بعد عامين.. درعا إلى الواجهة مجدداً فماذا يجري فيها؟

عادت درعا إلى واجهة الأحداث السورية مجدداً، فما بين التظاهرات الشعبية والانفلات الأمني والتحشيد العسكري الروسي والإيراني, توجهت الأنظار إلى الجنوب السوري, فماذا يجري هناك؟

تعتبر مدينة درعا مهد الثورة السورية التي انطلقت في آذار/مارس 2011، ولذلك كانت في صلب أهداف الحكومة السورية وهدفاً لعملياتها العسكرية منذ البداية، لذا أطلقت قوات الحكومة عملية عسكرية باسم "البازلت" للسيطرة على الجنوب السوري الذي كانت تتواجد فيه المجموعات المسلحة وداعش في 18 حزيران/يونيو 2018.

وعلى غرار التسويات التي توصل إليها الجانب الروسي مع المسلحين في غوطة دمشق وريف حمص، تم التوصل أيضاً لاتفاق تسوية في درعا والتي كانت تسمى بمنطقة خفض التصعيد الرابعة - بناء على اتفاقات آستانا بين روسيا وتركيا وإيران- بتاريخ 6 تموز/يوليو 2018.

ومنذ توقيع اتفاق المصالحة في الجنوب السوري تعرّض أعضاء اللجنة وقيادات سابقة لما تسمى "بالمعارضة" من مدنيين وعسكريين ممن ساهموا في اتفاق التسوية، إلى حملات استهداف واسعة، حيث تعرّض العديد منهم إلى الاغتيال أو الاختطاف.

نقطة تشابك المصالح الإيرانية - الإسرائيلية

شكلت المنطقة الجنوبية في سوريا وتحديداً محافظة درعا، نقطة تتشابك فيها مصالح الأطراف الإقليمية والدولية خصوصاً إيران وإسرائيل، فهذه المحافظة تقع في جنوب سوريا بالقرب من الحدود السورية - الأردنية وتتاخم الجولان المحتل من قبل إسرائيل.

هذا الموقع وقربها من إسرائيل، جعلها في صلب المخططات الإيرانية والإسرائيلية على حد سواء، فإيران ترغب في الانتشار في هذه المنطقة من أجل تشكيل قواعد دائمة لها ولحزب الله على غرار الجنوب اللبناني، وبالتالي محاصرة إسرائيل أكثر واستخدامها ضدها في أوقات التوتر والحرب.

بينما ترى إسرائيل التمدد الإيراني في هذه المنطقة خطراً عليها ويجعلها في مرمى قوة إقليمية –إيران- تسعى لامتلاك السلاح النووي، إلى جانب خوفها من أن تتحول هذه المنطقة إلى نقطة جذب للفصائل الفلسطينية المسلحة، إلى جانب عدم رغبتها بفتح جبهة الجولان، التي سادها الهدوء على مدى أربعين عاماً.

لذا وقبل اتفاق التسوية الذي حصل في تموز/يونيو من عام 2018 بين القوات الحكومية والمجموعات المسلحة في الجنوب، أعلنت روسيا التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل بشأن وجود القوات الإيرانية جنوبي سوريا، وطلبت تل أبيب حينها من موسكو انسحاب إيران إلى مسافة 60 إلى 70 كيلومتراً، في منطقة تمتد من مجدل شمس إلى ما بعد دمشق، ومن جهة الجنوب من الحدود المشتركة مع الأردن إلى السويداء.

وكانت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية أوردت في عددها الصادر بتاريخ 28 أيار/مايو 2018، اتفاق إسرائيل وروسيا على السماح للحكومة السورية بإعادة السيطرة على جنوب سوريا حتى الحدود مع إسرائيل، ولكن لن يُسمح لإيران وحزب الله بالمشاركة في هذه العملية.

وأشار التقرير إلى أن إسرائيل ستحتفظ بقدرتها على التصدي للتوسع الإيراني في سوريا، مضيفاً أنّ قوات الرئيس السوري بشار الأسد سيجري دعمها لاستعادة جنوب البلاد، وهي عملية ستشارك فيها إسرائيل وستتيح للأسد استعادة السيطرة على كافة سوريا.

إيران تعود مجدداً إلى مثلث الموت!

ورغم انسحاب القوات الإيرانية في البداية، إلا أن هذا لم يدم طويلاً، فبعد 6 أشهر من هذا الاتفاق، بدأ الإيرانيون بالعودة مجدداً إلى الساحة الجنوبية عبر الانتشار في مثلث الموت وصولاً إلى الحدود الإسرائيلية، والقواعد العسكرية للحكومة في منطقة الكسوة على الطريق الدولي دمشق - القنيطرة.

وبدأ الظهور الإيراني في درعا عبر الأجهزة الأمنية السورية مثل المخابرات الجوية ومجموعات من الأمن العسكري وأمن الدولة وتحت غطاء الفرقة الرابعة، وصولاً إلى تواجد رسمي لحزب الله في منطقة اللجاة.

وفي الشريط الحدودي في القنيطرة، توغلت إيران بشكل كافٍ في قرى الشراكس (بريقة، بئر عجم) وقرى جبل الشيخ، إذ قامت بإنشاء ميليشيات محلية من أبناء المنطقة، إلى جانب توطين أسر عناصر الإيرانيين وحزب الله في العديد من القرى.

