة، وكانت النتيجة المؤامرة الّتي حِيكت في 15 شباط 1999 والّتي أدّت لخطف أوجلان، وتسليمه لتركيّا.

وأحداث تلك المؤامرة تشبه لحدّ كبير ما حصل مع برومثيوس أيضاً، حيثُ أنّه وبعد منحه النّار للبشر أثار ذلك غضب وجنون زيوس الّذي توعّد بالانتقام من برومثيوس وكلّ من استهدى بناره، وحينها نادى زيوس على زبانيته من العمالقة، وطلب منهم أن يقبضوا على بروميثيوس، ويصفّدوه بالأغلال، ويجرّوه إلى جبال القوقاز. (هنا يمكن أن نلاحظ أنّ الأنظمة الاستخباراتيّة العالميّة تمثّل عمالقة زيوس الّذين لاحقوا أوجلان حتّى خطفوه، وكبّلوه بالأصفاد، وثبّتوه في جزيرة إمرالي مثلما ثبّتوا برومثيوس على جبال القوقاز).

أمّا دور تركيّا هنا كان بمثابة دور "الإله الأعرج هيفاستوس" الّذي أُوكِل إليه صناعة سلاسل قويّة لتقييد برومثيوس حتّى لا يفلت، وتركيّا أيضاً أُوكِل إليها حراسة أوجلان في سجن إمرالي ومنعه من التّحرّر.

عندما رُبط بروميثيوس، صديق الإنسان، في أعلى قمّة في جبال القوقاز، أرسل زيوس النّسور تحوم حوله إلى الأبد، وتقوم من آن لآخر بنهش كبده حيّاً، والكبد تنمو وتعود لأصلها بعد كلّ هجمة، ونفس العقوبة فرضتها الأنظمة المُهيمنة على أوجلان، حيثُ لم يكتفوا بأسره وتقييده في سجن إمرالي، بل طلبوا من تركيّا فرض العزلة المشدّدة عليه في محاولة منهم منع أفكاره من الانتشار بين الشّعوب المُضطهَدة، لأنّهم يعلمون أنّ لا شيء سيؤلم أوجلان بقدر منعه من منح الحرّيّة لشعبه المظلوم.

تقول الأسطورة أيضاً: لم يخفّف هذا العقاب من غضب زيوس، بل قرّر عقاب البشر جميعاً، حيثُ قرّر إعطاء البشر هبة أخرى من شأنها تغيير كلّ الخير الّذى جلبته هبات بروميثيوس الأخرى، حيثُ أمر زيوس "هيفاستوس" أن يشكّل امرأة جميلة من نيران مرجلها، ثمّ سمّيت هذه المخلوقة الحسناء باسم "باندورا"، وأرسلها زيوس إلى إبيمثيوس شقيق بروميثيوس حاملة معها صندوقاً مغلقاً مكتوب عليه "لا تفتحه"، ولكن ما إن رأى باندورا حتّى خلبت لبه، وأصبح عاجزاً أمامها، لم يملك القدرة على مقاومة سحرها وتقبلها طائعاً راضياً وتزوّجها، لكن إبيمثيوس رفض أن يفتح صندوق باندورا، لكن زوجته الحسناء أخذت تلحّ عليه. وكان الفضول يقتلها، وفي النّهاية انتهزت باندورا فرصة غياب زوجها، وفتحت الصّندوق، وفجأة أظلم العالم وخرجت أرواح شرّيرة (الفقر، النّفاق، المرض والجوع) من الصّندوق، راحت المسكينة تدور حول نفسها في ذعر محاولة إغلاق الصّندوق، فلم تستطع، في النّهاية أغلقته، ولكن بعد فوات الأوان، لقد ملأت الشّرور العالم، وتحوّلت جنّة الأرض إلى جحيم البشر، ولم يبق من الأرواح الحبيسة في الصّندوق إلّا انتزاع الأمل، ولذلك بقي الأمل في قلوب البشر ليخفّف عنهم الشّرور والآثام الّتي تحيط بهم.

ويمكننا القول: إنّ "باندورا" هنا تمثّل بريق المال، وجشع الرّأسماليّة الّتي تغري البشر، وما إن تفتح صندوقها لتحلّ الكوارث على العالم، حيثُ إنّ الرّأسماليّة لا يهمّها سوى إشباع جشعها دون أيّ حساب للكوارث والأضرار الّتي تلحقها بالطّبيعة والبيئة والبشر والكائنات، ولأنّ أوجلان كان يدعو للوقوف بوجه جشع الرّأسماليّة وإنقاذ الطّبيعة والحفاظ على الإيكولوجية، فإنّ تلك الأنظمة وجدت في أفكاره خطراً على جشعها المادّيّ، لذا تعاقب اليوم كلّ من يهتدي بفكره وفلسفته، وما منح الضّوء الأخضر لتركيّا في شنّ الهجمات على شمال وشرق سوريا إلّا استمرار لمحاولات النّيل من أوجلان وهدم مشروع الأمّة الدّيمقراطيّة الّتي طرحها والمطبّقة في هذه المنطقة.

وتقول الأسطورة في ختامها: بينما كان بروميثيوس مُعلّقاً من قيوده على صخور جبل القوقاز، وبعد ثلاثة عشر جيلاً، أتى البطل هرقل ابن زيوس متسلّقاً الجبل، ويقتل النّسر، ويحرّر بروميثيوس من قيوده.

وهنا يمكننا القول: إنّ القائد أوجلان ورغم أنّه يمثّل برومثيوس العصر الحديث، إلّا أنّه استطاع أن يخلق من نفسه وشعبه "هرقل" جديداً، يكسرون قيود إمرالي والعبودية، وينشرون فكرة الحرّيّة والدّيمقراطيّة بين كافّة الشّعوب، والّتي باتت اليوم تمثّل مفتاح الحلّ لكافّة أزمات الشّرق الأوسط والعالم.

يقول ماركس: "التّاريخ يعيد نفسه في المرّة الأولى كمأساة وفي الثّانية كمهزلة"، ولا أظنّ أنّ هذه القصّة أو المهزلة بحاجة إلى تعليق، أو مزيد من الشّرح، فقد تكرّرت كثيراً في تاريخ المنطقة!! يتغيّر الزّمان والمكان وأشخاص القصّة، وتبقى الحبكة والحيلة ثابتة لا تتغيّر، فالفخّ هو الفخّ، والخيانة هي الخيانة، والنّتيجة للأسف هي النّتيجة! والمتأمّل في وضع العالم في الوقت الرّاهن من ظهور داعش، وانتشار الإرهاب من سوريّا حتى العراق، وليبيا واليمن وغيرها من مناطق الشّرق الأوسط، والصّراعات الأثنيّة والعرقيّة، سيدرك أنّها كلّها من إنتاج وتصنيع نفس الأنظمة المُهيمنة والاستعمارية القديمة، قد يختلفون في الأسماء لكنّهم يتّفقون في الهدف، فالكلّ يعمل على تجزئة المُجزّأ، وتقسيم المُقسّم، وإسقاط مفهوم الحرّيّة والدّيمقراطيّة الحقيقيّة في المنطقة، لصالح دويلات وأقاليم وكيانات هشّة، تقوم على فكرة التّلاعب بحبال الانتماءات المذهبيّة والطّائفيّة والقبليّة.

وختاماً يمكننا القول: إنّ الإنسان الحكيم البصير كأوجلان هو من يُحسن قراءة التّاريخ جيّداً، لأنّ بوعيه لدروسه يُحسن قراءة المستقبل أيضاً،  أمّا الّذين لا يقرؤون التّاريخ فمحكوم عليهم أن يعيدوه أكثر من مرّة، وأن يُلدَغُوا من ذات الجحر ألف مرّة!.

(م)

ANHA


إقرأ أيضاً