باحثة لبنانية: تركيا استغلت الضعف العربي ومشكلتها تكمن في إنكار القضية الكردية

قالت الباحثة اللبنانية والخبيرة في الشأن التركي الدكتورة هدى رزق، إن تركيا سعت منذ بداية الأزمة السورية إلى تسليم حكم البلاد إلى الإخوان المسلمين, وأكدت أن الأحلام التركية في العراق قديمة، وتجددت مع الاجتياح الأمريكي ومع بروز الضعف العربي, وأشارت إلى أن المشكلة التي تعانيها تركيا سببها إنكار القضية الكردية.

ازدادت تدخلات تركيا في شؤون بعض الدول العربية، خصوصاً في سورية والعراق وليبيا، ما يثير التساؤلات حول دوافع أنقرة من هذه التدخلات.

" أدوات الحرب كانت حاضرة "

وفي هذا السياق أجرت وكالتنا مقابلة خاصة مع الباحثة اللبنانية والخبيرة في الشأن التركي الدكتورة هدى رزق، والتي قالت فيها " كان المستهدف الأول في سورية هو تغيير النظام، وهذا ما فعله داود أوغلو في البداية عندما توجه إلى بشار الأسد قائلاً إنه انتهى الإحياء الشيعي وبدأ الإحياء السني، بمعنى أنه يجب على الأسد التخلي عن بعض صلاحياته لرئيس وزراء يكون من جماعة الإخوان المسلمين وليس سنيّاً فقط، وتكون له قسم كبير من صلاحيات رئيس الجمهورية".

وتتابع رزق إن "هذا التدخل السافر في قلب النظام السوري سبقته تهيئة عسكرية، والدليل على ذلك أن تركيا جهزت خيماً للنازحين على حدودها قبل أن يكون هناك نازحون، وقبل الضربة العسكرية، ما يعني أن هناك خطة محكمة بأنه إن لم يوافق الأسد على هذه الخطة بشكل سياسي وسلمي – وهذا كان متوقعاً أن لا يوافق الأسد – فإن الضربة العسكرية جاهزة، وأدوات الحرب كانت حاضرة".

"حلم تركي قديم متجدد في العراق"

أما بخصوص التدخل التركي في العراق، تقول الباحثة اللبنانية: "إن أنقرة قالت للولايات المتحدة عام 2003 عندما اجتاحت العراق، إن كان هناك نية للولايات المتحدة بتقسيم العراق فهي أولى باسترجاع المناطق النفطية، لا سيما كركوك والموصل، حيث لديها مواطنون تعتبرهم أتراك وهم التركمان، وتقول إنها تخلت عن الموصل عام 1926 أثناء المحادثات مع البريطانيين".

"استغلال تركي للضعف العربي وقضية فلسطين"

وحول تكثيف تركيا لتدخلاتها في الشأن العربي، قالت رزق لوكالتنا: "بعد احتلال أميركا للعراق عدّت تركيا العالم العربي ضعيفاً، وبدأت إرهاصات التدخل في الشأن العربي عندما حاولت التدخل لصالح الفلسطينيين من خلال أسطورة ما في مرمرة، لتقول إنها مع فلسطين ضد الممارسات الإسرائيلية، وتستعطف العالم العربي".

وتتابع رزق: "ليس بالصدفة أن يكون الهجوم في سورية والدفاع عن الإخوان المسلمين في مصر والتحالف مع النهضة في تونس وليد اللحظة، بل من المؤكد كانت هناك تحالفات بين قطر وتركيا على هذه المسائل، هيئت ما يسمى الربيع العربي".

وتؤكد الباحثة اللبنانية أن "لقناة الجزيرة دوراً في الربيع العربي التي انتهجت سياسة اللعب على مسألة الإسلام السياسي، وأيضاً في ظل الحوار الذي كانت تقوده الولايات المتحدة مع الإسلام السياسي حول الديمقراطية"، ثم تسأل رزق وتجيب: "هل نجح الربيع العربي؟ بالتأكيد لم ينجح، لكنه نجح في مسألة واحدة وهي إحداث الفوضى بالعالم العربي".

