إدلب: عقدة سوريا الكأداء

تقع إدلب شمال غرب سوريا، تتوسّط محافظات حلب وحماه واللّاذقية، بعد أن احتلّ المجموعات المرتزقة مدينة إدلب تحوّلت إلى عقدة سوريا الكأداء.

في عام 2015 وبمساندة تركيا والسّعوديّة وقطر، احتلّت مجموعة المرتزقة المسمّاة جيش الفتح، وتحت قيادة جبهة النّصرة، فرع القاعدة في سوريا، مدينة إدلب، فتحوّلت إلى أهم مركز لإمداد المجموعات المرتزقة.

في شهر تشرين الثاني عام 2015 اسقطت الدّفاعات التّركيّة طائرة حربيّة روسيّة على الحدود مع إدلب، وكلّ ما حدث بعد إسقاط الطّائرة يعتبر مقدّمات لما يحدث اليوم على أرض الواقع.

في تلك الفترة قال الرّئيس التّركيّ رجب أردوغان "ماذا تفعل روسيا هنا؟"، ورفض الوجود الرّوسيّ في المنطقة، وفيما بعد أرسل أردوغان رسالة اعتذار للرّئيس الرّوسيّ فلاديمير بوتين، ومن هناك بدأت التّحضيرات لاجتماعات آستانا.

عمل بوتين خلال مسيرة آستانا وسوتشي على تعميق الهوّة بين كلّ من تركيا والسعودية وقطر، أهم الحلفاء الدّاعمين للمجموعات المسلّحة في سوريا.

بعد سلسلة الاجتماعات الّتي جمعت كلّاً من روسيا وتركيا وإيران في اجتماعات سوتشي وآستانا، أصبحت إدلب نقطة تمركز المجموعات المرتزقة.

جميع المجموعات المرتزقة الّتي هزمت في حلب والغوطة وحماه وحمص، تم إجلاؤهم ونقلهم إلى إدلب.

وبعد نقل وجمع المجموعات المرتزقة في إدلب، طالبت تركيا بثمن تخلّيها عن حلب والباب والغوطة الشّرقيّة، والثّمن هو عفرين، ووافقت روسيا على المطالب التّركيّة.

في لقاءات أستانا شهر تموز 2017 قرّرت كلّ من تركيا وروسيا وإيران تشكيل ما يسمّى بمناطق "خفض التّصعيد" في 4 مناطق سوريّة، وهي درعا- القنيطرة، غوطة الشّرقيّة، حمص وإدلب.

وتمّ تصفية المجموعات المرتزقة في غوطة الشّرقية مقابل عفرين، فيما تمّ تصفية المجموعات المرتزقة في درعا والقنيطرة، ومناطق جنوب سوريا، بتفاهم بين كلّ من الولايات المتّحدة الأمريكيّة وروسيا والأردن وبضمانة إيرانيّة بإبعاد تلك المجموعات عن المناطق الحدوديّة.

وبناء على اتفاقيّة مناطق خفض التّصعيد تمّ إنشاء 12 نقطة مراقبة تركيّة في إدلب، وهي نقطة صلوة، جبل سمعان، جبل عقيل، جبل أعناق، تلة العيس، تل طوقان، الصرمان، مورك، ميدان غزال، جبل استبرق وجبل التركمان.

بموجب اتفاقية 12 تشرين الأوّل عام 2017 وبعد سلسلة اجتماعات آستانا بين كلّ من روسيا وإيران وتركيا، وعدت تركيا بالفصل بين ما تسمّى بالمجموعات المتطرّفة (الراديكالية) والمجموعات المعتدلة وإخراج المجموعات المتشدّدة إلى خارج الحدود.

ما هي المجموعات الموجودة في إدلب؟

- من أهمّ المجموعات المرتزقة الموجودة في إدلب هي جبهة النّصرة، وهي فرع القاعدة في سوريا. وبهدف إزالة اسمها من قائمة الأمم المتّحدة للتنظيمات الإرهابيّة سعت جبهة النصرة إلى تغيير اسمها عدّة مرّات، وأنشأت العديد من التّحالفات، ولكنّها لم تنجح في مسعاها حتّى الآن.

