الفورين بوليسي: الكونغرس يدرس حرمان تركيا من غاز "شرق المتوسط"

تتجه واشنطن إلى فرض عقوبات اقتصادية جديدة على أنقرة، في إطار سياستها الجديدة لتأديب رجب أردوغان، وحرمانه من الغاز والنفط في منطقة شرق البحر المتوسط، بسبب تقاربه الشديد من موسكو.

دعا كبار المشرعين الأمريكيين من الحزبين الجمهوري والديموقراطي إلى ضرورة تغيير نهج البيت الأبيض تجاه أنقرة، وإفشال خطط حكومة أردوغان للتنقيب عن النفط والغاز في منطقة شرق البحر المتوسط.

مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية أكدت أن الكونغرس يدرس مشروع قانون جديد، قدمه السيناتور الجمهوري ماركو روبيو والديمقراطي روبرت مينينديز، ينص على إعادة تشكيل السياسة الأمريكية نحو تلك المنطقة المهمة من العالم، نتيجة اكتشافات الطاقة الكبيرة بها، ووقف المغامرات العسكرية الروسية بها، وتناقض سياسة أنقرة التي تسعى لأن تكون حليفاً لواشنطن وموسكو في نفس الوقت.

عقوبات اقتصادية

وتشير المجلة إلى أن مشروع القانون يتوافق مع الأفكار الأمريكية القديمة، والتي تنظر إلى الثروات الطبيعية كمحرك لسياستها الخارجية، والتي تهدف إلى المساعدة في تسريع تطوير موارد الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، ما يجعلها تتخذ نهجاً أكثر تشددًا تجاه تركيا، الحليف القديم.

ويصف مايكل لي، خبير الشرق الأوسط في "صندوق مارشال الألماني" المشروع بأنه "خطوة رمزية لإقناع تركيا بالكفّ عن سلوكها، وتحديدًا تقاربها من موسكو".

وأضاف "أعتقد أن الولايات المتحدة كانت مثل واحدة من ناقلات النفط الكبيرة التي تستغرق وقتًا طويلاً لتغيير اتجاهها، لكنها بدأت في التحول عن تركيا، ما يعني بالتأكيد التحول نحو الجهات الفاعلة الأخرى في شرق البحر المتوسط".

وبحسب "فورين بوليسي"، ينهي مشروع القانون الحظر الذي تفرضه واشنطن على قبرص، والذي يمنعها من استيراد الأسلحة منذ ثلاثة عقود، وتهدف هذه الخطوة إلى تسهيل إعادة توحيد جزيرة قبرص المقسمة، وهي وسيلة لتهديد أنقرة وتقديم بديل للمعدات العسكرية الروسية في الوقت ذاته، إلى جانب تحذير أردوغان على وجه التحديد من التدخل في استكشاف الطاقة في المساحات المجاورة، كما فعلت ذلك في وقت سابق مع قبرص.

ومشروع القانون يعزز ملف التعاون العسكري لواشنطن مع قبرص واليونان، وتسريع استغلال وتصدير اكتشافات الطاقة الكبيرة في المنطقة، بما يُدعم التحالف بين الولايات المتحدة واليونان وإسرائيل وقبرص، وإجبار تركيا على الخروج من أحضان روسيا أو المخاطرة بعلاقتها بأمريكا.

في أحضان روسيا

وترى المجلة الأمريكية أن تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) منذ عام 1952، والحليف المقرب لواشنطن في أوقات سابقة، ارتمت في السنوات الأخيرة في أحضان موسكو، حيث وقعت معها عقودًا ضخمة في قطاع الطاقة والتعاون العسكري.

كما تلفت المجلة أن حكومة أردوغان تعتزم شراء نظام الدفاع الجوي الروسي اس-400 وهو القرار الذي وصفه نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس الأسبوع الماضي بأنه "طائش"، وتراه واشنطن تهديداً لقدراتها الدفاعية.

ويشمل مشروع قانون مجلس الشيوخ الجديد حظر نقل الطائرات المقاتلة الأمريكية من طراز اف-35 المتقدمة إلى تركيا في حالة المضي قدمًا في شراء نظام الدفاع الجوي الروسي، بينما أعلنت حكومة أردوغان أمس الأربعاء الإسراع في تسلم المنظومة الروسية المثيرة للجدل.

وجمع تركيا بين مقاتلات اف-35 واس-400 ترفضه الولايات المتحدة، خوفاً من تمكين روسيا من الاطلاع على أحدث مقاتلاتها، حال امتلكتها تركيا.

اليونان بديلًا لتركيا

ويقول سونر كاجابتاي، مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: "إن هناك وعي متزايد داخل الحكومة الأمريكية بأن هذه الأزمات مع أنقرة أصبحت سمة دائمة، ومن المتوقع أن تتراجع علاقة أنقرة تدريجيًا بالولايات المتحدة، ولأول مرة منذ خمسينيات القرن العشرين، يتساءل صانعو السياسة الأمريكية، عما إذا كانت اليونان أو تركيا ستكون الركيزة الأساسية لسياسة واشنطن في شرق البحر المتوسط".