"مشكلة أردوغان تكمن بأنه ينكر القضية الكردية"

الخبيرة في الشأن التركي أكدت خلال حديثها أن "لدى تركيا مشكلة أساسية وهي إنكارها من الأساس للقضية الكردية، علماً أنها عندما بدأت بالمحادثات مع الكرد في تركيا عام 2007 في السويد من أجل المصالحة، والتي جرت بواسطة مدير المخابرات هاكان فيدان، كان الهدف المصالحة والاعتراف بحق الكرد بممارسة الحياة السياسية وإطلاق عبد الله أوجلان من سجن إمرالي، إلا أن مشاريع أردوغان مختلفة، فهو كان في هذه المحادثات يساير الأوروبيين والأمريكيين، لكن عندما استطاع عام 2014 أن يكون له حيثية أكبر - بمعنى أن يقصي عبد الله غولن من السياسة ويدخل هو إلى رئاسة الجمهورية - باءت المحادثات بالفشل، لأنه لا ثقة بين الطرفين، فهدف أردوغان هو نفي مقاتلي حزب العمال الكردستاني إلى أوروبا، وإلقاء أسلحتهم ومنعهم من الدخول في معترك السياسة، ثم انقلب أردوغان بعد انتخابات حزيران 2015 على كل ما تعهد به وكل المحادثات التي جرت مع الكرد، وبدأ حربه ضدهم في المناطق الكردية".

"دور أمريكي أخضر"

هذا في تركيا، أما في العراق فتقول رزق: "إن تركيا لها 20 قاعدة عسكرية في جبال كردستان، ومنها تقصف جبال قنديل وسنجار لتثبت عداءها لكرد".

ولدى سؤالنا عن دور الحكومة العراقية في هذه الهجمات؟ تؤكد الباحثة اللبنانية أن "الولايات المتحدة الأمريكية تعطي أردوغان الضوء الأخضر، كما جرى في عفرين ومنبج وكل المناطق الكردية، وأمريكا تقول بأنها غير معنية بعفرين أي لا تمون على عفرين التي فيها روسيا، وهنا تظهر التناقضات بين الروس والأمريكيين إذ جرى اللعب عليها فقط لمصالح رجب طيب أردوغان".

وتضيف رزق إن "أنقرة لن تسمح بأن يكون هناك منطقة حكم ذاتي أو نواة دولة كردية في سورية تتلاقى مع إقليم كردستان العراق، التي هي كانت غير موافقة بالأصل عليه، لكنها وُضعت أمام أمر واقع".

"عدم وضوح في السياسة الأمريكية"

هذه التناقضات تطرح سؤالاً عن سياسة أمريكا، فتقول رزق: "ليس هناك وضوح في سياسة أمريكا، لأن ما تقوم به هو لمصالحها، وهو تثبيت وجودها في العراق، ضمن صراعها مع إيران، وبالتالي منع التواصل بين سورية والعراق وحزب الله في لبنان، فهي تعتبر وجودها في العراق استراتيجياً، ليس فقط ضد إيران وحلفائها، ولكن هذه نقطة تصل إيران بسورية ولبنان، وهي بذلك تغلق أي حرب على إسرائيل من جهة، ووجود الثورة النفطية فيها من جهة أخرى، فالمشكلة ليس مشكلة أقليات فحسب، ولكن مصالح دول، فمصلحة أمريكا التخلي عن الكرد لمصلحة أردوغان، لأنه حليفها الاستراتيجي والأساسي، رغم وقوفه في الوقت نفسه إلى جانب إيران وروسيا في الأستانة".

وهنا تؤكد رزق أن "القومية التركية تأبى الاعتراف بحقوق الكرد، أو أن يكون هناك قضية كردية، لذلك نرى أردوغان ينفي هذه القضية ويستنجد بالقوميين في الداخل التركي لتحقيق أهدافه".

"أردوغان يستعمل إسلاميته في مصالحه"

وحول التدخل التركي المباشر في ليبيا، تقول الخبيرة في الشأن التركي: إن "أنقرة خططت لتدخلها العسكري في ليبيا قبل ذلك، لكن منذ سنتين لغاية اليوم تحاول إثبات أن لها حقوقاً في قبرص التركية وفي البحر المتوسط من خلال تسيير فرقاطات واستخراج النفط، وهو ما رفضته قبرص اليونانية، وهذا خلاف منذ العام 1974 ولم يُحلّ، رغم محاولات الأمم المتحدة في الوساطة".

وتتابع "تركيا تقف بجانب قبرص التركية لأنها تعدّ مصلحتها هناك عبر الاستفادة من النفط والغاز من جهة، ومن جهة أخرى تريد أن تكون شريكاً في هذه الثروة، فوجدت لها حلاً عبر حكومة الوفاق التي هي إسلامية، وأردوغان يستعمل إسلاميته في مصالحه، فعقد مع حكومة الوفاق اتفاقاً في حربها مع خليفة حفتر، بموجبها تسترجع تركيا الاستثمارات التي كانت لديها في زمن معمر القذافي، هذا عدا أن تستفيد من النفط والغاز الليبي، وهو ما رفضته قبرص واليونان ومصر، لأن أردوغان يتدخل عسكرياً في ليبيا، إضافة إلى مشاريعه السياسية من خلال مساعدة حكومة الوفاق".

"أمريكا تدعم أردوغان لإيقاف التمدد الروسي"

تركيا عضو في الناتو، وفي الوقت نفسه، فرنسا أيضاً عضو في الناتو، إذاً لماذا تقف بوجه تركيا؟ تجيبنا رزق: "فرنسا تعتبر أن تركيا تتغطى بغطاء الناتو لكي تدخل إلى ليبيا، وفرنسا هي داعمة لحفتر الذي يقاتل حلفاء تركيا، وأميركا ترى أن روسيا قد تدخلت كثيراً في ليبيا وأصبح لها قوة وحيثية لأنها تدعم قوات فاغنر، وتقود محادثات في موسكو وألمانيا لعدم التدخل العسكري في ليبيا، وتركيا إحدى هذه الدول التي شاركت في برلين وتعهدت بعدم التدخل العسكري، لكنها استمرت في الحرب، وروسيا لم تكن بعيدة عن ذلك، فكان لا بد لها من الدفاع عن طرابلس، لذلك كانت موافقة على التدخل التركي".

وتضيف رزق: "عندما استطاع أردوغان السيطرة على طرابلس، أراد أن يذهب إلى سرت وجفرة، وهذا يعني احتلال المثلث النفطي، وكل الدول التي تقاتل في ليبيا لها مصالح في هذه المنطقة، ومنها فرنسا التي لا يمكن أن تسمح لأردوغان بأن يحتل هذه المنطقة ويضرب مصالحها، لذلك نرى أن هناك صراعاً تركياً فرنسياً كاد أن يتحول عسكرياً، وهنا تقول رزق: "إن أمريكا لا تريد أن يكون هناك تدخل قوي لروسيا، لذلك هي تدعم التدخل التركي واستكمال الحرب في ليبيا التي تقف ضده فرنسا، فهو صراع بين طرفين في الناتو، ولكن الولايات المتحدة تدعم أردوغان، كي يقف في وجه التمدد الروسي".

"تهديدات مصر هدفها إيقاف الحرب"

وفيما يخص إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي التدخل العسكري في ليبيا، وهل هو بداية للتحرك العربي ضد تركيا؟ تقول رزق: إن "السيسي عندما وضع المبادئ لوقف الحرب في ليبيا، تم هذا بإيعاز من فرنسا، وأيضاً روسيا التي قالت إنه يمكن إقصاء خليفة حفتر، ويكون رئيس مجلس النواب عقيلة صالح هو من يفاوض الأتراك وحكومة الوفاق الوطني، لكن يبدو أن فرنسا لم تقبل بهذا الحل، وأصر أردوغان على استمرار الحرب، وفي الوقت نفسه دونالد ترامب وقف مع المقررات المصرية ودعمها، وبذلك عندما تهدد مصر بتدخل عسكري في ليبيا، هذا يعني أن تحصل حرب بين حلفاء أميركا".

وبحسب رزق "أن إعلان السيسي هو لإيقاف الحرب والعودة إلى المحادثات السياسية، تستبعد التدخل المصري في ليبيا، وترجّح أن تسود المحادثات السياسية، وينحصر هذا التدخل في ليبيا، فلن تتدخل مصر في العالم العربي، خاصة بعد انسحابها منه عام 1978 وانسحابها من الدفاع العربي المشترك".

(ي ح)


إقرأ أيضاً