إدلب وعقدة المصالح الدولية

أضحى الدم السوري رهن مصالح القوى المتدخلة في سوريا، كما هو واقع محافظة إدلب السورية، التي أضحت ساحة تحديد المصالح الاستراتيجية بين كلاً من روسيا وتركيا وأمريكا، ومعاركها رهن إشارة إحداها.

لا تزال رحى الأزمة السورية دائرة في جغرافية البلاد حسب مصالح الدول المُتدخلة في الأزمة، والتي حوّلت الحراك الشعبي منذ آذار مارس 2011 إلى أزمة منقطعة النظير، راح ضحيتها الآلاف من المدنيين، إلى جانب خروج أكثر من 60 بالمئة من البنية التحتية السورية عن الخدمة، وقبوع أكثر من 10 بالمئة من الأراضي السورية تحت رزح الاحتلال التركي.

تشهد أرياف محافظات حلب وحماة واللاذقية ومحافظة إدلب السورية شمال غرب البلاد حملة تصعيد عسكرية تعتبر الأعنف منذ الصيف الماضي، في مقصد من كلتا القوتين المتدخلتين في الأزمة السورية لتحقيق المزيد من المصالح الاستراتيجية على حساب الشعب السوري، بين روسيا الداعمة لقوات النظام، وتركيا راعية مرتزقة جبهة النصرة.

إن ما يلفت الانتباه في المعارك التي تدور شمال غرب سوريا، أنها تشتد لدى توافق تركيا وأمريكا في موضوع طائرات إف 35، وذلك بتصعيد واضح من قبل الجانب الروسي، وتنخفض وتيرتها لدى توافق روسيا وتركيا حول موضوع الأس 400.

وكان قد نقل موقع روسيا اليوم عن بوتين قوله في مقابلة متلفزة إن العلاقات بين موسكو وواشنطن متدهورة وتنتقل من سيء إلى أسوأ، مشيراً إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية اتخذت خلال الأعوام الأخيرة عشرات القرارات المتعلقة بالعقوبات على روسيا.

المعارك على أطراف محافظة إدلب السورية كانت توحي ببدء النظام السوري معركة استعادة المنطقة وسط تصريحات نارية كان يطلقها يومياً حول استعادة إدلب من قبضة المرتزقة المدعومة تركياً، ولكن سرعان ما تنخفض وتيرة تلك التهديدات مع الاتفاق الروسي التركي حول بعض المصالح التي تخص الطرفين، الأمر الذي يؤكد استخدام الشعب السوري وأرضه كوقود وساحة حرب المصالح المتبادلة بين الطرفين.

فنشهد اليوم اتفاق روسي تركي يقول فيها الطرفين بأنها محاولات لوقف إطلاق النار في المنطقة، والتي تسميانها مناطق خفض التصعيد، حيث نقلت وكالات أنباء روسية عن الجيش الروسي القول يوم الأربعاء إن روسيا وتركيا توسطتا في وقف تام لإطلاق النار في محافظة إدلب السورية بين قوات الحكومة وجبهة النصرة، وإن اتفاق وقف إطلاق النار يسري على منطقة خفض التصعيد في إدلب وأدى إلى خفض العنف بشكل كبير يوم الأربعاء.

وتأتي هنا عملية التوافق والاتفاق على وقف إطلاق النار بين روسيا وتركيا، بعد تصريحات وقرارات الولايات المتحدة الأمريكية بإيقاف عملية تدريب عناصر أتراك على استخدام طائرات إف 35 الأمريكية، وزيادة العقوبات الأمريكية الاقتصادية على تركيا، بعد محاولة تركيا شراء منظومة صواريخ إس 400 الروسية.

لا يخفى أن لأمريكا يد طائلة في مسألة إدلب، أمريكا هي من تدير بوصلة الحرب في تلك المنطقة، وهي من تلعب دوراً كبيراً في عدم قدرة النظام على التقدم في تلك المنطقة.

في الحقيقة أمريكا تحاول أن تجعل تركيا تنقلب على روسيا في تلك المنطقة، لا تريد أن تخرج حليفتها في الناتو، أي تركيا، من إدلب تنفيذاً لمشروع الناتو وهو الوصول إلى البحر المتوسط.

بين الحين والآخر نرى تصريحات أمريكية تقول بأن النظام "قد يستخدم الأسلحة الكيماوية" أو أن "النظام يُحضّر لاستخدم الكيماوي" ويتوعده بالرد في حال الاستخدام. هذا يعتبر دعماً سياسياً قويا لتركيا ومجاميعها المتواجدة في إدلب وأرياف حماة وحلب واللاذقية.

في حين قالت لنا مصادر من إدلب نقلاً عن جنود أتراك، أن أمريكا هي من تطلب من تركيا دعم المجاميع في وجه النظام، وهذا ما تُرجم على الأرض بعدما تقدمت المجاميع على حساب النظام وقطعت طريق السقيلبية ومدينة حماة بعدما سيطروا على تل ملاح.

بين التوافق التركي الروسي تارة، والتوافق التركي الأمريكي تارة أخرى، تستمر معاناة أهالي إدلب السورية، ويبقى من يدفع فاتورة مصالح الدول المتدخلة في سوريا هو الشعب السوري، فهل سيبقى الشعب السوري منتظراً مصيره المرتبط بالمصالح الدولية، أم أنه سينتفض في وجه الطرفين ويجدد انتفاضته التي انطلقت في آذار مارس 2011، وهل ستبقى الأمم المتحدة مكتوفة الأيدي حيال التلاعب بمصير الشعب السوري.

(ك)

ANHA