التراث الكردي المنقول شفوياً مهدّد بالاندثار، إذا لم يتحول إلى نصوص كتابية

من جيل إلى جيل، حارب الفنان الكردي في سبيل حماية لغته عن طريق الأغاني والقصص والحكايات التي تناقلتها الأجيال إرثاً حضارياً إلى يومنا هذا، لكن هذا الإرث يبدو أنه بقي قيد التهميش من قبل الغالبية العظمة من كتّاب ومثقفي هذا العصر.

يتميز الفلكلور الكردي بوجود قصص وحكايات شعبية، وأشعار ملحمية، بالإضافة إلى الأمثال والحكم والأساطير، التي تعطي صورة حية لحياة المجتمع الكردي السالفة.

وتعرض الشعب الكردي بفلكلوره، ولغته، وحضارته، على مرّ العصور إلى الكثير من الاضطهاد، وسياسات الصهر الثقافي، على يد الدول التي حكمت المنطقة التي فيها كردستان.

واجتهدت هذه الدول في محاولة طمس الهوية الكردية، ووأد الثقافة الخاصة بهذا الشعب، لكن الفن كان دائماً سبباً في تناقل القصص والحكايات والملاحم التاريخية، التي تعتبر جانباً هاماً من جوانب حضارة هذا الشعب, أما الآن بات هذا الفن عماد وبوابة الأدب الكردي لكل من أراد الخوض في هذه اللغة.

وهناك العشرات من الملاحم التي جيء بها عبر الفن من أسلاف الشعب الكردي، على ألسنة فنانين اشتهروا بطول أغانيهم التي كانت تروي قصصاً وحكايات، وتعطي تاريخاً منقولاً عبر الفن، عوضاً عن الكتب ليكون في يومنا هذا عنوان حضارة.

غير إن هذه الملاحم لم تُجرَ لها بحوثاً موسعة، تعطي حقيقة تاريخية لهذه الحضارة حتى اللحظة, مثل ملحمة طيار وملحمة غزالة, كما إن هناك العديد من الكتابات التي تطرقت الى ملحمة دوريش عفدي، لكن هذه الملحمة الأخيرة أيضاً لم تحظَ بتقييم أكاديمي من نقد أو تفنيد أو توثيق.

درويش عفدي الإيزيدي الأصل، تناقلت قصته الأغاني عبر الأجيال، ويقال بأنه رفض أن يستسلم للغزو، فواجه الآلاف من العثمانيين بعدد قليل من المقاتلين، والذين كان عددهم لا يتجاوز 12 مقاتلاً بينهم رجل عربي.

وتقول القصة إن درويش وأخوه وكل من معه قد قُتلوا، لكن القصة لم تكتمل بسبب عدم وجود مخطوطات تاريخية تثبت تلك الملاحم، فإلى الآن لم يُعرف ما إن تمكن الغزاة من غزو بلادهم أم تراجعوا.

ونُقلت هذه القصة من الماضي إلى الحاضر عبر الأغاني الكردية التراثية، ولم تدون في  الكتب، ليكون هذا حال الكثير من الملاحم والقصص والأحداث، التي عاشها الشعب الكردي قديماً، ووصلت إلى زماننا هذا على شكل أغاني تراثية تناقلتها الأجيال.

الباحث والفنان كامل حسن، من ضمن الذين ساهموا في الحفاظ على هذا الجانب من الحضارة، عبر الأغاني والقصص والحكايات التي تروي تاريخ شعب استباحت الحكومات المتتالية كل قيمه الاجتماعية، ومن بينها التراث، والفكر، والفن، والقيم الاجتماعية الأخرى، بالإضافة إلى المخطوطات التاريخية كحقائق تعطي مدلولاً تاريخياً عن شعوب المنطقة  مثل مخطوطة  "أفيستا".

يقول كامل حسن الفنان والباحث في المجالات التراثية في مركز باقي خدو للثقافة والفن بمدينة كوباني :"إن الارث الفني كان أساساً تناقل من خلاله الفنانون اللغة والتاريخ الكردي".

وأضاف "اللغة الكردية كانت على الدوام وعبر التاريخ محل اضطهاد من قبل الكثير من الدول والإمبراطوريات التي مرّت على هذه المنطقة  غير أن الفنانين كان لهم الدور الأكبر في الحفاظ على اللغة عبر الأغاني والأساطير والملاحم، وهم كثيرون كان من بينهم "خدو وابنه باقي خدو, ومشو بكه بور", وكرابيت خاجو الذي كان في باكور كردستان بالإضافة إلى بوزان أحمد، ومامد كاشو وغيرهم من الفنانين".

وقال حسن :إن "الملاحم كانت مثل درويش عفدي الذي غنى عنها باقي خدو ب 5 أشرطة كاسيت ولم تنته الملحمة، بالإضافة إلى أخريات مثل خجو وسيامند, طيار خال وخارزي, وصالح وكجه والكثير من الملاحم التاريخية التي وصلت إلينا, باستثناء مم وزين التي كتب عنها في كتاب واحد، أما البقية لا تزال حتى اللحظة قيد الأغاني، ولم تتحول إلى كتب ومناهج، لتحافظ على هذا الإرث بشكل أفضل وأكثر ضماناً".

وحثّ كامل مثقفي هذا العصر والكتاب الكرد للبحث في هذا المجال، وكتابة هذه الحضارة والتاريخ الذي يتم تناقله عبر الأغاني والقصص القديمة، ليبقى حياً ومحمياً من الزوال.

(ج)

 ANHA


إقرأ أيضاً