الهجوم التركي قلب حياته رأساً على عقب..

بين ليلة وضحاها، ضاعت حياته وآماله، سعيد رمضان أحد سكان القرى الحدودية مع تركيا، حاله كحال مئات آخرين انتهى بهم المطاف مشردين على الطرقات بعد العدوان التركي، تاركين خلفهم كل ممتلكاتهم وحياتهم التي أفنوا العمر من أجلها، والآن هم بانتظار خبر سار يدفعهم للعودة.

تسببت الهجمات التي تشنها الدولة التركية على مناطق شمال وشرق سوريا، منذ الـ 9 من تشرين الأول الفائت وما رافقها من ارتكاب جرائم حرب وقتل وسرقة بحق المدنيين، بتهجير ما لا يقل عن 300 ألف شخص من المدنيين من أبناء المنطقة، جميعهم من سكان منطقتي كري سبي/تل أبيض وسريه كانيه/رأس العين.

إضافة إلى أن بعض العوائل من سكان القرى الحدودية في مناطق أخرى مثل كوباني اضطروا إلى الخروج من منازلهم المجاورة للحدود بعدما تعرضت للقصف، ولم يعد منهم قسم كبير حتى الآن، نظراً لأن بعض المنازل دمرت والبعض الآخر ما يزال يخشى تكرار الهجمات التركية.

وبالنسبة للذين خرجوا، كان الواقع وتلك اللحظات صعبة للغاية، لربما تتلخص بعض تفاصيل تلك المعاناة في قصة سعيد رمضان من أهالي قرية كازكان الحدودية شرقي مدينة كوباني 5 كيلو متر.

يقول سعيد الذي يبعد منزله عن الحدود التركية ما لا يزيد عن 150 متراً "كنت أعيش حياة هادئة مع أولادي وجيراني لمدة طويلة في بيت صغير، آكل ما أزرعه وألبس ما استطعت توفيره لنفسي، لكن ذلك لم يدم طويلاً".

ويمضي في سرد قصته التي بدأت تأخذ منحى آخر مع بدء الهجوم التركي "في إحدى الليالي، كنت جالساً أمام التلفاز أتابع التطورات في المنطقة بينما كان أفراد عائلتي يحضرون العشاء، أشعلت سيجارة وسحبت نفس عميقاً، في انتظار العشاء بعد يوم تعبت فيه كثيرا، ثم فجأة سمعت أصوات الرصاص والقذائف وهي تخترق جدران منزلي، وبدأ الأطفال بالصراخ والنساء بالبكاء".

لوهلة ظن سعيد بأن ما يجري ليس حقيقة وأنها لحظة شرود لا أكثر، لكنه سرعان ما عاد إلى وعيه وهلع إلى الخارج، وبدأت المدافع التركية تكثف قصفها بينما انقطع التيار الكهربائي ليزيد من حلكة ظلام الليل.

ويضيف سعيد متحدثاً عن تفاصيل تلك الليلة "لم أعد أرى أمامي، سحبني ولدي إلى داخل السيارة بعدما صعد الجميع إليها وانطلق مبتعداً عن الحدود".

وبينما كانت السيارة تسير، كان سعيد يلتفت إلى الخلف بين الفينة والأخرى ليرى هول المشهد، عشرات السيارات ومئات المدنيين يفرون من منازلهم على وقع سقوط القذائف من الجانب التركي.

لجأ سعيد إلى مدينة كوباني واتخذ من محل تجاري فارغ مأوى له نظراً لأنه حينها لم يستطع العودة لأن قريته كانت تتعرض للقصف كل يوم تقريبا، وبعد أن هدأت الحرب في كوباني، لا يأتمن العودة لأنه لا يستطيع ضمان أمن عائلته في وقت تكرر تركيا فيه هجماتها على المدنيين.

وفي تلك الغرفة الصغيرة، يعيش الآن سعيد رمضان برفقة عائلته، يجلس كعادته يتابع الأخبار على القنوات الفضائية، لكنه هذه المرة بانتظار سماع أخبار تدفعه للعودة إلى منزله ليستعيد ذكرياته التي سرقت منه بين ليلة وضحاها.

ورغم أن الوصول إلى منزله كان خطراً، رافقنا سعيد وألقينا نظرة عن قرب على المنزل الذي يعتبر أكثر المنازل قرباً من الحدود مقارنة مع بقية منازل أبناء القرية.

قريته كانت شبه خالية من السكان، وخاصة أصحاب المنازل القريبة من الحدود، في منزله كان الباب مفتوحاً على مصراعيه، وأزهار حديقته الصغيرة المتواضعة ما تزال بحاجة إلى السقاية، وأثار الطلقات على جدران المنزل واضحة المعالم وتوضح أن هجمات مسلحة وقعت هنا.

الكرسي الذي اعتاد سعيد الجلوس عليه كل يوم في الحديقة ما يزال في مكانه، حتى ذلك العشاء الذي لم يكتمل ما يزال هناك.

هذه الحال ما تزال حال عشرات العوائل ممن يقطنون بالقرب من الحدود التركية في قرى كوباني الشرقية والغربية، بالرغم من أن بعض المدنيين عادوا، وعملوا على ترميم ما أمكنهم من منازلهم المتضررة، إلا أن الكثيرين لم يعودوا بعد.

عدد لا بأس به من الشبان يحرسون قراهم في الليل، ويعود بعض السكان في النهار لكن الغالبية يخرجون في ساعات المساء، خشية من هجوم تركي مباغت.

(ج)

ANHA


إقرأ أيضاً