إحراج إيراني لروسيا

وشكلت عودة إيران إلى الجنوب السوري إحراجاً كبيراً لروسيا حيث تحاول روسيا الآن بضغط من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل إعادة التمركز في المنطقة وإخراج جميع المجموعات وعلى رأسها حزب الله من مدينة درعا التي تراها إسرائيل تهديداً لأمنها القومي، إذ تطالب الأطراف روسيا بالعودة إلى الاتفاقية التي جرت في الأردن وإنهاء النفوذ الإيراني بشكل كامل في هذه المنطقة.

 تعزيزات عسكرية للنظام

أما الوجه الجديد لما يجري في درعا فهو عودة الأفرع الأمنية إليها وعدم الاعتراف بالتسويات السابقة.

وبعد أن بسطت الحكومة سيطرتها على المدينة، لم تنفّذ أياً من وعود التسوية، والتي أكد عليها مسؤولون أمنيون زاروا المحافظة خلال العام الماضي، وأكدوا على أهمية أن تعود المحافظة إلى ما كانت عليه قبل آذار/مارس 2011، باستثناء أعمال محدودة نفذتها مؤسسات الحكومة لتحسين بعض الخدمات كالكهرباء والماء وغيرها، وذلك حسب ما أكده ناشطون من تلك المنطقة.

وتصاعد الوضع في 5 أيار/مايو من العام الجاري بعد مقتل 9 عناصر من قوى الأمن الداخلي في بلدة المزيريب في ريف درعا، حيث وجهت الحكومة أصابع الاتهام إلى القيادي في ما يسمى “لواء الكرامة” محمد قاسم الصبيحي والذي كان تابعاً لما يسمى الجيش الحر، وذلك رداً على مقتل ولده الذي وُجدت جثته إلى جانب شخص آخر على طريق الجعيله- إبطع بالريف الأوسط من محافظة درعا.

وعلى إثر ذلك بدأت قوات الحكومة باستقدام تعزيزات عسكرية كبيرة بينها آليات ثقيلة ومدافع وأيضاً تعزيزات من الفرقة الرابعة والتاسعة انتشرت في ريفي درعا الشرقي والغربي، قبل أن يُسحب بعضها، قبل أيام، في حين عادت الفرقة التاسعة وأرسلت قواتها إلى تل الخضر وحاجز التابلين ومنشأة تميم بدر في محيط اليادودة، ويقول الأهالي إنها جاءت بهدف اقتحام المدينة, وعلى إثر ذلك تجددت التظاهرات الشعبية في الجنوب السوري.

الحرب في سوريا رأس جبل جليد من صراع دولي وإقليمي كبير

وحول ذلك قال المحلل السياسي السوري أحمد الدرزي لوكالتنا، إن الحرب التي امتدت على أغلب الأراضي السورية منذ منتصف شهر آذار من عام 2011 لم تكن سوى رأس جبل جليد من صراع دولي وإقليمي كبير تدخلت فيه كل القوى الكبرى بشكل عسكري مباشر وخاصةً الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا أو بشكل دعم استخباراتي وسياسي ومالي كما هو حال ألمانيا ومعظم دول الاتحاد الأوروبي مقابل الصين.

وأكد الدرزي أنه خلال هذه الحرب وقفت إيران كقوة إقليمية كبرى حليفة لسوريا في مواجهة كل من تركيا وإسرائيل والسعودية وقطر والأردن وبقية الدول.

وأضاف: "هذا المشهد العام انعكس على صورة الصراع الداخلي، حيث ظهر الانكفاء الأميركي وعجزه عن حسم الحرب وتحقيق أهدافه منها، وهذا ما انعكس على بقية القوى الإقليمية وقبولها بانسحاب كامل من ريف دمشق وحمص وريفها، وانسحاب شبه كامل من درعا مع الإبقاء على بعض المجموعات المسلحة بعنوان المصالحة مع الإبقاء على أسلحتها المتوسطة".

رسالة لموسكو وطهران بالابتعاد عن دمشق

وأشار الدرزي إلى أن "الدول عملت على خيارات متعددة سياسياً وعسكرياً وفي مناطق متعددة إحداها منطقة درعا، حيث تم إعادة إحياء غرفة الموك في الأردن وإعطاء الأوامر للتحرك الأمني باتباع أسلوب الاغتيالات، والأسلوب المدني بتحريك المظاهرات وبرسالة واضحة لكل من طهران وموسكو للابتعاد عن دمشق بخروج المستشارين الإيرانيين من سوريا وقطع التواصل البري بين العراق وسوريا، وقبول موسكو بانتخابات رئاسية لا يكون هناك فيها دور للرئيس الأسد المُصِّر على بقاء سوريا ضمن محور طهران بغداد دمشق بيروت".

ولفت المحلل السياسي إلى أن هذه السياسات المتبعة تزرع الشكوك بين هذه العواصم التي "تدرك بأنها لا تستطيع فك عرى الترابط فيما بينها بحكم المصالح الاستراتيجية الكبرى فيما بينها، وهذا ما دفع بالقيادة السورية لإرسال تعزيزات عسكرية كبيرة إلى المناطق الساخنة في محافظة درعا وبدعم روسي إيراني واضح لخيار دمشق للسيطرة الكاملة على كل المناطق وإنهاء مفعول المصالحة الملتبسة والذهاب إلى اتفاق جديد لا دور فيه للمجموعات المسلحة، وإنهاء الدور الأميركي الإسرائيلي في الجنوب السوري، وهذا يصب في مصالح الدول الثلاث ويعمق المصالح الاستراتيجية العليا".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً