الفايننشال تايمز: حديثو النعمة المقربون من النظام السوري دمروا سورية في كافة المجالات

تحدث تقرير مُطول لصحيفة الفايننشال تايمز البريطانية عن الأوضاع الاقتصادية المُزرية في سورية، وخاصة في المناطق المحسوبة على النظام نتيجة الحرب المُدمرة، وسرقة قوت الشعب السوري من أشخاص يدعمهم النظام.

ويشير تقرير الصحيفة إلى أنه في هذا الصيف، سافر اثنان من الإخوة السوريين إلى أوروبا. لم تبدأ قصتهم بقوارب مطاطية على ساحل بحر إيجة مُبحرين إلى جزيرة يونانية: طريق "جيد" للعديد من اللاجئين السوريين الذين فروا من نزاع استمر ثمان سنوات وتسبب في مقتل نصف مليون شخص.

وبدلاً من ذلك، هبط هؤلاء الإخوة في مدينة بواسطة طائرة، ويملكان سيارتين فارهتين من نوع "Ferraris"؛ وملامح البذخ تبدو عليهما واضحة جداً، وقد نشروا صوراً لهم على وسائل التواصل الاجتماعي في جزيرة ميكونوس اليونانية.

محمد وعلي هما من أبناء أغنى رجل في سوريا، رامي مخلوف ابن خال رئيس النظام السوري.

وتلفت الصحيفة إلى أنه وقبل اندلاع الأزمة في عام 2011، كان يُعتقد أن مخلوف يسيطر على أكثر من نصف الاقتصاد السوري على الرغم من أنه يخضع لعقوبات دولية منذ عام 2008.

لقد مزقت "الحرب الأهلية" الوحشية النسيج الاجتماعي في سوريا، مما تسبب في أكبر نزوح سكاني منذ الحرب العالمية الثانية، حيث أُجبر أكثر من 12 مليون شخص على مغادرة منازلهم.

وترى الصحيفة أن النظام السوري ومنذ ما يقرب من خمسة عقود، قضى على الحركات العلمانية في سورية، فاسحاً المجال "للتكفيريين" في ملء هذا الفراغ في الحياة السياسية في سوريا.

وأما الآن فقد استعاد النظام معظم البلاد، بمساعدة من حلفائه العسكريين روسيا وإيران، ولكن "الانتصارات"، بحسب الصحيفة، في ساحة المعركة لم تجلب الإغاثة المالية، فمعظم السوريين ينزلقون أكثر فأكثر نحو الفقر.

عندما قامت "فايننشال تايمز" بزيارة إلى دمشق في وقت سابق من هذا العام، كان الناس يصطفون دون جدوى للحصول على وقود الطهي المدعوم من الحكومة، والخبز، وسط تعتيم مستمر ونقص في الغاز. وقال البعض إنهم لا يستطيعون شراء اللحوم إلا مرة واحدة في الشهر.

وتنقل الصحيفة عن نبيه، قوله: "لقد ولّت الطبقة الوسطى. لم يتبق سوى الأثرياء والفقراء". وبينما كان أبناء مخلوف يتنقلون عبر مونتي كارلو وسانت تروبيز بسياراتهما باهظة الثمن، كانت الهوة بين عطلتهم الصيفية الباهظة والفقر المؤلم داخل بلادهم هائلة.

وتشير الصحيفة إلى أن أكثر من 80% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر بحلول عام 2015، وفقاً لأحدث البيانات المتاحة. وتقول الأمم المتحدة إن الدلائل تشير إلى أن هذا الأمر قد ساء.

قليلون يمكنهم كسب المال في سوريا الآن. لقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي من 60 مليار دولار سنوياً قبل النزاع إلى ما يقدر بنحو 15 مليار دولار في عام 2016. وقد أدى التجنيد العسكري والنفي والإصابة والموت إلى انخفاض قوة العمل.

كما أدت العقوبات الدولية إلى تجميد التجارة مع العالم الخارجي، في حين أن دفع الرشاوى يشكل ضغطًاً آخراً على العائدات - فسوريا هي ثاني أكثر البلدان فساداً في العالم، وفقاً لمنظمة الشفافية الدولية.

ولكن في كل حرب هناك "فائزون"، القادمون الجدد الذين استفادوا من ما يقرب من عقد من الصراع يتنافسون الآن مع من هم في القمة.

ويقول مازن، رجل أعمال في حلب من عائلة صناعية قديمة: "هناك فئة جديدة من تجار الحرب الأثرياء". وتابع "لا نعرف كيف يكسبون المال".

وترى الصحيفة بأن "الأغنياء الجُدُد" جمعوا ثروتهم على حساب اقتصاد البلد المُدمر أصلاً.

وساعد صعود ثروتهم الدراماتيكي النظام على البقاء من خلال الاستمرار في التجارة وتدفق النفط والمساعدة في تمويل المجموعات الموالية للنظام.

عندما أخذ بشار الأسد مفاتيح القصر الرئاسي في دمشق في عام 2000، بدأ في إجراء تغييرات، مما زاد من جاذبيته للحكومات الغربية التي عزلها والده.

وقدم عرضاً لإطلاق برنامج "نيوليبرالي" ليجعل  الاقتصاد السوري أكثر انفتاحاً، مروراً بأكثر من 1000 قانون ومرسوم بين عامي 2000 و 2011. تدفق الاستثمار إلى الخدمات والعقارات، مما أدى إلى تهميش الصناعات التحويلية التقليدية.

وتم توزيع الفرص في الاقتصاد الجديد بشكل غير متكافئ، وتضاعفت نسبة السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر.

ومع بدء حملة النظام على المدنيين في عام 2011، اختارت القوى الغربية، التي شعرت بالقلق من الدخول في حرب أخرى في الشرق الأوسط، فرض مزيد من العقوبات على مؤيدي الرئيس الماليين، بما في ذلك مخلوف.

ولكن العقوبات الدولية المفروضة على مخلوف - من الأصول المُجمدة إلى العقوبات المفروضة على الأوروبيين أو الأمريكيين الذين تعاملوا معه - يعتقد أنها لم تفعل شيئاً كبيراً لتقليص ثروته.

ويقول جوزيف ضاهر، وهو خبير اقتصادي سوري مُقيم في سويسرا "من المُرجّح أن رامي مخلوف زاد ثروته خلال الحرب، وذلك بفتح طرق جديدة للتهريب، والاستثمار في فرص تجارية جديدة".

يكاد يكون من المستحيل تقدير ثروة مخلوف، تشمل امبراطوريته المصالح التجارية في صناعات النفط والغاز في سوريا والمصارف والبناء ومتاجر السوق الحرة، بالإضافة إلى امتلاكه لأكبر شركة هواتف محمولة "سيريتل" .

ويُعتقد أيضاً أنه حصل على حصة كبيرة في شركة طيران خاصة، ويمتلك ربع مجموعة شام "هولدنجز" المترامية الأطراف، والتي قُدّرت قيمتها بحوالي ملياري دولار في عام 2011.

ولسنوات عديدة، لم يكن لدى النظام السبب الكافي لكبح فساد رامي مخلوف. وكان رجال الأعمال السوريون قلقين للغاية بشأن عمليات الاستيلاء القسرية التي قام بها مخلوف.

ويتساءل مازن "لقد اعتدنا أن نُجري مناقشات طوال الوقت - هل يجب أن ننمو؟ ويتابع: "إذا فعلنا ذلك، فإننا نجازف بأن نكون مستهدفين".

ويقول نيكولاس، وهو رجل أعمال في حلب يعيش الآن في الخارج: "إذا انزعج [رامي] من إحدى شركاتك، فسوف يدمرك".

ولكن اليوم هناك كلام من خلف الكواليس بأنه حتى مخلوف قد لا يكون في مأمن. ويقول رجال الأعمال والمحللون السوريون إنه مضطر للتخلي عن أجزاء من امبراطوريته.

ويقول جهاد يازجي، محرر موقع سيريان ريبورت: "على الأقل، ما حدث لمخلوف هو تحذير واضح للغاية من بشار. بالتأكيد هذه هي نهاية هذه العلاقة الخاصة للغاية التي تربطه بـ [الرئيس]".

وبحسب يازجي، فإن العمل المزعوم ضد مخلوف يمثل تحولاً كبيراً، نحو المستفيدين الجدد الذين ساعدوا النظام ووجدوا "فرصتهم" في فوضى الحرب.

في العام الماضي تم شراء فندق مقابل مبلغ لم يكشف عنه من الأمير الوليد بن طلال. تم إتمام الصفقة أثناء احتجازه في فندق ريتز كارلتون أثناء حملة المملكة العربية السعودية لمكافحة الفساد. كان المشتري تاجراً سورياً غير معروف يدعى سامر فوز.

أصبح فوز، الذي يبلغ من العمر 46 عاماً، مرادفاً للثراء الحديث في البلاد. ففي بداية الحرب، بدا أن المزايا الوحيدة لفوز هي جواز سفره التركي، وصلاته مع الإمارات العربية المتحدة وشركة للأسرة للشحن تأسست في عام 1988، والتي تعاملت في الغالب في الأغذية. وتقول رنا "قبل الحرب، لم يسمع أحد بـ سامر فوز".

ويقول جوزيف ضاهر: "الخصائص الرئيسية لهذه الأسماء الجديدة هي دورها كوسطاء للنظام". كان على النظام السوري المحاصر استخدام الوسطاء لإيجاد شركاء أجانب. إن مهارة فوز لفوزه بالصفقات والقدرة على السفر خارج سوريا وضعته على مقربة من النظام.

ويسعى فوز إلى استغلال الفراغ الموجود في السوق التجارية السورية، وتحوّل من تجارة الأغذية الرئيسية إلى غيرها من الواردات الحيوية وخدمات حقول النفط، وكل ذلك جعله أكثر أهمية لدى الرئيس. نمت امبراطوريته التجارية بوتيرة سريعة منذ عام 2015 فصاعداً.

فوز هو رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لشركة أمان القابضة، التي يذكر موقع الشركة على الإنترنت: "نحن أكبر شركة تجارية متنوعة في البلاد ولدينا شبكة استراتيجية من الموردين في مختلف البلدان".

وتشمل معملاً للسكر ومصنعاً للدقيق ومصنعاً لتجميع السيارات ومصهراً للحديد ومصنعاً للفائف الصُلب، وحصصاً في عدة بنوك سورية، ومصنع أدوية وشركة لتصنيع الكابلات اشترتها شركة فوز.

ويمتلك شركة إعلامية في لبنان وأخبر مجلة أرابيسك أنه لديه منجم ذهب في جنوب أنقرة العاصمة التركية، ويقوم بتطوير فندق خمس نجوم في بودروم التركية.

بينما بدا أن فوز يتمتع بدعم من رئيس النظام، إلا أنه لم يكن مُفضّلاً من قبل الجميع في عائلة الأسد الممتدة. ونشرت صحيفة رامي مخلوف، جريدة الوطن، مجموعة من المقالات هذا العام تنتقد بشكل غير مباشر صفقات فوز.

هذا العام، لم يحالفه الحظ. فازت "أمان هولدنجز" بعقود لبناء ثلاثة أبراج شاهقة وسبع مجمعات سكنية فاخرة لتطوير دمشق، وهو عقد قيمته 312 مليون دولار. كانت المشكلة هي أن الأرض الواقعة تحت المجمع قد صادرتها الحكومة، وفي يناير من هذا العام فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على مستثمريه، بما في ذلك فوز.

وقال مسؤول الخزانة الأمريكية، سيجال ماندليكر "لقد ساعد سامر فوز وأقاربه وإمبراطوريته التجارية على ارتكاب فظائع في سورية".

وفي سياق متصل قال ديفيد كوهين، مسؤول الخزانة الأمريكية في عام 2011: "حصل محمد حمشو، أحد البارونات السورية الذائعة الصيت، على ثروته من خلال علاقاته مع  النظام".

وبحسب الصحيفة فإن حمشو كان يحاول استغلال الفوضى والفراغ في سورية لتجميع ثروته.

ويقول مازن: "[محمد] حمشو ليس شريراً. إنه انتهازي. وعضو في مجلس النواب وشخصية تجارية بارزة داخل سوريا وخارجها، هو رئيس مجموعة حمشو الدولية التي تتراوح اهتماماتها التجارية بين المعادن وتربية الخيول وإنتاج الآيس كريم".

ويقول المسؤولون الأمريكيون ورجال الأعمال السوريون على حد سواء إن نجاحه يأتي بفضل علاقة طويلة الأمد مع عائلة النظام.

ويقول رجال أعمال سوريون إن حمشو أبرم صفقة من أجل الاستحواذ على  الخردة المعدنية، التي أتت نتيجة التدمير الممنهج للبنى التحتية في سورية. وقال مازن: "العمل مجاني، والمواد مجانية - يحصل على كل شيء دون دفع فلس واحد. حمشو وشركاؤه يستخدمون الجنود والميليشيات للسيطرة على تجارة الخردة المعدنية".

ويقول إياد: "بعد ثلاث سنوات، لم ينتهوا بعد من سحب الفولاذ من البلاد. رجال حمشو ما زالوا يعملون". وتحذّر جماعات حقوق الإنسان من أن الحافز المالي للنهب قد زاد من سوء تدمير سوريا.

إن سيطرة النظام على الاقتصاد السوري قلّص من  مساحة رجال الأعمال المحايدين، وفقاً لتقرير أُعدّ هذا العام للدبلوماسيين الغربيين واطلعت عليه صحيفة فايننشال تايمز.

(م ش)


إقرأ أيضاً