باحث استراتيجي: علينا صياغة سياسة إقليمية لاحتواء أطماع أردوغان

أشار ديميتري شوفوتنسكي في مقال له على الموقع الرسمي لمركز بيغن السادات للأبحاث الاستراتيجية الإسرائيلي، أن تركيا تشكل تهديداً طويل الأجل لأمن الشرق الأوسط، حيث أن احتواء العثمانية الجديدة يتطلب سياسة دفاعية تجمع بين اليونان وقبرص وإسرائيل والكرد، في تحالف إقليمي.

ويرى شوفوتنسكي إن فجر عصر جديد مظلم قد بزغ في شمال بلاد الشام، وتخلّت جمهورية تركيا عن أسسها العلمانية في مسعاها إلى الحكم الإخواني السلطوي. وقام حزب العدالة والتنمية (AKP) الذي يتزعمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بالابتعاد عن الولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي، وتخلى عن أوراق اعتماد البلد الموالية للغرب وحلف شمال الأطلسي.

وتبنى حزب العدالة والتنمية سياسة الإمبريالية الجديدة العثمانية، التي تسعى إلى اغتصاب منصب "زعيم العالم الإسلامي" من المملكة العربية السعودية. في لغة استعمارية تذكّرنا بإيطاليا الفاشية لـ"موسوليني"، إذ هدد "أردوغان" بغزو الجزر اليونانية وقبرص والشام، وقد اتخذ خطوات ملموسة نحو تحقيق هذه الرؤية، على الرغم من كونها تبعد تركيا عن الحلفاء الأوروبيين والعرب.

ودعا بعض المحللين إلى الحفاظ على العلاقات مع تركيا على أمل سقوط حكومة حزب العدالة والتنمية واستئناف العلاقات مع زعيم أكثر اعتدالاً. لكن هذا "تفكير مزاجي"، فعلى الرغم من ضعف الأداء في الانتخابات المحلية والأداء الاقتصادي السيء في الآونة الأخيرة، فقد تم تشجيع المنظمات القومية المتطرفة والفاشية الجديدة، مثل "الذئاب الرمادية"، منذ صعود حزب العدالة والتنمية.

ويلفت الكاتب إلى سعي حزب العدالة والتنمية إلى أسلمة شمال قبرص الذي لا يزال علمانياً، ما حوّل النزاع من صراع عرقي-قومي إلى صراع ديني. لدى "أنقرة" أمل في تغيير عملية السلام في قبرص من عملية "لم الشمل مع حقوق متساوية" إلى "حل الدولتين"، وسيكون هذا ذريعة لضم الجزيرة في النهاية، أو على الأقل الجزء الشمالي.

وبالنظر إلى تدخل أنقرة المتزايد في الشرق الأوسط وشرق البحر الأبيض المتوسط، يقترح الكاتب بأنه من الضروري بناء وتعزيز آلية متعددة الأطراف بين الدول الأكثر تضرراً في المنطقة و"الدول الصغيرة"، لاحتوائها.

وتقدم الولايات المتحدة بالفعل دعماً رئيسياً لكل من الكرد في سوريا وما يعرف بـ"محور العصور القديمة" الذي يضم اليونان وإسرائيل وجمهورية قبرص. لدى الكرد وائتلاف شرق المتوسط مصلحة مشتركة في تحدي طموحات "أردوغان" المهيمنة وحماية سيادتهم. ويجب على تلك الأطراف -ربما بتوجيه من واشنطن- وضع خطة متماسكة لتحقيق ذلك.

كما يرى الكاتب أن قرار تركيا شراء نظام الدفاع الصاروخي S-400 من روسيا على حساب طائرات "إف 35" الأمريكية، أثار غضب الولايات المتحدة إلى درجة دفعتها للتهديد بفرض العقوبات، ففي الصيف الماضي، أضرّت الولايات المتحدة اقتصاد "أنقرة" بالتعريفات الجمركية التي فرضتها، وهددت بفرض عقوبات إذا هاجمت الكرد في سوريا. والكرد السوريون يطرحون فكرة الدبلوماسية مع تركيا إذا توقفت عن احتلال منطقة "عفرين"، لكن بدون ذلك هم يقولون إنه ستكون هناك حرب.

وفي الوقت نفسه، أعربت "أثينا" عن رغبتها في الحصول على طائرات مقاتلة من طراز "إف 35". إن جيش اليونان أدنى في مرتبة القوة من جيش تركيا، وستوفّر طائرات "إف 35" رادعاً قيماً لمنع المزيد من انتهاكات المجال الجوي. ومع ذلك، يتعين على اليونان إتمام عملية الشراء بسعر منخفض نسبياً، نظراً لوضعها الاقتصادي. وينبغي على "واشنطن" أن تفكر في بيع طراز F-35 إلى اليونان بسعر مخفّض، بشرط استخدامها أيضاً لحماية المجال الجوي القبرصي في حالة الاستفزازات العسكرية التركية في الجزيرة.

وتمتلك اليونان بالفعل صواريخ "باتريوت"، ولكن، لردع تركيا بشكل أكبر، يجب على الولايات المتحدة التفكير في نشر صواريخ "ثاد" المتطورة في جزيرة "كريت"، حيث تمتلك الولايات المتحدة قاعدة عسكرية هناك. كما ينبغي أن تنظر بجدية في الضغط على بريطانيا للسماح بنشر أنظمة الدفاع الصاروخي "باتريوت" و"ثاد" في قاعدتيها العسكريتين "أكروتيري" و"ديكيليا" في قبرص.

وتقوم اليونان ببناء نظام رادار مشترك على جزيرة "كريت" مع الإسرائيليين، ربما يهدف إلى مراقبة العدوان التركي. ويجب على إسرائيل أن تفكر في نشر أنظمة "آرو" و"القبة الحديدية" و"مقلاع داود"، بالقرب من رادار "كريت" لضمان حمايتها، والنظر في بيع تلك الأنظمة إلى "نيقوسيا" أيضاً لمنع أي هجوم تركي. ستكون هذه الأنظمة ذات قيمة كبيرة في ضوء العدوان التركي الذي يهدف إلى السيطرة على مناطق استكشاف الغاز في قبرص. كما أن مشروع الغاز القبرصي ضروري لمصالح إسرائيل الاقتصادية والدبلوماسية في العقود المقبلة، ويجب حمايته بأي ثمن. وبالتالي، فإن الطبيعة الدفاعية لأنظمة الأسلحة هذه، يجب أن تبطل أي نقد دبلوماسي تركي محتمل بحجة "عسكرة" شمال بلاد الشام.

وفي هذه الأثناء، وبينما يعزز الكرد سلطتهم بشكل متزايد في شمال سوريا، يرى الكاتب بأنه يتعين على الولايات المتحدة وإسرائيل أن تتوسط في اتفاق سلام أو آلية تعاون محتملة بين كردستان العراق و"روج آفا" السورية. وفي حين أن الهدف الرئيسي للمقاتلين الكرد هو مكافحة تمرد فلول الإرهابيين، فإن هذه القوات ستحتاج أيضاً إلى القدرة على ردع تركيا و"محور الممانعة" الذي تتزعمه إيران في حالة فشل الدبلوماسية.

ويجب، كذلك، أن تفكر الولايات المتحدة وإسرائيل في نشر أنظمة "القبة الحديدية" و"مقلاع داود" و"حيتس/السهم/آرو" و"ثاد" و"باتريوت" في المنطقة الكردية بتعريفها الأوسع، تحت السيطرة الكاملة لـ"واشنطن" و"تل أبيب". هذه الأنظمة ستحمي الكرد من الهجمات الصاروخية، كتلك التي شنتها إيران من قبل، كما أنها ستحمي إسرائيل والحلفاء العرب الإقليميين والقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، والتي قد تكون أكثر عرضة للهجمات بعد تصنيف الولايات المتحدة الحرس الثوري الإيراني كتنظيم إرهابي.

ويمكن كذلك تقديم المزيد لدمج الكرد والإسرائيليين في مخطط الطاقة الأكبر في شرق البحر المتوسط. تملك إسرائيل النفط في النقب وحقل نفط "مجيد" وحقل نفط في الجولان. يمكن أن تحل "تل أبيب" بسهولة محل "طهران" عندما يتعلق الأمر بتزويد اليونان وإيطاليا بالنفط، وكلاهما حصل على إعفاءات من "واشنطن" عندما استؤنفت العقوبات في العام الماضي. وهذا من شأنه، أن يزيد من تشديد تحالف إسرائيل مع "أثينا" والحكومة اليمينية الجديدة في "روما".

كما يسيطر الكرد في الأجزاء الشمالية من سوريا والعراق على مصادر نفطية هائلة، ويقومون ببيعها لتحفيز الاقتصاد المحلي. إن إضافة النفط الكردي والإسرائيلي -حتى لو كان مؤقتاً فقط- إلى خطوط أنابيب الطاقة التي يتم بناؤها من البحر الأبيض المتوسط إلى جنوب أوروبا، سيؤدي إلى إثراء إسرائيل واستقرار كردستان ومنح الكرد والإسرائيليين المزيد من النفوذ الإقليمي. إن القيام بذلك من شأنه أن يقوّض الأعذار الأوروبية التي تدعو إلى مواصلة شراء النفط من إيران أو الديكتاتوريات العربية في الخليج.

من شأن تحالف من هذا النوع في شرق البحر المتوسط وشمال المشرق، أن يسمح بمشاركة أمريكية أكبر في المنطقة، ما يساعد على ضمان نتيجة ناجحة مع دعم الاقتصاد الإقليمي. وهذا من شأنه أن يسهم في تحقيق الاستقرار الإقليمي، ويُبعد أوروبا عن "النفط الاستبدادي"، كما أنه سيحتوي تطلعات "أنقرة" العثمانية الجديدة في المنطقة من خلال وسائل دفاعية بحتة. كما أن مثل هذا التحالف سيعزّز "تعددية الأطراف المحلية"، دون اللجوء إلى النهج المتضخم وغير الفعال للاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية.

(م ش)


إقرأ أيضاً