في عام 2015 تحالفت جبهة النّصرة مع عدد من المجموعات المرتزقة، وأنشؤوا ما يسمّى بـ جبهة فتح الشّام، وفيما بعد تحالفت مع مجموعات أخرى وأسّسوا ما يسمّى بـ هيئة تحرير الشّام.

وتضمّ هيئة تحرير الشّام حالياً كلّ جيش السّنّة، جند الأقصى، لواء الحقّ، جيش الأحرار وأنصار الدّين، والعشرات من المجموعات الصّغيرة، حيثُ تتألّف الهيئة من جناحين:

الجناح الأوّل يتبع القاعدة وزعيمها أيمن الظّواهري، ويضمّ مجموعات متطرّفة. بينا الجناح الثّاني فيتبع نهج زعيم جبهة النّصرة محمد الجولاني.

- التّحالف أو الكتلة الثانية تضمن المجموعات الّتي انشقّت فيما بعد من هيئة تحرير الشّام، وتحالفت برعاية تركية مع أحرار الشّام.

وفيما بعد انضمّت العديد من المجموعات الكبيرة والصّغيرة مع هذه الكتلة، وفي شباط عام 2018 تمّ تأسيس الجبهة الوطنيّة السّوريّة الّتي تعتبر ثاني أكبر قوّة في إدلب. العديد من المجموعات العاملة في هذا التّحالف انضمّوا إلى ما يسمّى بدرع الفرات.

- هناك العديد من المجموعات الأخرى الّتي لا تعمل ضمن التّحالفين السّابقين، وهي مجموعات الأخوان المسلمين.

وتحالفت العديد من هذه المجموعات مثل فيلق الشّام، جيش إدلب، جيش النّخبة، جيش النصر، وأسّست في أيار عام 2018 جبهة باسم "جبهة التحرير الوطنية.

العديد من هذه المجموعات المرتزقة انضمّت إلى "درع الفرات"، وشاركت في احتلال عفرين.

  • توجد أيضاً المجموعات القادمة من الجمهوريات التركية.
  • مجموعات قادمة من الشّيشان وداغستان وقفقاسيا مثل جند القفقاس وأنصار التّوحيد وكتائب الإمام البخاري.

وبعد أن أعلن النّظام السّوريّ نيّته في إطلاق عمليّة عسكريّة في إدلب، اتّحدت كلّ من الجبهة الوطنيّة السّوريّة وجبهة التّحرير الوطنية تحت جبهة التّحرير الوطنية.

وأطلق النّظام السّوريّ في الخامس من شهر آب عمليّة عسكريّة تحت غطاء جوّي روسيّ في إدلب استمرّت أسبوعين، وتمكّن خلالها من السّيطرة على نواحي خان شيخون في إدلب، وحاصرت نقطة المراقبة التّركية في مورك.

وتركيا بدورها حملت على عاتقها مهمّة تمويه المجموعات المتطرّفة التّابعة للقاعدة، وإبرازها على أنّها مجموعات معتدلة.

ورغم جميع المراوغات والألاعيب التّركية إلّا أنّها لم تحصد أيّ نتيجة. بتاريخ 17 أيلول عام 2018، وقّع كلّ من أردوغان وبوتين اتفاقيّة من 10 بنود، وتضمنت الاتفاقيّة إنشاء منطقة منزوعة السّلاح بعمق 15 إلى 20 كيلومتراً، وفتح طريقي M4 و M5، الفصل بين المجموعات المرتزقة، واعتبر هذا الاتفاق اتفاقاً لوقف إطلاق النار.

في أواخر شهر كانون الأول عام 2018 بدأت جبهة النصرة بالتّحرّك والسّيطرة على 90 بالمئة من مساحة إدلب، كما تمكّن من تصفية باقي المجموعات المرتزقة بما فيها مجموعة نور الدّين زنكي.

مع بداية عام 2019 سيطر النّظام السّوريّ على عدد من المناطق في جنوب إدلب وشمال حماه، وفي شهر أيار أطلق النّظام عمليّة عسكريّة موسّعة، وسيطر على العديد من المناطق.

وفي شهر آب سيطر النّظام على خان شيخون، وفي شهر تشرين الثّاني أطلق النّظام وبدعم جوّيّ روسيّ عمليّة عسكريّة.

وبعد احتلال تركيا كلّ من سري كانيه وكري سبي، ألتقى في 22 تشرين الأوّل الرّئيس التّركيّ أردوغان مع الرّئيس الرّوسي بوتين، وفي تلك الأثناء زار الرّئيس السّوريّ المواقع العسكريّة التّابعة للجيش السّوريّ في إدلب، وأعلن عن أطلاق العمليّة العسكريّة.

في 24 تشرين الأول انطلقت العمليّة العسكريّة البرّية في إدلب بغطاء جوّيّ روسيّ، وتمّت السّيطرة على معرّة النعمان.

وتعتبر كلّ من معرة النعمان وسراقب وجسر الشّغور مواقع استراتيجيّة بالنّسبة لقوّات النّظام من أجل السّيطرة على طريق حلب اللّاذقية دمشق (M5).

حتّى الآن حاول النّظام وروسيا عدم الخوض في عمليّة عسكريّة في إدلب، وبدل من العمل على السّيطرة الكاملة على إدلب، انتهج سياسة قضم المناطق على التّوالي.

من شأن عمليّة عسكريّة موسّعة أن تؤدّي إلى عمليّة نزوح كبيرة، حيث من المتوقّع أن تفتح تركيا حدودها أمام النّازحين وبالتّالي استخدام ورقة النّازحين ضدّ الدّول الأوروبّية، ممّا قد يؤدّي إلى تدخّل جوّيّ مباشر من قبل النّاتو.

إدلب تعتبر محطّ اهتمام العديد من الدّول بشأنها وخاصّة ألمانيا وفرنسا والولايات المتّحدة الأمريكيّة، وبحسب المعطيات التّركيّة فإنّ حوالي 3 ملايين شخص يعيشون في المدينة، فيما تقول مؤسسات مستقلّة أن المنطقة تضمّ حوالي مليون ومائتي ألف نسمة.

بعد أن انطلقت العمليّة العسكريّة في إدلب، نزح الآلاف من الأهالي صوب الحدود التّركيّة. فيما حاصرت قوّات النّظام نقطة المراقبة التّركية في الصرمان.

ومن جهة أخرى تحالفت كلّ من هيئة تحرير الشّام والجيش الوطنيّ السّوريّ لمواجهة العمليّة العسكريّة السّوريّة الرّوسيّة.

وبحسب الاتّفاقيّة فإنّ حوالي ألف مسلح من الفرقة الأولى والثّالثة سوف يتوجّهون إلى شمال وغرب إدلب.

يتمّ الحديث مؤخّراً حول سعي تركيا إلى إرسال مسلّحين من المجموعات المرتزقة إلى ليبيا.

وتقف كلّ من تركيا وروسيا في جبهتين مختلفتين فيما يتعلّق بليبيا، وتدافع روسيا عن المشير خليفة حفتر، فيما تدعم تركيا الأخوان المسلمين، أي تدعم السّرّاج.

من المرتقب أن يلتقي كلّ من بوتين وأردوغان في 8 و 9 كانون الثّاني حول إدلب، وألتقى الرّئيسان بشكل مباشر 24 مرّة منذ آب عام 2016، إضافة إلى 45 مكالمة تلفونيّة.

ويتوقّع أن تتمّ خلال اللّقاء صفقات جديدة بشأن إدلب وليبيا.

(ك)

ANHA


إقرأ أيضاً