أسباب وحلول معضلة الوحدة الكرديّة

بعد سلسلة مباحثات حول الوحدة بين حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي في سوريا، صرّح المسؤولون من الطرفين عن انتهاء المرحلة الأولى والبدء بالمرحلة الثانية. ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه من الآن فصاعداً هو كيف ستتطوّر المساعي من الآن فصاعداً؟

فما هي الموضوعات التي تم الاتفاق عليها في المرحلة الأولى، وما هي الموضوعات التي تم التفاوض عليها؟، في الوقت الراهن ما هو المقصود بـ "بالمرحلة الثانية؟، وما هي المبادئ التي سوف تتحقّق عليها الوحدة الكردية في المرحلة الثانية؟، جميع هذه الأسئلة تنتظر الإجابة عليها. وممّا لا شك فيه أنّ في حقيبة الطرفين هناك العديد من الموضوعات التي بقيت أسئلة تشغل بال الرأي العام.

حتى الآن لم يصرّح الطرفان ولم يصدرا أية بيانات حول الموضوعات التي تمّ مناقشتها في المباحثات، ما هي المطالب التي وضعها كلا الطرفين على طاولة المباحثات؟، وما هي الموضوعات التي تفاوضوا عليها؟. بعض وسائل الإعلام حاولت إثارة الموضوع عبر جملة من الأخبار المتضاربة. إلّا موضوع الوحدة الوطنية الكردية أصبحت من الموضوعات التي لا يجب العمل على إثارتها عبر الأخبار المتضاربة.

ممّا لا شك فيه أنّ المباحثات واللقاءات التي بدأت في روج آفا، أثارت حماسة الكرد في جميع أجزاء كردستان، وعززت من آمال الكرد في تحقيق الوحدة الكردية. كما أنّ العديد من الأوساط ترى في هذه الخطوة فرصة لحل القضايا والمشاكل الداخلية بين الكرد.

حالة التشرذم، السبب الأساسي لمجازر الإبادة

رغم التصريحات التي أدلى بها مسؤولو الأحزاب الوطنية حول إيجابية المباحثات واللقاءات التي تمّت حتى الآن، إلّا أنّ بعض الأوساط لا زالت تنظر بعين الشك لهذه المساعي.

ومردّ هذه الشكوك هو التجارب السابقة، وكذلك التركيبة السياسية للأطراف الكردية، وهي لذلك تعتبر شكوكاً محقّاً. وإذا ما وضعنا العوامل السياسية جانباً، وبحسب التصريحات التي أدلى بها الطرفان، يمكننا القول أنّ المساعي "إيجابية".

ولكن الأهم من ذلك هو، إلى أين ستتجه هذه المساعي من الآن فصاعداً؟ هل سيتمكّن الكرد عبر الديناميكيات الداخلية وإرادتهم السياسية الذاتية من تتويج هذه المساعي بالنجاح؟ الأجواء المتفائلة التي يشوبها الشك أحياناً، هل سوف تتوج بالنجاح كما يتمنّى الجميع؟

قضية وحدة الصف الكردي أو تشرذم الكرد يعتبر من القضايا الكبرى بالنسبة للشعب الكردي. خاصة أنّ العامل الرئيسي الذي كان السبب في تعرّض الكرد لمجازر الإبادة خلال القرنين المنصرمين هو حالة التشرذم في المجتمع الكردي. والحقيقة أنّ تلك الحالة كانت السبب بقدر ما كانت هي النتيجة.

حقيقة الشعب السياسية

خلال بداية القرن كان الكرد يفتقدون إلى التنظيم الاجتماعي والسياسي، ولكن ومع مرور الزمن، ورغم جميع مساعي الصهر والقمع والإبادة، فإنّ الكرد أصبحوا الآن من أكثر شعوب المنطقة تنظيماً.

ورغم أنّ اكتساب الهوية السياسية تفرض على الكرد حقيقة الشعب المنظّم، ولكن لا زال هناك العديد من الموانع في هذا المجال. لأنّ السياسة المفروضة على بلاد الكرد والقائمة على "التجزئة والتفرقة والسيطرة عليها"، لم تؤدِّ فقط إلى الهجمات الخارجية والتقسيم الجغرافي، بل أدّت أيضاً إلى شرذمة وتجزئة الشعب الكردي من الداخل أيضاً، وأوصلته إلى حالة من الاقتتال الداخلي. فظاهرة التشرذم الداخلي تعتبر من أخطر الظواهر بالنسبة للشعوب.

الموانع المتعقلّة بسيادة البنية العشائرية

البنية الأساسية التي يقوم عليها المجتمع الكردي هي البنية العشائرية، وهي من الأسباب التي تؤثّر سلباً على اكتساب هوية الشعب السياسية، وتأسيس بنية وطنية. فالحركات الكردية التي ظهرت في جزء معين لم تتواصّل مع الحركات التي ظهرت في الأجزاء الأخرى، بل إنّها لم تتحرّك ولم تناضل حتى مع الحركات التي في نفس الجزء. فيما لو تمّ توظيف البنية العشائرية بشكل صائب، لكان من الممكن توحيد المقاومة التاريخية في إطار وطني، وكان من شأن هذا الأمر تعزيز مقاومة الشعب الكردي.

ضدّ المتسلّطين والمحتلّين، كما كان شأنها تعزيز وحدة هذه العشائر.

من المؤكّد أنّ البنية العشائرية في أساسها ليست بنية اجتماعية سيئة، ولكن إذا لم تحقّق هذه البنية الانسجام الداخلي فيما بينها، فإنّها إلى أداة خطيرة وسيئة في يد المحتلّين من أجل تقسيم وتجزئة المجتمع. وهناك العديد من الأمثلة حول هذه الظاهرة في المجتمع العربيّ والكرديّ.

المعتقد استخدم كسلاح من أجل السيطرة

إضافة إلى البنية العشائرية والقبلية، فإنّ هناك ظاهرة أخرى مؤثرة بشكل كبير، أو يمكن أنّها استغلت بشكل كبير، ألا وهي ظاهرة الدين. فالقوى المحتلة استخدمت الدين بشكل كبير كسلاح مؤثّر من أجل ترسيخ الإنكار وارتكاب المجازر واضطهاد الشعب الكردي. ويمكن القول أنّ المجتمع الكردي المتعلّق بالدين الإسلامي، يعتبر من أكثر المجتمعات التي تعرّضت للاضطهاد والإبادة باسم الدين. فالدول الحاكمة كانت تعتمد بشكل أساسي على موضوع القومية والانتماء القومي من أجل الحفاظ على دولتها، ولكن عندما كان الموضوع يتعلّق بالشعب الكردي، فإنّ تلك القوى الحاكمة لم تتردد في استخدام الدين كوسيلة لتحقيق المآرب.

لقد تم استغلال العواطف الدينية إلى أقصى الحدود، وتم استخدام الطرق الدينية والمذهبية والإمامة والجمعيات الدينية وغيرها من أجل فرض الاستسلام، وتحويل الكرد إلى عبيد للهوية الحاكمة. كان بإمكان جميع الأمّة التحدّث بلغتها والانتماء إلى ثقافتها وهويتها وقيمها الوطنية، إلّا بالنسبة للكرد فقد كان هذه الأمر محظوراً وممنوعاً. لأنّ الكرد هم إمّا عرب أو ترك أو فرس، والحقيقة أنه لم يكن هناك شعب باسم الكردي! كانوا يعتبرون أتراك الجبال أو أكراد. وكل كردي رفض القبول بهذا الواقع، وكل من كان يسمّي نفسه كردياً ويبدأ في البحث والسؤال عن حقوقه، كان يعتبر متمرّداً، وقاطع طريق، ويصبح قتله حلالاً.

يحافظون على حالة الاستعمار القديمة من خلال الوسائل القديمة

في يومنا الراهن تطوّرت النقاشات حول موضوع الوحدة الكردية، وإذا تم أخذ العبر والدروس من التجارب التاريخية، والأسباب التي أدّت إلى التشرذم والاقتتال، فمن المفترض أن تنجح مساعي تحقيق الوحدة وتسفر عن نتائج إيجابية. لأنّ القوى الحاكمة اليوم تستخدم نفس الوسائل السابقة التي استخدمتها من أجل عرقلة وحدة الشعب الكردي.

فعندما تحتل الدولة التركية مناطق روج آفا، فإنّ الظواهر التي تستغلّها الدولة التركي بشكل أساسي هي البنية العشائرية والدين. بهذه الأساليب يسعون إلى استخدام نفس الأدوات والأساليب القديمة في عصرنا الراهن، وبالتالي مواصلة استعمارهم بنفس الأساليب.

السلطة الحالية للدولة التركية، تتّبع أساليب ميكيافيلية وتستغلّ الجوانب الحساسة والضعيفة والهشّة في المجتمعات التي تحتلّها. وتستغل القيم الاجتماعية في المناطق المحتلة، من كسب الشرعية للاحتلال. وتعمل على إيجاد طبقات عميلة محلية، وتعمل على تقسيم المجتمع الداخلي، بالإضافة إلى استخدام الدعاية السوداء من أجل إيجاد حاضنات للاحتلال.

التلاعب بالقيم الوطنيّة

جميع هجمات الدولة التركية المحتلة التي تستهدف قيم المجتمع الكردي سوف تصطدم بجدار الرفض، ولن تحقّق النتائج التي تصبو إليها. ولكن إذا تمّت هذه الهجمات على يد العملاء المحلّيين، فإنّها سوف تكون وسيلة مؤثّرة جدّاً من أجل تضليل العقول، وخلق حالة تشرذم داخلية في المجمع. فتضيع وتتشوّه القيم الاجتماعية والوطنية على يد العملاء. عليه فإنّ الطاقات والجهود التي من المفترض أن تبذل لمواجهة الاستعمار، سيتمّ هدرها في الصراعات الداخلية، ممّا يفتح الأبواب على مصراعيها أمام الأعداء. فالمجتمع الذي لا يعيش حالة تفاهم داخلية، ممّا لا شكّ سوف يكون مكشوفاً ومفتوحاً أمام جميع الهجمات الداخلية والخارجية، وسيكون من السهولة التحكم به وفرض الاستسلام عليه.

وتاريخ الكرد ملئ بالأمثلة حول الأساليب التي استخدمها الأعداء ضدّ الشعب الكردي.

لقد ولّى زمن سياسات الاستغلال

بالعودة مرّة أخرى إلى موضوعنا الأساسي، فإنّنا نستطيع بسهولة تسليط الضوء على ما هو قائم وعلى ما يجب أن يكون.

ما الذي دار في المباحثات بين الأحزاب الوطنية الكردية والمجلس الوطني الكردي في سوريا؟، ما هي النتائج التي أسفرت عنها تلك المباحثات؟، ما هي التفاهمات التي تم التوصّل إليها في المرحلة الأولى؟، وما هي القضايا التي سيتمّ مناقشتها في المرحلة الثانية، هذا ما لا نعرفه.

ولكن الحقيقة الساطعة التي علّمنا إيّاها التاريخ، هي أنّ الأعداء وضعوا نصب أعينهم مرّة أخرى إبادة الشعب الكردي، وأنّ الشعب الكردي يواصل مقاومته ضد هذه المساعي، ويمكن القول أنّ الشعب الكردي لم تتوفّر له فرص مقاومة مماثلة على مدى تاريخه، وعليه ليس من حق أية قوّة استغلال هذه الفرص والمكتسبات من أجل مصالحها الشخصية والعائلية أو العشائرية أو الحزبية.

يجب أن يكون معلوماً أنّ الشخصيات والأطراف الّتي تعرقل مساعي وحدة الصف الكردي، وتستغلّ القيم الوطنية الكردية من أجل الكسب المزيد من السلطة، أو المزيد القوة، والمزيد من التأييد ورأس المال، وتكون سبباً في إبادة الشعب الكردي، فإن التاريخ سوف يحاسبها على جرائمها.

لم يعدّ من المقبول استخدام القيم الوطنية الكردية، وعرقلة مساعي الوحدة الوطنية الكردية باستغلال القيم الوطنية. المهمّ هو العمل وليست الأقوال. وعليه فإنّ المهم هو الذي يفعل وليس الذي يمارس الدعاية والترويج.

في الأيام القادمة من المنتظر أن تستمرّ لقاءات ومباحثات الأحزاب الوطنية الكردية والمجلس الوطني الكردي السوري، ولن ينتظر أحد ما سيقوله كل طرف، بل إنّ الجميع سينظر إلى ما ستفعله الأطراف. فالمجتمع دائماً هو الذي يحاسب أولئك الذين يسعون إلى تضليل المجتمع واستغلال قيمه والقيم الوطنية، ويجرون وراء مصالحهم.