السبع العجاف تطول على السوريين.. مصالح إقليمية تناور عبر هدن سياسية – 2

بدى المشهد السوري في السنوات الأخيرة عبثياً بامتياز, حيث اختلفت مصالح الحلفاء والأطراف على الأرض، فبات النظام تابعاً لروسيا وإيران، أما المعارضة فباتت أداة لتنفيذ الأجندة التركية وورقة يمكن المقايضة عليها متى شاءت تركيا، ووحدهم شعوب الشمال السوري حرروا مناطقهم من الإرهاب وأسسوا لنظام ديمقراطي يحقق للجميع حقوقه دون إقصاء واستطاعوا القضاء على إرهاب داعش الذي مولته قوى إقليمية ودولية.

تضارب  مصالح المتدخلين وأبناء الشمال والشرق ينهون داعش جغرافياً

يحيى الحبيب/مركز الأخبار

منذ أن تعقدت الأزمة السورية بفعل التدخلات الخارجية، رأت كافة الأطراف أن سوريا "كعكة" وتهافتوا عليها لتقسيمها، وسعى كل طرف للحصول على الحصة الأكبر، فبدأوا بعقد الاجتماعات من أجل تقسيم هذه الكعكة فيما بينهم، ولكن تضارب مصالح هذه الأطراف وسعي كل طرف لنيل الحصة الأكبر وإفشال مخطط الطرف الآخر، جعل من كل الاجتماعات مضيعة للوقت ومسببة إراقة دماء المزيد من السوريين.

وخلال سنوات الأزمة تغيرت خارطة النفوذ والسيطرة وتغيرت معها التحالفات كثيراً لكن جميعها حدثت تحت غطاء اتفاقات وهدن سياسية كان أبرزها اتفاق استانه.

جنيف وجولاته الـ9 .. محاولات وجهود فاشلة

ولم تتمكن محادثات جنيف التي انهت حتى الآن 9 جولات، من الوصول إلى نتائج ملموسة رغم أن كل جولة تنتهي بجملة من القرارات لا تطبق على أرض الواقع.

وبدأت الجولة الأولى في 30 حزيران 2012 بناء على دعوة المبعوث الأممي إلى سوريا كوفي عنان ومجموعة العمل من أجل سوريا، ولكنها فشلت لعدة أسباب أهمها عدم دعوة ممثلي الشعب السوري واختلاف الأطراف المعنية بالأزمة على تفسير بنود الاتفاق وخصوصاً مصير الأسد.

أما الجولة الثانية من جنيف التي انطلقت في 22 كانون الثاني 2014، فتم فيها تغيير المبعوث الدولي إلى سوريا كوفي عنان وتعيين الأخضر الابراهيمي بدلاً منه، ولكن في هذه الجولة أيضاً تم تغييب الممثلين الحقيقيين للشعب السوري وعلى رأسهم الكرد الذين أعلنوا الإدارة الذاتية في الشمال السوري قبل الاجتماع بيوم واحد، تلبيةً لرغبات تركيا التي كانت اللاعب الأول والأساسي في تفاقم الأزمة السورية عبر ضخ الأموال والرعاية وفتح حدودها للمجموعات المرتزقة والإرهابية لذلك فشلت أيضاً.

وفي الجولة الثالثة تم تغيير المبعوث الدولي مجدداً وعين ستيفان دي مستورا بدلاً عن الابراهيمي، وسبق هذه الجولة التدخل الروسي ما أدى إلى تغير موازين القوى على الأرض لصالح النظام، لذا سارعت تركيا والسعودية وقطر لتشكيل وفد بعد الاجتماع الذي عُقد في مدينة الرياض السعودية في 10 كانون الأول 2015 برعاية تركية وسعودية وقطرية، وأطلق عليه اسم “الهيئة العليا للتفاوض” بقيادة أسعد الزعبي، وتعيين القيادي في مرتزقة جيش الفتح محمد علوش ككبير المفاوضين, وغيب أيضاً ممثلي الشعب من الجولة الثالثة التي عقدت في الفترة ما بين 29 كانون الثاني و3 شباط 2016 وفشلت هذه الجولة أيضاً.

فيما تم الاتفاق في الجولة الرابعة (23 شباط – 3 آذار 2017) على 4 سلال متعلقة بـ “إنشاء حكم غير طائفي، جدول زمني لوضع مسودة دستور جديد، إجراء انتخابات نزيهة، ووضع استراتيجية مكافحة الإرهاب وبناء إجراءات للثقة المتوسطة الأمد”. إلا أن أياً من هذه المواضيع لم يتم تطبيقها رغم مرور المدة التي تم تحديدها بـ 6 أشهر.

وبدأت الجولة الـ 5، بلقاءات تمهيدية في 23 آذار 2017، واجتماعات رسمية في 24 آذار بحضور نفس الأطراف التي شاركت في الجولات السابقة وتغييب الأطراف الفعلية. ونوقشت خلال 8 أيام المواضيع الأربعة الرئيسية لجدول الأعمال، وتشمل الحكم والدستور ومكافحة الإرهاب والانتخابات، كما قدم كل طرف للمبعوث الأممي رؤيته بشأن السلال الأربع التي تمخضت عنها الجولة الرابعة.

وعقدت الجولة السادسة من جنيف في 16 أيار 2017 بمشاركة نفس الوجوه، ولكن هذه الجولة اختلفت عن سابقاتها بإجراء المبعوث الأممي لقاءات غير مباشرة بين ممثلي النظام وما يسمى المعارضة. ولم يعول الشعب السوري على أن تخرج هذه الجولة بنتائج منذ بدايتها، واعتبروها من أكثر الجولات التي تبدأ بسقف توقعات منخفض.

الجولة السابعة من جنيف عقدت في الـ 11 من تموز 2017 بمشاركة نفس الأطراف (النظام، المعارضة المحسوبة على الخارج) وتم في هذه الجولة أيضاً تغييب ممثلي الشعب السوري الحقيقيين، ولم يكن في يد المبعوث الأممي جدول أعمال ليعرضه على الأطراف السورية.

ودارت الحوارات 4 أيام في دائرة مفرغة، فمع وفد الحكومة السورية، ناقش الفريق الأممي ملف مكافحة الإرهاب ذو الأولوية بالنسبة لهذا الوفد، ومع وفد ما يسمى الهيئة العليا للمفاوضات تمت مناقشة ملف الانتقال السياسي، كما تم مناقشة خليط من السلال الأربعة مع منصتي موسكو والقاهرة. الأوساط الأممية أصيبت بخيبة أمل من هذه الجولة، حتى المشاركين من الوفود المختلفة أوضحوا بأن هذه الجولة كانت مضيعة للوقت.

وفي الجولة الثامنة (28 تشرين الثاني – 14 كانون الأول 2017)، أعلن المبعوث الدولي صراحة عن فشلها قائلاً "لم نجر مفاوضات حقيقية ولم أرى الحكومة تسعى حقيقة للحوار، هذا مؤسف"، واصفاً ما حدث بأنه "إضاعة فرصة ذهبية". مشيراً إلى أن وفد النظام اشترط سحب بيان "الرياض-2" مقابل دخوله في مفاوضات مباشرة مع "هيئة التفاوض السورية".

فيما طغى الخلاف الروسي التركي الإيراني والتصعيد في إدلب على الجولة التاسعة حيث رفض النظام السوري، ورقة قدمتها 5 دول غربية وعربية، للحلّ السياسي في سوريا، وفق القرار الأممي 2254.

سوريا وحسابات السلطنة عبر اتفاق آستانة

الحرب في سوريا لم تفتح فقط حدود البلد للتدخلات والصراعات الخارجية إنما لعودة الشهوات الاستعمارية وإعادة رسم الخرائط لسوريا ولجوارها.

هذه الشهوات كان ينقصها اتفاق سياسي للتغطية عليها فكان اتفاق آستانة الذي تحولت خلاله تركيا من معادية للنظام إلى خادم غير معلن له, حيث مكنت روسيا عبر اتفاق ما سمي خفض التصعيد, النظام من السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي السورية وذلك بمساعدة تركيا.

وعقدت جولات عديدة لآستانة, انطلقت أول واحدة منها في 23 كانون الثاني 2017، ولكن هذه الجولات لم تأتي بحل لمعاناة السوريين ولكنها على العكس من ذلك سعت لتحقيق مصالح كل من روسيا وتركيا وإيران وشرعنت الاحتلال والتدخل عبر إقرار مناطق خفض التصعيد.

وبموجب هذا الاتفاق، تقتسم كل من تركيا، روسيا وإيران الكعكة السورية فيما بينها، وفي بعض الأحيان تلتقي مصالح هذه الأطراف معاً، وفي بعضها الآخر تتعارض، ففي محافظة إدلب التقت مصالح كل من تركيا وروسيا وإيران، فتركيا كانت تريد احتلال المحافظة كي تستطيع محاصرة عفرين بشكل أكبر بعد أن كانت احتلت مناطق إعزاز والباب، وروسيا كانت تريد كسب الوقت من أجل القضاء على داعش في دير الزور، بينما إيران كان يروق لها توقف القتال في تلك المنطقة لتوجه مجموعاتها المسلحة إلى البادية السورية وتسيطر على البوكمال للإبقاء على الخط البري الواصل بين طهران ودمشق وبيروت لإنعاش أمالها في تطبيق مخططها بالهلال الشيعي.

ونتيجة تلاقي هذه المصالح احتلت تركيا أجزاء من إدلب وتمركزت على طول الحدود مع مقاطعة عفرين وبذلك باتت تحاصرها من 3 جهات (جهة إدلب، جهة إعزاز والباب والحدود التركية)، فيما أخذت روسيا وإيران متسعاً من الوقت حتى القضاء على داعش، واستمر حلف آستانه بعقد المزيد من الصفقات وكان آخرها الغوطة الشرقية مقابل عفرين حيث أوعزت تركيا لمرتزقتها وعوائلهم بالخروج من الغوطة وتسلميها للنظام السوري مقابل احتلال عفرين في هجوم بدأ في 20 كانون الثاني 2018.

 اتفاق آستانه وخفض التصعيد إلى أين؟

وبعد أن استفادت روسيا من اتفاق خفض التصعيد لإعادة سيطرة النظام على مناطق واسعة عبر تحييد تركيا لسلاح مرتزقتها, بدأت مصالح هذه الدول بالتصادم وخصوصاً في إدلب حيث وصلت تركيا إلى حائط مسدود في دعم الجماعات الإرهابية إذ تسعى إلى إعادة تذويب المرتزقة ضمن تنظيمات جديدة لإدخالها في اللجنة الدستورية إلا أن روسيا ترفض ذلك وترى بأن على تركيا فك هذه التنظيمات وتسليم مواقعها لقوات النظام.

تركيا بين سندان روسيا ومطرقة الولايات المتحدة

وفي ظل هذا المأزق في إدلب بات وضع تركيا يتعقد أكثر فأكثر حيث وبسبب مراهناتها الخاسرة بدأت تحتار وتتخبط بين الحلف الروسي الذي لا أفق له وبين الحلف الأمريكي الذي ضاق ذرعاً بمشاكل تركيا مع جوارها.

وتركيا الآن عليها أن تحسم أمرها وأن تختار أحد الخيارين وأحلاهمها مر, إما أن تسير مع الحلف الأمريكي وتخسر بذلك وجودها في إدلب وسوريا بشكل كامل, وتخسر أدوات ضغطها على الجميع بمن فيهم واشنطن وروسيا, أو أن تأخذ الخيار الروسي وتكون بذلك أنهت طموحاتها وآمالها بالهجوم على مناطق شمال وشرق سوريا.

تخفيف اللهجة الإقليمية والدولية من النظام السوري وتصعيد ضد إيران

بعد كل ما سردنا من أحداث الأزمة السورية نرى بأن مسعى تركيا بإسقاط النظام تلاشى حيث وجهت سلاحها ومرتزقتها نحو الكرد ومناطق شمال وشرق سوريا, كما تغيرت مواقف أغلب الدول الخليجية والغربية أيضاً حيث غابت مطالبات إسقاط النظام عن خطاباتهم وشهدت الفترة الأخيرة عودة عربية باتجاه دمشق اختلف البعض حول تفسيرها لتعود وتتفرمل بإيعاز أمريكي.

هذا الحراك العربي باتجاه دمشق ترافق مع خلاف روسي إيراني تمخض عنه حرد سياسي لطهران توصل لتقديم وزير الخارجية محمد جواد ظريف لاستقالته وهذا يعود بحسب المراقبين بأن هناك انزعاج إيراني من السياسة الروسية المنفتحة على خصوم إيران وحديث عن ضوء أخضر روسي لإخراج القوات الإيرانية من سوريا.

داعش الذي هدد العالم يندحر في شمال وشرق سوريا

رغم كل هذه الصفقات السياسية الدنيئة، إلا أنه كان هناك رأي آخر لأبناء شمال وشرق سوريا حيث استمروا بالحرب على الإرهاب ودحروا أكبر تنظيم إرهابي هدد العالم أجمع.

هذا الانتصار على الإرهاب وعلى الرغم من المساعي التركية إلا أنه أحدث بصمة عند جميع دول العالم لا يمكن أن تزول.

ولم تحقق شعوب الشمال السوري انتصارات عسكرية فقط، بل تزامنت هذه الانتصارات مع عمل مؤسساتي مكثف تم خلاله إنشاء إدارات ذاتية للمناطق المحررة تشارك فيها كافة شعوب تلك المنطقة ووضعت قوانين تنظيم كافة مفاصل الحياة بناء على التنوع السكاني وخصوصية كل منطقة.

وفي 6 أيلول/سبتمبر عام 2018، خطت شعوب الشمال السوري خطوة جديدة على طريق الديمقراطية، عبر تشكيل إدارة ذاتية لشمال وشرق سوريا خلال اجتماع عقده مجلس سوريا الديمقراطية للمجالس المحلية والإدارات الذاتية والمدنية في شمال وشرق سوريا وذلك استناداَ إلى القرار المتخذ في المؤتمر الثالث لمجلس سوريا الديمقراطية الذي عقد في الـ 16 تموز/يوليو من العام ذاته.

وبإجماع جميع القوى والدول العالمية فإن مناطق شمال وشرق سوريا هي أكثر المناطق السورية أمناً وتطوراً, وتفتح أفق أمل لجميع السوريون.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً