العراق على صفيح ساخن

تشهد العاصمة العراقية ومدن أخرى هذه الأيام مظاهرات واسعة، ظاهرها تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد وتفشي الفساد والمحسوبيات وقلة الخدمات، وكامنها استعار نار الطائفية، والتصاعد المحتدم بين كل من واشنطن وطهران في العراق على وقع استهداف مضخات النفط السعودية التي ألقت فيه واشنطن اللوم على طهران.

وفرض رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، حظراً كاملاً على التجول في بغداد، والتي أتت بعد الاشتباكات بين متظاهرين معارضين للحكومة وقوات الأمن.

وفي وقت سابق، فرضت السلطات حظراً للتجول في ثلاث مدن أخرى، مع تصاعد الاحتجاجات. وأدت الاضطرابات إلى مقتل تسعة أشخاص بحسب تقارير إعلامية وأمنية وإصابة المئات. وقُطعت شبكة الإنترنت وحُجبت شبكات التواصل الاجتماعي في بعض المناطق.

ففي العاصمة، استخدمت الشرطة الغاز المُسيل للدموع والذخيرة الحية في محاولة لتفريق المتظاهرين في عدد من الأحياء.

وحاول المتظاهرون الوصول إلى ميدان التحرير، وسط المدينة، الذي كانت الشرطة قد أغلقته، كما أغلقت جسراً قريباً يؤدي إلى المنطقة الخضراء حيث توجد سفارات ومكاتب حكومية.

وأُعيد فتح المنطقة الخضراء، التي كان يحظر على معظم العراقيين دخولها منذ الغزو الأمريكي عام 2003 للجمهور في يونيو/حزيران.

وقال متظاهر لوكالة رويترز "نطالب بالتغيير. نريد سقوط الحكومة بأسرها".

وألقت وزارة الداخلية باللوم على "مثيري الشغب الذين يهدفون إلى تقويض المعنى الحقيقي للمطالب (الخاصة بالمتظاهرين) وتجريدهم من السلمية".

أما وكالة الأسوشيتد بريس وتحت عنوان "حظر التجول، المزيد من الغاز المسيل للدموع في بغداد بعد يومين من العنف"، فتحدثت عن استخدام قوات الأمن العراقية الغاز المسيل للدموع ضد بضع مئات من المحتجين تجمعوا في وسط بغداد اليوم الخميس، بعد ساعات من إعلان حظر التجول في العاصمة العراقية في أعقاب يومين من أعمال العنف التي اجتاحت البلاد وسط احتجاجات مناهضة للحكومة.

وقبل الفجر، سمع دوي انفجارات داخل المنطقة الخضراء شديدة التحصين ببغداد، والتي تضم مكاتب حكومية وسفارات أجنبية.

وحتى الآن، تم الإبلاغ عن مقتل تسعة أشخاص على الأقل وجرح المئات منذ اندلاع أعمال العنف والاشتباكات بين قوات الأمن والمتظاهرين المناهضين للحكومة يوم الثلاثاء.

وتم الإعلان عن حظر التجول عقب اجتماع لكبار قادة العراق لمناقشة الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي اجتاحت البلاد.

وتقول السلطات إن حظر التجول يهدف إلى "حماية السلامة العامة" وحماية المتظاهرين من "المتسللين" الذين ارتكبوا هجمات ضد قوات الأمن والممتلكات العامة. حيث استثنت السلطات العراقية المسافرين من وإلى مطار بغداد.

ومن جهته تحدث المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف الدولي المناهضة لداعش العقيد مايلز ب. كاجينز ودعا جميع الأطراف للحد من التوترات. وأبلغ عن قلقه البالغ عن الخسائر في الأرواح والإصابات - بين المدنيين وقوات الأمن العراقية. وأصر المتحدث على أن التجمعات السلمية والتظاهرات عنصر أساسي في جميع الديمقراطيات.

وفيما يخص عبد الوهاب الساعدي، الضابط العراقي الذي واجه "داعش" وخلافه مع رئيس الوزراء واحتدام الصراع الإيراني الأمريكي، تحدثت صحيفة الاندبندنت البريطانية في نسختيها العربية والإنكليزية عن معاناة المؤسسة العسكرية العراقية وهي تحاول احتواء تداعيات إبعاد الضابط العراقي البارز عبد الوهاب الساعدي، عن جهاز مكافحة الإرهاب، وسط مطالبات واسعة لرئيس الوزراء عادل عبد المهدي بالتراجع عن هذا القرار.

وعندما حاول رئيس الوزراء تفسير أسباب القرار المفاجئ بإقصاء الساعدي عن جهاز مكافحة الإرهاب، سقط في فخ كبير، في اتهامه لضباطه عبر الإعلام، بالتسكع عند أبواب سفارات الدول الأجنبية في بغداد، في إشارة إلى السفارة الأميركية.

لكن رد الساعدي جاء واضحاً، بأنه لم يسبق له أن زار السفارة الأميركية إلا مرة واحدة للحصول على تأشيرة الدخول إلى الولايات المتحدة، تلبية لدعوة من جامعة هارفرد، حيث ألقى هناك محاضرة عن التكتيكات العسكرية التي استخدمها خلال معركة استعادة مدينة الفلوجة من "داعش".

وتأتي هذه التوترات في الوقت الذي يشهد فيه الخليج علامات حرب قادمة نتيجة تدهور الأوضاع في اليمن وكذلك استهداف ناقلات النفط في مياه الخليج واستهداف مضخات النفط الحيوية في السعودية حيث ألقت كل من واشنطن وبريطانيا باللوم على إيران وحلفائها في كل من العراق واليمن.

واعتبرت الإندبندنت أن الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي العسكري العراقي كان من أهم القادة في الحرب ضد داعش، حيث قاد الهجوم على الموصل من أجل استعادتها من مرتزقة داعش.

ولكن قبل يومين، تم إقصاؤه فجأة كقائد لقوات مكافحة الإرهاب (CTS)، وهم نخبة القوات المُسلّحة العراقية، على يد رئيس الوزراء عادل عبد المهدي. وتم إعطاؤه بدلاً من ذلك ما اعتبره الفريق الركن وظيفة في وزارة الدفاع.

ورفض الساعدي قبول هذه الخطوة، ووصف منصبه الجديد بأنه "إهانة" و "عقوبة". وأثارت ردة فعله موجة من الدعم الشعبي لأكبر جنرال في العراق، في الشوارع وكذلك على وسائل التواصل الاجتماعي. وإحدى  الشعارات التي يتم مشاركتها عبر الإنترنت: "لقد كسب صداقة الشعب، لكن كراهية السياسيين". وآخر حذّر من أنه "لم يعد هناك مجال لوطني في هذا البلد".

وتزداد أهمية إزاحته لأنه يحدث في وقت يوجد فيه صراع شديد على النفوذ في العراق بين الولايات المتحدة وإيران. هذا التوتر يؤدي إلى مخاوف من أنها قد تتصاعد إلى صراع مسلح.

وترى الصحيفة بأن هناك شكوك حول سبب إزاحة الساعدي وأحد تفسيرات التهميش هو أنه كان يعتبر، بحسب  الفصائل الموالية لإيران، قريباً جداً من الأميركيين، ولكن الدافع الأكثر إقناعاً كان هو حملته الشرسة ضد الفساد في CTS.

واتخذ الفساد العسكري في CTS شكله المعتاد في القوات المسلحة العراقية من المال لتحويل المواد الغذائية وغيرها من الإمدادات إلى جيوب خاصة، أو من خلال دفع الجنود رشاوى لتجنب القتال في الخطوط الأمامية.

وأصبح الفساد أكثر انتشاراً عندما سيطرت CTS على مدينة كركوك النفطية في 17 أكتوبر 2017، وبعد ذلك عمل بعض ضباط CTS مع آخرين في بيع النفط في السوق السوداء.

وقال مرصد "نتبلوكس" لمراقبة الإنترنت، إن الخدمة انقطعت عن معظم أنحاء العراق بما في ذلك العاصمة بغداد، وإن معدل الاتصال انخفض إلى ما دون 70 في المئة، وسط تجدد احتجاجات مناهضة للحكومة.

وفي وقت سابق الأربعاء، بدت مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر وانستغرام وتطبيق التراسل واتسآب معطلة في أنحاء العراق باستثناء إقليم كردستان الذي يمتلك بنية تحتية منفصلة فيما يتعلق بالإنترنت.

وبحسب رويترز، لم يتسن الوصول إلى خدمات الإنترنت سوى من خلال شبكة افتراضية خاصة، وهي تُخفي فعلياً موقع الجهاز المستخدم.

(م ش)


إقرأ أيضاً