الفنون الاستعراضية كبوابة للترفيه عن النفس.. نساء غزة يتحدين الحصار

على حبلٍ ناعم مثبت بالسقف يتدلى للأسفل، تُعلق الفتاة ندى الحلو (26) عاماً نفسها، وأثناء ذلك تُمارس الشابة حركات بهلوانية وهي معلقة بالهواء داخل صالة رياضية مغلقة، تطوفها نغمات الموسيقى. وعلى مقربة من ندى، تجلس الشابة نور عيطة (24) عاماً على الأرض بوضعية قريبة من تمارين "اليوجا"، تشهق وتزفر أنفاسها بعمق وهدوء، وينشغلن فتيات أخريات بممارسة فنون الاسترخاء المختلفة، التي يجدنها بوابة لتفريغ همومهن المعيشية في قطاع غزة المحاصر.

هذه الفنون الاستعراضية، التي غدت رياضة الفتيات المحببة في غزة، تعد نمطاً ترفيهياً جديداً في قطاع غزة المحاصر منذ ما يزيد عن 13 عاماً، ويغلب على مشهده دوماً أخبار الحرب والقتل والدمار، وهي الزاوية التي تحاول الفتيات من خلالها -كما وضّحنّ لـمراسل وكالة أنباء هاوار-: "تؤذينا الصورة المأخوذة عن غزة في الإعلام دائماً وهي القتل والجوع والدمار، لذا نحاول عبر هذه الرياضة، إرسال رسالة إنسانية للعالم، وهي أن هناك من يحب الحياة وينشد سلامها، رغم مرارة الظروف المحيطة".

حتى الآن، هناك أكثر من مئة فتاة يمارسن هذه الرياضة بشكل دوري، بعد أن قررن القفز فوق  العادات والتقاليد المجتمعية  في غزة، ويجتمعن بشكل شبه يومي في مركز الصحة النفسية والجسدية في غزة، وهو المركز الذي أسس هذه الفكرة بالتعاون مع مدربة إيرلندية حظيت بزيارة لغزة قبل سنوات، وعرضت فكرة هذه الرياضة على ثلاث فتيات، وعندما قوبلت الفكرة بالموافقة من قبلهن، منحتهن فرصة السفر لبلدها لتدريبهن عليها، وبعد أن أتقنّ هذا الفن عادت الفتيات إلى غزة يحملن شغف التوسع بها وعكس تجربتهن في غزة لتستفيد منها فتيات بلدهن المرهقات من الأزمات والقهر النفسي.

لاحقاً تطور الأمر، لتصبح هذه الرياضة – إلى جانب أنها مبعث للسعادة والراحة – مصدراً مالياً للفتيات المدربات، اللواتي أصبحن أكثر قدرة بفضل هذه الرياضة على إعالة عوائلهن وبيوتهن.

ونجح المركز الصغير الذي افتُتح قبل أشهر قليلة، في توفير الاحتياجات الأساسية لممارسة الرياضة، المتمثلة بـ: فَرشة الأمان التي تحمي اللاعبات من ضرر السقوط، والحبال الناعمة التي تساعدهن على التعلق في الهواء، والكرات التي تستخدم ضمن الرياضة، وغيرها من الأدوات اللازمة.

وتقول المدربة أمل خيال: إن الفكرة، هدفت في الأصل إلى إيجاد مساحة خاصة للنساء يمارسن من خلالها التفريغ النفسي أمام كل ما تعانيه المرأة من ضغوطات نفسية، إذ أن الألعاب الهوائية والحركية والسيرك واليوجا كلها مصدر رئيس للراحة النفسية.

وتُضيف: "إن التمارين الاستعراضية تأخذ أشكالاً متنوعة، منها ما هو بواسطة الحبال المعلقة، ومنها عروضاً بهلوانية بوساطة الحلقات الدائرية، والقفز".

وعلى الفرشة ذات اللون الأزرق، تستلقي الفتاة نور عيشة 25 عاماً، قدميها في وضعية متعاكسة، و تميل بجسدها يميناً ويساراً، مع شهيق وزفير عميق، يجعلها تشعر بالسكينة والراحة، دقائق ثم نفضت الشابة يديها، واعتدلت في جلستها لتقول: "قبل هذه اللحظات، كنت أشاهد هذه الرياضة على التلفاز فقط، وكنت أتمنى كثيراً لو أنني أستطيع ممارستها، إلى أن وجدت هذا المركز، وصرت من عشاق هذه الرياضة، رغم بعض الصعوبات التي واجهناها في بداية تعلمها".

لكن الآن،  تضيف نور التي فقدت زوجها خلال الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2014، بعد أن أغارات الطائرات الحربية على منزل قريب من بيتهم، وقد نجت هي وطفليها اللذان تربيهما الآن: "هذه الرياضة، تشعرني بأني أمرن روحي وجسدي معاً، وهذا شعور جميل جداً بالنسبة لي، وقد ساعدني في تجاوز عقبات اجتماعية كثيرة".

ولم تتوقع الفتيات أن يعتدن سريعاً على هذه الرياضة، لأنها ليست مألوفة بالنسبة لهن، لكن ذلك لم يدم، إذ غدت الفتيات واثقات تماماً من أنفسهن، وبعد الممارسة المستمرة وجدن الأمر سهلاً وممتعًا بالنسبة لهن، بل رفع شغفهن وطموحهن إلى السعي من أجل إتقان المزيد من الحركات القوية في الرياضة.

المدربات والقائمات على الصالة الرياضية، يحاولن استغلال هذه الرياضة لتحقيق أكبر استفادة منها على المستوى النفسي للمشاركات، فمؤخراً صارت هذه الرياضة توصى لبعض النساء المهمشات اللواتي عانين من ضغوط اجتماعية ونفسية كبيرة، وذلك لعلاجهن عبر الرياضة.

بيد أن هذه الرياضة، لازالت تواجه تحديات اجتماعية، تمنع فتيات يرغبن في الانضمام إليها وممارستها، ومن أبرزها التحديات التي واجهت القائمين على هذه الفكرة، كما تقول المدربة آمال خيال: "إن المحاذير المجتمعية السائدة، تمنع النساء من الالتحاق بهذه الرياضة، إلا أننا دائماً نحاول توضيح الحقيقة، وبيان كذب وهشاشة العادات والتقاليد السائدة والتي لا تفيد المجتمع أبداً".

وبيّنت أنّ هناك  العديد من الأهالي، كانوا قد رفضوا فكرة انضمام فتياتهم للمركز لممارسة هذا الرياضة الهوائية بداية الأمر، ولكن بعد إقناعهم وملامستهم للتغيير الذي حصل لقريباتهن، أيدوا الفكرة حتى رغبن بعض الأمهات اللواتي رفضن الفكرة كلياً سابقاً للمشاركة في الرياضة بأنفسهن.

وجدير بالذكر، أن الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ عام 2007، سبب تدهوراً كبيراً في الحالة النفسية والوضع الاجتماعي والاقتصادي والوظيفي للنساء خاصة في القطاع، إضافة  إلى ما خلفته الحروب المتكررة التي عمقت أزماتهن، وشوهت حياتهن، فمنهن من فقدت زوجها أو أولادها أو فرداً من عائلتها، مما سبب صدمة نفسية قوية، يمكن لمثل هذه الرياضة أن تعمل على إعادة تأهيلهن نفسياً وتعزيز ثقتهن بأنفسهن.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً