اللقاء الأخير بين قطبي المقتلة السورية

 حسين عمر 

كما في كل اجتماع بين الرئيسين الروسي والتركي، كان الجانب الاقتصادي المحور الأهم في اللقاء الذي جرى بينهما بتاريخ 7/4/2019،وقد تحدث الرئيسان بشكل مفصل حول العمل المشترك وخاصة في مجال الطاقة، ومما جاء في المؤتمر الصحفي هو أن الطرفين يسعيان إلى زيادة التبادل التجاري الذي حقق زيادة في السنة الماضية بنسبة 17%، مما أوصل حجم التبادل الى أكثر من 28 مليار دولار، وهو رقم كبير في العلاقات التجارية بين الدول.

لقد غاب عن حديث بوتين أية إشارة إلى مناطق شمال شرقي سوريا، وركّز بحديثه على إدلب، ونوّه إلى أن الاتفاق الموقع بين الجانبين بخصوصها يتقدم ببطء وهو ما لم يبدي بوتين رضاه عنها.

أما أردوغان فقد قال: اعتقد بأننا متفاهمين مع روسيا بخصوص مكافحة جميع التنظيمات الإرهابية وقصد بذلك كما هو معلوم وحدات حماية الشعب والمرأة. ولكن بوتين لم يُظهر أية إشارة رضى عن حديثه ذاك، بل ركّز على إدلب وبدون حل لمشكلة الإرهاب فيها فلن يكون هناك حل سلمي للنزاع السوري، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن تشديد بوتين على الحل السلمي في سوريا دون التطرق إلى الوجود الأمريكي أو مناطق الإدارة الذاتية كعوائق أمام الحل, دليل على ان الإدارة الروسية مقتنعة تماماً بان الإدارة في تلك المنطقة  وقواتها العسكرية  لا تشكل أي عائق أمام الحل السياسي بعكس أردوغان الذي حاول أن يُظهر ذلك.

لقد كان الرئيسان متفقين في المسائل الاقتصادية، ولكنهم -وهذا ما ظهر خلال المؤتمر الصحفي- لم يكونا متفقين على النقاط التي أوردها أردوغان بخصوص الحل، وقد تبين بأنه يريد أن يجعل من إدلب محمية ملحقة بتركيا كما جرابلس وعفرين، وهو مالم يكن على ما يبدو مناسب للرؤية الروسية التي أصرّت على بوتين تخليص إدلب من المنظمات الإرهابية، وبسطت سيطرة النظام عليها. وكذلك لم يستطع أردوغان الحصول على موافقة بوتين لاجتياح مناطق شرق الفرات أو حتى منبج، وهذ ما ظهر من عدم حديث الرئيس التركي عن أي هجوم محتمل في أحاديثه، بالرغم من أنه صرّح قبل الزيارة بأنه ذاهب إلى موسكو لأجل الاتفاق على قيام تركيا باجتياح الأراضي السورية, وهذا على ما يبدو لم يحصل عليه، والدليل عدم تطرقه لها في أحاديثه التي أعقبت اللقاء .

ماذا بعد؟

عاد أردوغان وهو محمل بالأعباء التي حملها معه دون أن يحمل عنه بوتين أي جزء منها, لقد اشتكى حتى من العلاقة التجارية غير المتكافئة، حين قال بأن الميزان التجاري يميل لصالح روسيا. ولكنه لم يتراجع عن تعزيز تلك العلاقات لحاجته قبل حاجة روسيا لزيادتها، وكما هو معروف فقد فاقت الديون الخارجية التركية الحدود المعقولة، وقد ذكر قبل أيام بأن الأزمة الاقتصادية التركية تمتد لخمسة عشر عاماً، مضى وهي المدة التي باشر فيها أردوغان بتغيير السياسة الاقتصادية للدولة واعتمد على الاقتراض الخارجي في سبيل تشغيل المؤسسات، والتي بدورها لم تكن تستطيع الوفاء بالأقساط المترتبة عليها، مما زادت الفوائد وازداد معها حجم الديون، ووصلت إلى مرحلة لم يعد من الممكن إخفاءها, ولهذا يحاول أردوغان وبكل السبل تطوير العلاقات الاقتصادية مع الدول التي لم تكن لتركيا معها صداقات مباشرة للحصول إلى بعض المكاسب ومحاولة تسديد الديون من الفوائد والضرائب التي تُجنى من تلك العلاقات وهذ أيضاً لن يوفي أو يسُد إلا جزءاً بسيطاً من تلك الديون .

مأزق تركيا الاقتصادي كبير وقد دخل مرحلة الركود التي تعني بأن البطالة ستزداد وسينخفض الدخل وستتقلص الضرائب، وسيتراجع النمو الاقتصادي مما يعني بأن الحكومة التركية الحالية تتجه نحو كساد اقتصادي كبير سيؤثر بدوره على الحياة السياسية والاجتماعية والمعيشية في الداخل التركي، ولهذا تحاول الحكومة التركية أن توجه أنظار الجماهير إلى أخطار خارجية وتقوم بتأجيج النعرات القومودينة والعصبوية المناطقية والطائفية حتى تبقى مسيطرة على الوضع، وتقود المجتمع التركي نحو المنزلق الذي سيكون صعباً الرجوع منه.

من المعلوم بأن العلاقات المتطورة الحالية بين تركيا وروسيا تأسست على دماء السوريين، وكان لتدخل الدولتين ومشاركتهما في المقتلة السورية، أحد أهم الدوافع التي جعلت من تلك العلاقة متينة وغير قابلة للانتكاس، حتى تحقيق كل طرف أهداف مخططاته، لقد عادت روسيا للواجهة العالمية كقوة منافسة للوجود الأمريكي، بتدخلها إلى جانب النظام ضد المجاميع الإرهابية والتي تشكّل معظمها من قوى راديكالية إرهابية متطرفة، دعمتها تركيا وقطر وقادتها إلى أن تكون أداة لتنفيذ مآربها الحقيقية في سوريا.

هدف روسيا كان منذ البداية هو تعويم النظام، وعدم السماح بإسقاطه، وكانت تركيا تحاول جاهدةً بدعم القوى المسلحة والمرتزقة لتسقط النظام، وتكرر تجربة العراق في سوريا، والتي سيطرت إيران على قرارتها، وهو ما كانت تريده تركيا في سوريا أن تكون هي صاحبة القرار في الشأن السوري، وهَدف أردوغان من ذلك إلى جعلها -أي سوريا- بوابة للولوج إلى بقية الدول العربية، والهدف الآخر كان منع الشعب الكردي والقوى الوطنية والتقدمية من تحقيق أهدافها في تحويل سوريا إلى دولة تعددية لا مركزية تُحقق للشعب الكردي حقوقه المشروعة، وهو ما اصطدم بالإرادة الكردية وشركائها في الوطن وكذلك بالجدار الروسي الذي بناه بوتين ليحمي به النظام، وبالتالي يمنع اردوغان، ليس هذا فحسب بل استطاع بوتين أن يجر أردوغان إلى المصيدة التي نصبها له بإسقاطه للطائرة الروسية، مما خلق لدى روسيا سبباً في العمل لإبعاد تركيا عن الأزمة السورية، وضرب أي تدخل من قبلها فيها من جهة، ومن جهة أخرى فرض بعض الاجراءات الاقتصادية وخاصة بوقف السياحة لتركيا, وهو ما أدى ليتنازل أردوغان ويعقد صفقة تلو الآخر مع بوتين، وكلها على حساب دماء السوريين، وجرى ما سُميت به عمليات تبادل المناطق بين الطرفين وكان آخرها السماح لتركيا باحتلال عفرين مقابل إخراج الإرهابيين والمجموعات المسلحة من غوطة دمشق وجوارها، وهو ما تم بعد حمص وحلب وغيرها من المناطق التي كانت تلك المجاميع المسلحة تسيطر عليها.

بالمحصلة، فقد استطاع بوتين بمساعدة أردوغان تخليص النظام من السقوط وكذلك فرض وجود القوة الروسية على الأرض، وبالمقابل حصل أردوغان على بعض من أهدافه وهو احتلال بعض المناطق وخاصة عفرين.

لنعُد إلى اللقاء الأخير، والذي كان الإنجاز الأهم لبوتين وفرض شروطه على أردوغان والتي كان الاقتصاد الحيز الأكبر فيه، ومن ثم تعزيز العلاقات الثنائية في ظل تهديدات أمريكية بمعاقبة تركيا على أي استمرار في تنفيذ اتفاقية  400S، والتي لم يتم ذكرها لا سلباً ولا إيجاباً في أحاديث الطرفين وكأن الامر محسوم ولا داعي لتأكيده، ولهذا فيبدو أن العلاقات الثنائية المتطورة بين البلدين لا تتراجع على الرغم من الخلافات الظاهرة بين الطرفين حول الوضع في سوريا وخاصة حول إدلب ومناطق الإدارة الذاتية، وعلى ما يبدو فقد تم رفض المقترح التركي حول تحويل إدلب الى محمية تركية مثل جرابلس واحتلال مناطق الإدارة الذاتية كما عفرين.

لقد عاد أردوغان خائب الرجاء من موسكو سياسياً ولم يحصل على ما ذهب من أجله -صرح بأنه سيدخل إلى مناطق شرق الفرات في يوم من الأيام دون أن يُشعر أحد - وهو يدرك بأنه لا يمكنه تحقيق ذلك ولن يتمكن في المستقبل أيضاً. لأن بوتين لم يعد بحاجة إلى تدخل أردوغان في الشأن السوري، بل يهدف الى التقليل من تدخله وعدم السماح له باحتلال مناطق أخرى أو المقايضة، فلم يعد اردوغان يملك ما يمكنه المقايضة عليه سوى المجاميع الإرهابية التي سيضحي بهم عاجلاً ام اجلاً، وستظهر نتائج الاجتماع بذلك الخصوص سريعاً.