السينما الكرديّةُ والشيخوخة المبكرة

تعاني السينما الكردية جملة مشاكل ومعوقات، منها ما هو متعلق بالهوية، وأخرى تتعلق بالمهنية والاختصاص إضافة إلى قضايا سياسية وإشكاليات مالية. هذه المواضيع وغيرها كانت محور حديث مطول أجرته وكالة أنباء هاوار مع المخرج السينمائي هوزان عبدو.

هوزان عبدو من مواليد 1991قرية كازيه (Gazê) التابعة لمنطقة عفرين درس دبلوم إخراج سينمائي في الجامعة الحكومة الروسية فكيك، وحاصل على بكالوريوس في الإخراج السينمائي من المعهد العالي للسينما في مصر أكاديمية الفنون.

المخرج هوزان عبدو تحدث بداية حول موضوع الهوية في السينما الكردية "كنا كسينمائيين ومسرحيين أكاديميين كرد موزعين في أنحاء العالم نتعلم في معاهدها وجامعاتها السينمائيّة نحاول إيجاد هوية وحضور لما يسمّى بالسينما الكرديّة والترويج لها ولأفلامها قليلة العدد، والموضوع كان معقداً كثيراً ويصعُبُ شرحه لزملائنا ولأساتذتنا، فأنا سوريّ الجنسيّة فكيف لفيلمي أن يكون كردستانيّاً؟

ومن الصعب جداً توثيق مجريات تاريخية لشعب قد اضطهد  منذ آلاف السنين وغير معترف به ألا وهو الشعب الكردي وكما نعرف بأنّ كردستان وبعد انهيار الدولة العثمانيّة لم يكن لها النصيب أن تكون دولة كباقي دول المنطقة (سوريا والعراق ولبنان والأردن وغيرها) من الدول حديثة المنشأ وقُسمت أراضيها على أربع دول، وقسم صغير في دولة خامسة هي أرمينيا.

السينما الكردية تصارع الواقع لتخرج إلى الوسط الفني

كنا نختلف على التسمية، ونسأل كيف يكون هناك سينما كرديّة ولا يوجد شيء اسمه كردستان كدولة، وإذا الفيلم على سبيل المثال سورياً ناطقاً بالكرديّة أم إذا كان الفيلم ناطقاً باللغة الكرديّة ومن إخراج وإنتاج كرديّ ويناقش قضية الشعب الكرديّ يكون فيلماً كرديّاً؟ حتى ولو يكن هناك وجود لكردستان القانونيّة كدولة معترفٍ بها دوليّاً.

 وفي الحقيقة هذا الموضوع معقّد قليلاً، والسينمائيون أنفسهم يختلفون على العملية العلميّة لتصنيف الأفلام حسب بلد الإنتاج منهم من يقول إن الفيلم يجب أن يكون ناطق بلغة البلد ويعالج مشاكله لكي ينتمي لهذا البلد. ولكن هناك حالات تنطبق عليها هذه الشروط ولكن المخرج وفريق العمل من بلد آخر.

انتهاك دور الإنتاج من أكبر المشكلات التي تطرأ عليها

أعتقد أنّ الفيلم تابعٌ لجهةِ الإنتاج واستناداً لذلك يتبع لدولة الإنتاج، وهنا أيضاً تكمن مشكلة، فهناك أفلامٌ كثيرة إنتاجها مشترك بين دولتين أو أكثر، حسناً سيكون الفيلم تابعاً للدولتين، والموضوع سهلٌ جداً وصعبٌ حسب التقييم الذي تستند إليه، أمّا المتعارف عليه دوليّا أنّ الفيلم يتبع لدولة الإنتاج".

غالباً ما تفتقده السينما الكردية كصناعة ثقافية وتقنية أموالاً وخبرات

من الإشكاليات الأخرى التي تطرق إليها عبدو هو موضوع الانتاج والتمويل "وبصدد شرح المشكلة الحقيقيّة التي تواجه السينما الكرديّة في يومنا الحالي كان مع بداية قيام الفيدراليّة الكرديّة في العراق بوجود فراغٌ كبيرٌ في هذا القطاع بالإضافة لغياب الآليّة العملية والعلميّة لقيادة هذه الصناعة وفهمها. ومن جهة أخرى هناك فوضى ماليّة سينمائيّة، وعلى سبيل المثال تسافر لكردستان تقول أنا كرديّ من إيران أو تركيا أو سوريا سأصنع فيلماً عن الكرد ستحصل على الدعم الفوضويّ ويقاسمك كرديّ من العراق نسبة الاختلاس وبالنهاية إذا كانت تكلفة الفيلم ألف دولار تطلب 20 ألفاً وهذا على سبيل المثال والتوضيح.

ولكن سرعان ما اكتشف كرد العراق هذا المصدر الوفير من المال فأصبح هناك مئات المخرجين وأنا لا أتحدث عن الأكاديميين الدارسين، بل المخرجين المتسلقين، فالإخراج في الشكل الخارجيّ عملٌ سهلٌ، وبعد اللقطة العامة تحتاج للقطة متوسطة أو لقطة قريبة هذه القاعدة وحدها كافية بأن تجعلك صانع فيلم ولكنها لن تجعلك مخرجاً. ولكن المستلقين لم يكتفوا بالإخراج فقط بل حاربوا الأكاديميين الدارسين للمهنة. وللتوضيح الفرق كبير كمقارنة الطبيبة النسائية بالقابلة رغم أنّ كلاهما تجيدان التوليد.

لم تمنحه نقابة الفنانين في كردستان العراق العضوية في النقابة

هوزان عبدو تطرق خلال حديثه عن تجربته الشخصية في مجال السينما في إقليم باشور كردستان "لسخرية القدر بعد تخرجي من المعهد العالي للسينما بمصر- قسم الإخراج سافرت إلى كردستان العراق، وبالفعل أول شيء خطر بذهني نقابة الفنانين لأنّي سمعت عنها عندما كنت في مصر، إذ أنَّ نقابة مصر تقدم الدعم اللوجستيّ للنقابة الكردية وبما أنّني عضو عامل في نقابة مصر للمهن السينمائيّة كنت أشعر بالغرور قليلاً، وكنت أظن أنّهم سيحملونني على الأكتاف وكيف لا، وعدد السينمائيين الكرد الأكاديميين الدارسين لن يتجاوز 30 أو 50 شخصاً لست متأكداً من العدد تماماً ولكن على سبيل التقريب.

بعد أن قدّمت لهم الشهادة الجامعيّة المصدّقة ونسخة من عضويّة النقابة المصريّة، طلبوا مني شيئاً غريباً جداً، أعمالي بالمجال السينمائيّ، ذُهلت بصراحة فالموضوع مضحك، قلت: أنا خريج جامعة ولست مصوراً لأي شيء، قال: هذا روتين. قلت في نفسي: حسناً فالموضوع للدارس في السينما سهلٌ جداً، إذ أنّه على الأقل سيكون لديه فيلمان أو ثلاثة إخراجاً وعشرة أفلام أو أكثر بين مخرج مساعد أول وثاني، هذا إن لم يعمل في مجال التلفزيون. وذكرت له أسماء أفلام عملت فيها. وتمَّ الأمر، ولكنّي لم أفهم حتى الآن ماذا سيفعل الشخص الذي يدرس النقد السينمائي لمدة 5 سنوات؟ ماذا يتوجب عليه أن يقدّم كي يعترف به فناناً في النقابة هل ستُقبل عضويته أم أنّه يُرفض لعدم وجود أعمال له. 

كان هذا الموضوع عام 2015 وحتى 2018 إلى اليوم لم أحصل على العضوية الكرديّة في نقابة الفنانين وكان السبب الحرب على إرهاب داعش، وعدم وجود ميزانيّة لتجميعِ وفدٍ من كاملِ محافظات كردستان ليمنحوني العضويّة.

أعتقد أنّه ليس من المنطق أن تحتاج إلى وفدٍ ليقرر منح سينمائيّ أكاديميّ العضوية في النقابة، ومن سيكون الوفد هل هناك أكاديميون أم أنّهم صنعوا فيلماً أو مسلسلا أو فيديو كليب وأصبحوا فنانين أم أنهم مغنون؟"

الإيديولوجية السينمائية الفكرية مازالت غير قائمة كما تتطلب

"هناك خلل بالآليّة، فمن المسؤول عن هذه الفوضى؟ نعم إنّها وزارة الثقافة ولكن رغم هذه المشاكل والروتين والاختلاس واللصوصيّة خرجت أفلامٌ كرديّةٌ كثيرةٌ مهمة وتجاوزت إلى الساحة الدوليّة، والسينمائيون الحقيقيون حاربوا الظروف ليصنعوا سينما كرديّة. وعلى سبيل المثال الفيلم القصير "دياب" قلت لن أذكر الأفلام كلها وهي كثيرة وباعثة للأمل لأنّه ليس موضوعي فاعتذر عن هذه النقطة.

في كردستان العراق حاليا يُقام مهرجانان ضخمان وفي قمة الجمالِ والإبداعِ مهرجان دهوك ومهرجان السليمانيّة، إضافة لمهرجان أربيل السينمائيّ ومهرجانات صغيرة قليلة الدعم، وفي روج آفا وشمال سوريا مهرجان عفرين للأفلام القصيرة ومهرجان روج آفا، وإذ توقف مهرجان عفرين فقد انطلق مهرجان كوباني.

رغم نجاح هذه المهرجانات السينمائيّة فقد حقّقت نجاحاً بإنفاق المال والشكل الجميل المنجز، إلا أنّ الأيدولوجية السينمائيّة الفكرية غابت عنها، ولم أكن افهم لماذا هناك ثلاثة مهرجانات في إقليم صغير مكوّن من ثلاث محافظات وكلهم لهم نفس النوعيّة والطريقة في انتقاء الأفلام التي ستُعرض، أيّ أنّها مهرجانات شاملة للفيلم القصير والطويل والتسجيليّ والأنيميشن (الرسوم المتحركة)؟ أليس من الأفضل أن يكون مهرجان دهوك للأفلام الطويلة الروائيّة مثلا والسليمانيّة لأفلام الرسوم المتحركة والقصيرة وأربيل للأفلام التسجيليّة؟ وبذلك يُمنح التخصص للمهرجان وترفع من قيمته ولا تُنافس المهرجانات الأخرى الموجودة في الإقليم.

المسؤول أيضاً عن هذه الفوضى وزارة الثقافة التي ربما يغيب عنها المثقفون. فلماذا لا تستعين الوزارة بالأكاديميين أعلم بوجود شخصين حائزين على الدكتوراه في الفنون المسرحيّة وهما في قمة الإبداع وهم من كرد العراق وأعرف دكتوراً كرديّاً في السينما في روسيا وهو أيضاً من كرد العراق، وإن كنا لا نريد دعوة الكرد الآخرين فهل لا تعرفهم الوزارة؟ من السهل إعلامها بذلك والتنسيق في هذا الصدد".

وجود ظاهرة التحزب في السينما

الانتماءات الحزبية والوصايات السياسية من المعوقات التي تعرقل تطور السينما الكردية بحسب عبدو "هذه المهرجانات الكرديّة لا يغيب عنها الاختلاف بين الأحزاب الكرديّة لتلميع صورة الحزب وساسته، والسؤال لم نربط بين المناسبات الحزبيّة وانطلاق المهرجان؟ أليس المهرجان بحد ذاته مناسبة يخضع لشروط تقنيّة؟ وفي مهرجان دهوك يلقي نيجرفان برزاني خطاباً عن السينما في حفل الافتتاح، وفي مهرجان السليمانيّة القائد ملا بختيار.

من المسؤول الأهم الذي يجب أن يكون هنا، عن وزير الثقافة أتحدث في القسمين روج آفا وباشور، هل من المنطق أن يجلس سياسيّ ويحاضر في السينمائيين الذين من المفروض أن ينتقدوا هؤلاء في أفلامهم ويخرجوا عيوبهم للعامة. وهل يجب أن نشكر القادة لأنّهم دعموا صناعة السينما أم أن ذلك واجبهم؟

هذا هو حال السينما الكرديّة من الولادة إلى الشلليّة والتحزّب ومن الإبهار إلى الانهيار! ولا يفوتني أن أذكر أنَّ هذه المهرجانات غالباً تغيب عنها لجان مشاهدة مختصة، فالأفلام تُدعى ببحث بسيط في الإنترنت، ربما كانت أفلاماً مقبولةً بمهرجان برلين، وأفلام أصدقائنا مدعوة للمهرجان أكيد وهنا تكمنُ مشكلة كبيرة إذا أنَّ السياسة السينمائيّة في تشكيل رؤية وفكر سينمائيّ للمهرجان غائبة، وأسأل لو كان أندريه تاركوفسكي حيّاً وأرسل لهم فيلماً من أفلامه النوستالجيّة مثلاً هل من الممكن للجنة التحكيم أن تستقبله وتفهمه؟ أما عن طريقة إنتاج الأفلام فلا تستطيع أن تفهم كيف لمخرج أن يحصل لدعم من وزارة الثقافة، إذ انه ليس هناك مسابقات لتقديم السيناريو أو طريقة وآلية لتقديم الأفكار، كيف تستطيع الحصول على الدعم؟ إما أن تكون محسوباً على حزبٍ بعينه ليدعمك أو أن تكون ابن مسؤول بارز، ولكن ماذا عن المستقلين؟

وأشار عبدو أنه يعمل حرصاً على تطور السينما الكرديّة وإدراكاً للمشكلة الحقيقيّة، أو تجهز لمجتمعٍ فاسدٍ لأنّ السينما أداةٌ للارتقاء بالمجتمع ولنا في الشعوب الأخرى أمثلة. فقد ساهمت السينما بتطوير بعض المجتمعات كما ساهمت بانهيار مجتمعات أخرى.

واختتم المخرج السينمائي الكردي هوزان عبدو حديثه بالتنويه أنّه مازالت هناك أفلام كرديّة مهمة تصنع من صناع مهمين وأنه مؤمن أن الفن الحقيقيّ الإبداع لن يموت، وسيدوم إرثاً ثقافيّاً لنا وللوطن والأجيال القادمة. وأما مشكلة غياب الثقافة السينمائيّة لدى المجتمع الكرديّ فذلك بسبب الممارسات القمعيّة التي مُورست ضد الشعب من الحكومات المتتالية وفقر الشعب واعتقاده بأنَّ العلمَ محصورٌ بالفروع الدراسيّ’ ذات الدخل العالي لتوفير حياة أفضل.

(ك)

ANHA


إقرأ أيضاً