العقوبات الامريكية على إيران.. مراحلها وتفاصيل تأثيراتها ومآلات التهديد الأخير

خلال السنوات الأخيرة التي شهدت فيها المنطقة ثورات وأزمات داخلية، والتي أدت لتغيرات جذرية إلى جانب فوضى عارمة هيأت لتوسيع بعض الدول الإقليمية في الشرق الأوسط من نفوذها في المنطقة أو تضارب وتصادم مصالح الدول العظمة والإقليمية ببعضها البعض، ومن بينها أمريكا وإيران اللتان أوصلتا الأزمة الممتدة بينهما منذ 1979 إلى احتماليات المواجهة العسكرية اليوم، بعد وصول حاملات الطائرات الأمريكية إلى المتوسط وزيادة عقوباته على كافة الأصعدة ضد إيران كمحاولة لتغيير سلوك الأخيرة وشل نفوذها في المنطقة.

يعتبر التحرك الأميركي وتحشيده في المنطقة خطوة غير مسبوقة ومتواترة منذ الحرب العراقية عام 2003، وذلك رداً على التحركات الإيرانية والتفافاتها غير المُطمئنة لهم في عدة دول شرق أوسطية والتي من شأنها أن تهدد قواتها ومصالحها في المنطقة، سواءً عبر وكلائها وأذرعها أو  بشكل مباشر من طهران نفسها، لتصل بذلك الأزمة بين الدولتين إلى أوجها، مرافقة لتصريحات تهديد حادة من الجانبين منذ 4 عقود من الزمن.

 مراحل العقوبات الأمريكية ومجلس الأمن الدولي على إيران

بدأت الخلافات الامريكية الإيرانية مع سقوط حكم الشاه محمد رضا البهلوي المدعوم من أمريكا وبريطانيا، ووصول آية الله الخميني إلى رأس الدولة في إيران عام 1979، لتقوم جماعات دينية تابعة لنظام الخميني باحتجاز 52 موظفاً في السفارة وسط مظاهرات مناهضة للولايات المتحدة الأمريكية برفع الخميني لشعار "الموت لأمريكا" خلال ثورته الإسلامية التي أوصلت به الى السلطة في 11 فبراير/شباط 1979. ومع هذه الحادثة بدأت موجة العقوبات الأمريكية على إيران لتعلن الحظر التجاري الكامل عليها في عام 1995.

مع استيلاء الجماعات الإسلامية على السفارة الأمريكية في إيران واحتجاز الموظفين كرهائن، والتي خلقت أزمة بين الدولتين، أصدر الرئيس الأمريكي جيمي كارتر أمراً تنفيذياً في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 1979 بتجميد نحو 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية، بما في ذلك الودائع المصرفية والذهب وغيرها من الممتلكات.

وخلال الحرب العراقية الإيرانية فرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات جديدة على إيران عام 1984، والتي شملت حظراً على مبيعات الأسلحة والمساعدات الامريكية لإيران.

كما أصدر الرئيس بيل كلينتون في 1995، خلال حكم رفسنجاني، قراراً حظر فيه تجارة صناعات النفط الإيرانية. ومن ثم أصدر قراراً يحظر أي تجارة أمريكية مع إيران، لتنتهي التجارة بين الدولتين نهائياً بعد أن بدأت بالتحسن خلال فترة ما بعد الحرب العراقية.  كما أقرّ الكونغرس الأمريكي خلالها قانون عقوبات إيران ليبيا المعروف بـ ( ILSA ) التي يفرض بموجبها عقوبات على الشركات الأجنبية التي تتعامل مع ايران التي تفور بالاستثمارات والتي تزيد عن 20 مليون دولار لتطوير الموارد البترولية في إيران.

وفي فترة حكم الرئيس الإيراني أحمدى نجاد الذي وصل إلى السلطة عام 2005 ، ضربتها موجة أخرى من العقوبات وتجميد أصول الأفراد المرتبطين بالبرنامج النووي، وذلك من قبل مجلس الأمن الدولي والولايات المتحدة الأمريكية بسبب نشاط إيران النووي.

وفي شهر حزيران من عام 2010 أقرّ مجلس الشيوخ ومجلس النواب الأمريكيين قانوناً شاملاً للعقوبات والمساءلة وسحب الاستثمارات في إيران لتشمل العديد من الصناعات والمواد في إيران، حيث وقّع عليها الرئيس أوباما.

قرارات مجلس الأمن الدولي وعقوباته ضد إيران:

( صورة توضيحية رقم 1 )

اتفاق جنيف للبرنامج النووي... انفراج اقتصادي لإيران بعد عقود من الحصار والعقوبات

بعد اتفاق إيران مع المجموعة الـ 5+1 في جنيف السويسرية عام 2013 حول برنامجها النووي، والتي تنص على تجميد قصير المدى لبرنامجها مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية عليها، أُتيحت لإيران انفراجة لأزمتها مع الدول الغربية، إلى جانب اعتبارها الاتفاق الرسمي الأول بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية بعد ثلاثة عقود من الزمن.

استمرت هذه الاتفاقية على فترات وبشكل مؤقت كونها اتفاقية ابتدائية، لتمدد في 2014 وبعدها في 2015 بالتزامن مع استمرارية المفاوضات بين الأطراف المعنية في الاتفاق.

وفي شهر نيسان/ إبريل 2015 وافقت إيران على تنفيذ القيود المفروضة على برنامجها النووي لعقد من الزمن على الأقل وكذلك على التفتيش الدولي لمراقبة تنفيذ الاتفاقية، وبالمقابل يُرفع العقوبات الدولية عليها والتي بموجبها أعلنت عن الخطة الشاملة المشتركة JCPOA بين إيران ودول الـ 5+1 وهي (روسيا – فرنسا - ألمانيا- مملكة المتحدة - صين- أمريكا)

لتدخل الاتفاقية حيز التنفيذ في شهر شباط 2016، والموقعة بينها وبين الدول الكبرى ويبدأ معها رفع العقوبات الاقتصادية التي فُرضت على إيران منذ عام 1979.

الانسحاب الأمريكي من الخطة الشاملة... عودة للأزمة بشدة، وخلافات بين الدول الأعضاء

في قرار اعتبره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "بالتاريخي" أعلنه في الـ 8 من أيار 2018 عن انسحاب بلاده من الاتفاقية النووية وعودة العقوبات الأمريكية ضد إيران بشدة حيث شملت صادرات النفط والشحن والمصارف وكافة القطاعات الاقتصادية الأساسية.

وأشار الرئيس الأمريكي بأن الانسحاب جاء بسبب دعم إيران للإرهاب وخلق عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وتضليل مفوضيها للمجتمع الدولي وعدم السماح للمفتشين للعمل في المواقع النووية، إلى جانب مناهضتهم وعنصريتهم تجاه المواطنين الأمريكيين، غير أن الاتفاقية تخدم طرفاً واحداً وهي إيران.

هذا الانسحاب وجملة الاتهامات التي أشار إليها ترامب في تصريحاتها حينذاك لم ترق لبعض الدول الأعضاء، حيث اعترضت كل من ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة على القرار، وتعهدت بدعم الشركات الأوربية التي تملك علاقات تجارية مع إيران، كما واستمرت روسيا في اتفاقياتها التجارية مع إيران خاصة في مجال الطاقة والسلع.

ومن جهته هدد وزير الخزانة الأمريكية ستيفن منوشن الشركات الأجنبية التي تتعامل مع إيران قائلاً " واشنطن سوف تستهدف بقوة الشركات والمنظمات التي تتحايل على عقوباتنا".

وبالمقابل جاء الرد الإيراني لتوقف مبيعات اليورانيوم المُخصّب والماء الثقيل إلى الدول الأخرى، وهدد حسن روحاني بأنهم سيستأنفون تخصيب اليورانيوم في حال لم تقم الأطراف الأخرى بالسماح لإيران من الاستفادة من المزايا الاقتصادية ضمن خطة العمل الشامل المشتركة.

الاقتصاد الإيراني نحو منحدر الركود

كان ولازال الاقتصاد الإيراني يعاني من ركود متواتر بسبب العقوبات الأمريكية والمجتمع الدولي، وبالنظر إلى مقياس التطور الاقتصادي صعوداً ونزولاً فإن إيران كانت تعيش أسوء حالاتها قبل الاتفاق النووي المُنفّذ على أرض الواقع في 2016 ليصعد من جديد وبقوة في اقتصادها في فترة الاتفاق، قبل أن يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن انسحابه من الاتفاقية بشكل منفرد ويضغط على الدول الأخرى ليعود الركود الاقتصادي وبشدة على كافة النواحي الاقتصادية الإيرانية.

( مخطط قياس رقم 2)

صادرات النفط الإيراني نحو التصفير

وانخفضت صادرات النفط الإيراني التي أخذت القسط الأكبر من العقوبات الأمريكية، حيث باتت صادراتها اليوم منخفضة إلى النصف، أي انخفض إلى 53% في شهر آذار الفائت، ووصلت صادراتها للنفط إلى 1.1 مليون برميل يومياً فقط بعد أن كانت 2.3 مليون برميل.

حيث دخل قرار المجلس الأمريكي حيّز التنفيذ خلال شهر أيار المنصرم حول إنهاء إعفاء مستوردي النفط الإيراني، والتي تشمل 8 دول كانت شركاتها المستوردة للنفط الإيراني معفية من العقوبات الأمريكية ومنها الصين والهند وتركيا وكوريا الجنوبية، وسيتم شملها بالعقوبات في حال لم توقف شراءها للنفط الإيراني. وبحسب المراقبين فإن إنهاء الإعفاء سيؤدي إلى تصفير صادرات النفط الإيراني وخنقه اقتصادياً.

وقد أوقفت ثلاثة دول من أصل ثمانية تعاملهم بالنفط الإيراني، وهي تايوان واليونان وإيطاليا، أما الدول الـ 5 الأخرى فقد خفّضت نسبة شرائها إلى النصف تقريباً.

أزمة داخلية واحتجاجات بسبب الأزمة الاقتصادية

مع ارتفاع قيمة العملة أمام الدولار وانخفاض صادرات النفط الإيراني أدت بذلك الى خلق تضخم في الدخل وخلق أزمة معيشية وحياتية كبيرة أدت بذلك لإلى ارتفاع دخل الأسرة في إيران، إلى جانب غلاء في الأسعار والمواد الغذائية للمواطنين.

فقد زاد التضخم من 9% في 2017 إلى 31% في 2018 بعد فرض العقوبات مباشرة، وتُشير التقديرات إلى أنها ستزداد إلى 37% في نهاية عام 2019 في حال استمرار انخفاض صادرات النفط وتدهور العملة في إيران.

ومع إعلان أمريكا انسحابها من الاتفاق النووي في أيار 2018 وعودة العقوبات على إيران، انطلقت مظاهرات احتجاجية في معظم المدن ضد الحكومة الإيرانية ورأس الدولة فيها آية الله علي خامنئي، وذلك بسبب الحالة المعيشية المُزرية والجهاز القمعي التعسفي للدولة الإيرانية وسلطتها الديكتاتورية.

كما أن وضع الحرس الثوري الإيراني وبعض المليشيات الأخرى التابعة للنظام الإيراني على قوائم الإرهاب قد زاد من الضغط على الشعب، حيث زاد النظام من سياسة التخويف والقمع ضد الشعب للتغطية على هزائمها في هذا الإطار.

السياسة الأمريكية ضد إيران.. تمكنت منها اقتصادياً لكن الأخيرة مازالت بموقف سياسي قوي

بالرغم من أن كافة المحاولات الأمريكية في فرض العقوبات على إيران على كافة الأصعدة وخنقها في حصار اقتصادي مُحكم وعلى كافة الجبهات، كان الهدف منها كبح جماح نفوذ الأخيرة في الشرق الأوسط وتقليص وجودها في المنطقة، وكذلك تقليص الخطر على قواتها وحلفائها ومصالحها في الشرق الأوسط.

إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تستطع حتى الآن من التماس ضربة جدية على إيران في هذا الصدد، لأنه وبحسب المجريات على أرض الواقع فإن إيران توسعت في اليمن وسوريا والعراق والخليج ولبنان وغيرها من دول المنطقة، ولا تزل تتعاون مع دول إقليمية ذات شأن على الصعيد السياسي والاقتصادي.

احتماليات التصعيد العسكري والسياسي الأخير:

يرى مراقبون في هذا الصدد بأن احتمالات الحرب في الخليج والمناطق الأخرى التي تتصادم قوات الطرفين ومصالحهم، قد تكون ممكنة بسبب تمادي إيران في المنطقة، كما يراه الجانب الأمريكي، وعدم تغيير إيران لسلوكها وسياساتها، مما يفتح الباب أمام احتمالات جُلّها هي التصادم، وهو ما يُشير إليه التصعيد العسكري الأخير والتهديدات المباشرة بين الطرفين دون تحرك أية دول في خلق تهدئة حتى الآن.

فهناك سيناريو الحرب بين الطرفين في المنطقة لكن لم يتضح شكل تلك الحرب، فقد تكون حرب خاطفة وسريعة لنقاط وتمركزات حساسة تابعة للنظام الإيراني في المنطقة لتخويفها والضغط عليها لتوجهها إلى المسار السياسي، أو حرب سريعة هادفة ودقيقة لضرب مراكز حيوية ومؤثرة على إيران. كما يحتمل البعض وصول التوتر إلى حرب شاملة والتي من المرجح أنها تؤدي إلى سحق النظام الإيراني واجتثاث أذرعه في المنطقة، حيث لا يوجد أية مؤشرات في مساندة أية قوى دولية عظمى قد تساند الأخيرة في معركتها هذه ضد الولايات المتحدة وحلفائها.

وقد يكون كل هذا التهديد والتحرك غير المسبوق هو الوصول إلى تخوم الحرب فقط دون الحرب، كخطوة تخدم الحرب السياسية والاقتصادية الموجودة لكي تُخضع النظام الإيراني إلى الضغط والاستسلام لتقديم تنازلات على كافة الأصعدة لتجنب حرب شاملة سواءً كرهاً أو طواعيةً نظراً لما تعيشه اليوم من أزمة العقوبات والانعزال الدولي بسبب سياساته في المنطقة.


إقرأ أيضاً