وترى المجلة أن التشريع المحتمل بمثابة تحذير لأنقرة، لكنه في الوقت ذاته يعكس حقيقة أن الساسة الأمريكيين يضعون أمامهم خيار ألا تكون أنقرة "حجر الزاوية في سياسة واشنطن" في شرق البحر المتوسط، حسب "فورين بوليسي".

لمصلحة قبرص

ويربط مشروع القانون، بحسب المجلة، بين عدة مسارات مختلفة من سياسة الولايات المتحدة تجاه منطقة شرق البحر المتوسط، فهو يهدف إلى تعزيز تطوير اكتشافات كبيرة للغاز الطبيعي قبالة سواحل مصر وإسرائيل وقبرص، إذ تأمل واشنطن أن تصبح قبرص مصدرًا بديلًا للطاقة، تعتمد عليه أوروبا، بدلا من الاعتماد في الوقت الراهن على واردات الغاز الروسي.

ويستهدف كبح نفوذ موسكو الذي تنامى بشكل كبير في المنطقة، خلال العقد الماضي، حيث تعمقت العلاقات المالية والدفاعية بين روسيا ودول مثل تركيا واليونان وقبرص وحتى إسرائيل، وفق الصحيفة الأمريكية.

ومنذ أن تدخلت روسيا في الحرب الأهلية السورية في عام 2015، أصبحت البصمة العسكرية المتنامية لموسكو في شرق البحر المتوسط مصدر قلق للمخططين الأمريكيين، وفي الشهر الماضي فقط، أرسلت موسكو المزيد من السفن السطحية والغواصات إلى طرطوس في سوريا.

فمشروع القانون يدعو الكونغرس إلى إصدار تقارير عن جهود روسيا للتدخل في دول منطقة المتوسط، كما يبعث برسالة حادة اللهجة إلى حكومة أردوغان، مفادها "إما العودة عن الطريق الخاطئ أو العقوبات".

أطماع أمريكية

وتشير المجلة إلى أن الولايات المتحدة لم تخفِ أطماعها من ناحية ثروات النفط والغاز في البحر المتوسط، وأشارت إلى أن مقدما القانون لم يهتما بمنطقة شرق المتوسط إلا لكونها مليئة باكتشافات الطاقة، التي تم الوصول إليها في السنوات الأخيرة.

وشركات النفط ومنها إكسون موبيل الأمريكية عثرت على رواسب كبيرة من الغاز الطبيعي قبالة سواحل إسرائيل ومصر وقبرص، وما زالت الاكتشافات تتوالى، وقدمت شركة "إكسون" واحداً من أكبر الاكتشافات في العالم قبالة قبرص.

ومشروع قانون مجلس الشيوخ الجديد يأمل في الاستفادة من طفرة الطاقة في شرق البحر المتوسط، للتقليل من قيمة ورقة الطاقة التي تملكها موسكو، في محاولة لتدعيم الجهود الأوروبية لتنويع مصادر الغاز الروسي، من وجهة نظر فورين بوليسي.

وترى المجلة أن المشكلة الرئيسية أن الغاز الجديد لديه بالفعل وجهته، وهي الدول المجاورة لمنطقة شرق المتوسط، إذ انتهى المطاف بالاكتشافات الأولى في مصر وإسرائيل إلى الاستهلاك محليًا، مما قلل الاعتماد في كل من القاهرة وتل أبيب على مصادر الوقود الأقل نقاءً، وتقليل الحاجة إلى الغاز المستورد.

ويقول نيكوس تسافوس، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: "إن هناك مشكلة في أن تتوجه كميات الغاز من الدول التي تجرى فيها الاكتشافات إلى أوروبا، إذ أن تجميد الغاز وشحنه في صهاريج سيكون مكلفًا للغاية"، مضيفًا "لطالما كانت إسرائيل وقبرص واليونان تحلم بخط أنابيب شرق البحر المتوسط من شأنه جمع كل الاكتشافات الجديدة وضخها في جنوب شرق أوروبا، لكن أي خط أنابيب من هذا القبيل سيكون غير اقتصادي بشكل رهيب، لأن قاع البحر الأبيض المتوسط عميق للغاية، مما يجعل إنشاء خطوط الأنابيب صعبًا ومكلفًا".

أزمة جديدة

إقرار القانون الأمريكي ينسف أطماع حكومة أردوغان في حقول النفط والغاز بالمنطقة، والتي تأمل في توريدها للخارج، والاعتماد عليها محليًا لسد العجز الشديد في الطاقة، ويساهم في تعميق جراح اقتصاد تركيا المأزم، وتسجيل التضخم نسبة 25% في 2018، وانهيار العملة المحلية، والتي فقدت نحو 40 % من قيمتها.

وفاتورة استيراد الوقود في تركيا بلغت نحو 37 مليار دولار، في عام 2017، فيما سجلت هذه الفاتورة نحو 24.6 مليار دولار في النصف الأول من العام الماضي، و3.85 مليار دولار في يناير الماضي فقط، وحال إقرار مشروع القانون الأمريكي فإن حكومة أردوغان ستكون في مأزق اقتصادي كبير، لم تضعه في الحسبان.

(م ش)


إقرأ أيضاً