اللاجئون.. جنود للتضحية وأوراق لمكاسب سياسية واقتصادية وعسكرية لدى تركيا

لعل أبرز المواضيع التي تركز عليها القوى الدولية والإقليمية فيما يخص الأزمة السورية منذ 7 سنوات مضت، هو موضوع اللاجئين الذي بات من أكثر المواضيع استخداماً في الحسابات السياسية والاقتصادية في الداخل والخارج، وأصبح اللاجئون من أقوى الأدوات التجارية لبعض الدول الطامعة في توسيع نفوذها أو تحقيق مكسب اقتصادي وسياسي وأمني في المنطقة أو حتى في تحقيق مكاسب لسياساتها الداخلية، وهذا هو حال تركيا.

آلان روج/مركز الأخبار

في هذا الملف سوف نسلط الضوء على الورقة الأكثر دماراً والأكثر خطورةً بحق الإنسانية ككل وبحق الشعب السوري على وجه الخصوص، والتي تتحكم بها تركيا وتستخدمها مراراً وتكراراً في بسط نفوذها واستغلال اللاجئين كجنود للحماية أو التضحية بهم في بسط نفوذها من أجل مشاريعها الاحتلالية، لدرجة بات اللاجئون عبيداً وعساكر يوجههم أردوغان باتجاه الأراضي التي ينوي استعمارها واحتلالها، وإدلب وعفرين مثال على جرائمه هذه.

البداية من المهاجرين الآسيويين والغربيين والعرب والأفارقة إلى تركيا

لا يخفى على أحد ما يتبعه الإعلام التركي من سياسة لجذب المسلمين في الدول النائية والأقوام الناطقة بالتركية في آسيا نحو تركيا ووصف الأخيرة "بالجنة " من أجل ترغيب هذه الفئة أمام ما يعانوه من اضطهاد في بلدانهم كالصين وروسيا، أو للتغرير بهم عبر إظهار تركيا وحكومتها وكأنها خلافة إسلامية تدعم المسلمين الحالمين بأجواء الخلافة الإسلامية في هذا العصر، لينجذب اللاجئون من بلدانهم إليها.

وبالتالي ترى كتلاً من شعوب الإيغور التركستانيين والأوزبكيين والطاجيكيين والأرناؤوط والأفارقة المهاجرين، وسط تركيا ويعيش معظمهم في الأحياء الفقيرة من اسطنبول ومحيطها، وهؤلاء المهاجرين وخصوصاً من الطلبة يحصلون على منح وفرص وإقامات من قبل الحكومة، للدراسة في الجامعات الشرعية الإسلامية بهدف توظيفهم لضمان جعلهم أصحاب فكر وعقيدة إسلامية سياسية مرجعيتها تركيا.

الإيغور .. من الاضطهاد الديني في الصين إلى الاستعباد والاستئجار القومي في تركيا

اللاجئون الإيغور الذين بات عددهم يقدر بأكثر من 300 ألف والقادمين من الصين إلى تركيا، يتمتعون منذ قرابة العقدين من الزمن بامتيازات خاصة لدى الدولة التركية في مسائل الإقامة والجنسية والجوازات والدراسة والعمالة في مجال الإسلام السياسي والقومي التركي، حتى أصبحوا أداة قوية للدولة التركية في استدراجهم واللعب بهم كورقة إما للسياسة أو للتضحية بهم في حروبها الاحتلالية للدول المجاورة أو لمحاربة الكرد في الداخل.

فتنامى وجود الحزب التركستاني الإسلامي في تركيا مع بروز ربيع الثورات في البلدان العربية، لتصبح قوة في المنطقة بعد أن كان تواجده يقتصر في الصين كفصيل إسلامي معارض وانفصالي بإقليم تركستان ضد حكومتها، حيث يعتبر منظمة إرهابية مدرجة على لوائح الإرهاب العالمية وتدعمها تركيا في الصين والمنطقة.

ومع إعلان داعش لخلافته المزعومة نهاية 2013- وبداية 2014 ظهر الإيغور وحزبهم الإسلامي "الإرهابي" في سوريا وخاصة في المناطق الحدودية الفاصلة بين محافظة إدلب وإقليم هاتاي التركي، ليبدأ مرتزقة تركيا في هذا الحزب وتنظيم جبهة النصرة، المدعومين من الحكومة التركية، بطرد وقتل وتشريد الدروز والمسيحيين من 18 قرية درزية ومسيحية في جبل سماق ليحل محلهم مستوطنون جدد هم الإيغور والأوزبكيين والطاجكيين وقليل من المهاجرين العرب الذين هجروا من قبل إلى تركيا كلاجئين ..!

وقد نشرنا سابقاً ملفاً تفصيلياً عن مستعمرة الإيغور في إدلب السورية بعنوان "مستعمرات تركيا سرطانية في سوريا لتكرار تجربة لواء اسكندرون من جديد.. الجزء الثالث" تم فيها تبيان التحرك التركي منذ البداية في تغيير ديمغرافية المنطقة لتهيئتها من أجل الاحتلال والاقتطاع.

تركمان وعرب العراق وسوريا من لاجئين في تركيا إلى مستوطنين في مستعمرات عفرين وجرابلس

ولم تقتصر سياسة حزب العدالة والتنمية التركي في إعادة تشييد العثمانية الجديدة على جعل اللاجئين الآسيويين كأداة استغلالية في تنفيذ مآربه الاحتلالية، بل كانت الصفقة الكبرى على رأس الشعب السوري الذي هجر إلى تركيا وبات شبيهاً بـ "عبيد روما القديمة" عند الدولة التركية، ليحول تلك المخيمات إلى معسكرات يستغل قاطنيها في كافة تحركاته السياسية والاقتصادية والعسكرية المتعلقة بالشأن السوري أو على المستوى الدولي.

واستثمر الرئيس التركي أردوغان وحكومته قضية اللاجئين بشكل كبير وعلى مختلف الأصعدة، فوظفها كورقة في حملة الانتخابات وفي الترويج لصورة أنقرة في الخارج، فتحدث عن تجنيس اللاجئين السوريين وعن دمجهم في المجتمع ودورهم في تنمية الاقتصاد التركي، ومؤخراً استغل ورقة اللاجئين لتبرير هجماته الاحتلالية على عفرين، حيث يقول أردوغان إن أحد الأهداف الرئيسية لاحتلال عفرين هو "تمكين اللاجئين من العودة إلى ديارهم"، على الرغم من أن معظم اللاجئين في البلاد ينحدرون من أماكن أخرى في سوريا.!

وخلال حملة قوات سوريا الديمقراطية لتحرير منبج في صيف 2016 وكذلك حملتها في مدينة الرقة، عاصمة الخلافة المزعومة، لتنظيفها من إرهاب داعش والمرتزقة الآخرين المدعومين تركياً، سلمت عشرات العائلات التركمانية والعربية العراقية والآسيوية  نفسها لقوات سوريا الديمقراطية، حيث كانت تلك العوائل فيما سبق لاجئة في تركيا عادت وقطنت في مناطق داعش عن طريق الحدود التركية.

ولايزال هذا الطابع موجوداً ويتكاثر بكثافة في مدن جرابلس والراعي وإعزاز حيث الوجود الآسيوي والأجانب من الدول الأخرى بارز، إذ تهدف تركيا إلى دمج بقايا مرتزقة داعش وجبهة النصرة مع المجتمع السوري بشكل أقوى هناك عن طريق التزويج بالسوريات والاستقرار داخل بيوت المهجرين قسراً من الكرد والشركس والعرب من تلك المنطقة، وتقديم الدعم المالي والأراضي الزراعية لهؤلاء المرتزقة إلى جانب تجنيدهم داخل معسكراتها التدريبية.

المخيمات "المدعومة دولياً" مصدر لوجستي لدعم المرتزقة في الحرب على شمال سوريا

وعلى مرأى من أعين الجميع ظهرت طوابير من اللاجئين السوريين في مخيمات اللجوء التركية بينهم أطفال صغار وبيدهم أعلام تركيا، وهم يبادرون بتسجيل أسمائهم في أكثر من 10 مراكز عسكرية تركية لاستلام أسلحة والمشاركة في الحرب على عفرين السورية، المدينة التي اعتبرت قبل ذلك الهجوم من أكثر المناطق السورية أماناً واحتضاناً للنازحين من الداخل السوري، بل تباهى الإعلام التركي بنشر هذه المراسيم التي تعتبر جريمة وانتهاكاً كبيراً بحق القوانين الدولية ومبادئ المنظمات الإنسانية المعنية بشؤون اللاجئين.

ولم يقف الاستغلال التركي، في الدفع باللاجئين إلى حروبه وتسليحهم وتوطينهم في مستعمراته بشمال وغرب سوريا، إلى هذا الحد فقط، بل إنه يقوم بسرقة أموالهم أيضاً من تلك المبالغ الطائلة التي تقدمها الأمم المتحدة باسم اللاجئين.

وشكك ديوان المحاسبة الأوربية في آخر تقرير له عام 2018 بكيفية إدارة الأموال والمساعدات المقدمة إلى تركيا، حيث قال بأنهم دققوا في مساعدة أولية لهذه السنة بقيمة 1,1 مليار يورو مخصصة لـ 4 ملايين لاجئ سوري في تركيا، وبأنه لا يمكن التأكد كلياً بأن كل الأموال تصل إلى اللاجئين والحكومة التركية ترفض الكشف عن أسماء المستفيدين ونوع المساعدات المقدمة.

تركيا مستمرة في تتريك السوريين وإرسالهم إلى سوريا

وبسبب الصمت الدولي أمام انتهاكات الدولة التركية في عفرين والتي ارتقت إلى جرائم حرب وإبادة، بات موقف أردوغان أكثر زخماً في تكرار تجربة عفرين في باقي المناطق من خلال تتريك السوريين اللاجئين لديه وغيرهم من الآسيويين المسلمين المهاجرين إلى تركيا، ودفعهم في حرب ضد شعوب شمال سوريا وفق مفهوم "الغزو" ضد الكفار تارةً وأخرى لحماية أمنه القومي.

فيجعل من هؤلاء اللاجئين في صدارة حربه إلى جانب مرتزقته المسلحين من جبهة النصرة والفصائل المتشددة الأخرى، ليكونوا جماعات مستوطنة في مستعمراته بهدف إحكام السيطرة على تلك المناطق بعد احتلالها وإفراغها من سكانها الأصليين، وخلق شرخ كبير ضمن المجتمع السوري بإثارة الفتنة بين الأعراق والأديان وتحريضهم على القتل والنهب.

وفي النهاية يمكن السؤال هنا: ألا تستطيع الدول والمنظمات فتح بنود القوانين الدولية التي تعنى برعاية اللاجئين وحمايتهم وعدم استغلالهم أو جعلهم دروعاً وآتوناً في الحرب أو السياسة والاقتصاد والتجارة والتهديد، لردع تركيا؟  

ANHA


إقرأ أيضاً