أردوغان يكشف عن مخططات احتلالية جديدة - زكي آكل

أعلن أردوغان بوضوح أنّه سيشنّ هجوماً على روج آفا. وقد جعل هذا في الاجتماع الأخير لمجلس الأمن القومي قراراً رسمياً. ويُقال أنّهم سيطلقون الهجوم حال الانتهاء من الاستعدادات. ونعلم أنّ أردوغان والدولة التي يقودها لديهما عقليةً وتنظيماً يقومان على أساس معاداة الكرد. فمنذ مئة عامٍ وهم ينتهجون سياسة إبادة للقضاء على الكرد واقتلاع جذرهم المتوغل في أعماق التاريخ. وهم يسعون لانتهاج هذه السياسة خارج الحدود التركية أيضاً وليس فقط داخلها.

في ظلّ الظروف العالمية والإقليمية المتغيّرة أُتيحت بعض الفرص لصالح الكرد. إذ أدّت إطاحة الولايات المتحدة الأمريكية بصدام حسين عام 2003 إلى حصول كرد باشور كردستان على الكيان السياسي الفيدرالي. ومع الربيع العربي الذي بدأ عام 2011 وانطلاق المظاهرات الجماهيرية في سوريا، النزاعات الداخلية المسلحة، ظهور داعش... قدّم الكرد تضحياتٍ كبيرة للدفاع عن منطقتهم وبدأوا إدارتهم الذاتية. كما أسفرت الحرب مع التحالف ضد داعش عن تحرير منبج، الرقة ودير الزور.

لئلّا يحقّق الكرد في سوريا كياناً سياسياً...

واصل الكرد نضالهم في سياق التحالف مع العرب من أجل بناء سوريا ديمقراطية. لم يطالب الكرد بإنشاء دولةٍ منفصلةٍ عن سوريا يوماً. فقد كان أساس مطالبهم هو العيش في سوريا ديمقراطية وداخل البيت السوري المشترك بهويتهم وثقافتهم. وأصبحوا أصحاب مشروعٍ يتبنّى الإدارة الذاتية داخل الحدود السورية والاتحاد السياسي.

لم تشارك تركيا في العملية العسكرية ضد صدام حسين عام 2003 إلى جانب أمريكا. وعندما تمت تصفية صدام، اتّخذ الكرد مكانهم في الدستور العراقي بشكلٍ رسمي. ولم تستطع تركيا التدخل ومنع هذا لأنها نأت بنفسها عن العملية ووقفت جانباً. وقد ندمت على ذلك على الدوام، وقال أردوغان مراراً: "لن نكرر في سوريا الخطأ الذي ارتكبناه في العراق". ومن هذا المنطلق، سرعان ما أصبح طرفاً في الحرب لئلّا يحقق الكرد في سوريا مكانةً سياسية. فتحت حدودها أمام المجموعات المسلحة، واستدرجت ملايين المواطنين السوريين إلى أراضيها وأرسلت الآلاف من مرتزقة داعش إلى سوريا عبر تركيا. وتحالفت مع جميع القوى بدءاً من جبهة النصرة وحتّى داعش.

جعلوا الكرد يتعرضون للتطهير العرقي عبر الاحتلال

تجرّ تركيا سوريا نحو هذه القذارة الدمويّة وتجعل الجميع يهاجم الكرد إلّا أنّها لم تحقق النتيجة المرجوة لذا بدأت مباشرةً هذه المرّة باحتلال سوريا. لم تكن لتتكمن تركيا من الدخول إلى سوريا دون دعم الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا. لأنّه تمت مشاركة أمن المجال الجوي السوري بين روسيا والتحالف. فعندما أسقطت تركيا طائرةً روسيّة، تدهورت العلاقات بينهما وكانت تتّجه نحو الحرب. بعد ذلك قامت تركيا بتحسين علاقاتها مع روسيا سريعاً وبدأت تتفاوض معها ضد الكرد. وأسفرت هذه المفاوضات عن فتح روسيا للمجال الجوي السوري أمام تركيا مقابل بعض التنازلات منها واحتلّت تركيا عفرين مرتكبةً أشنع المجازر. تم تهجير مئات الآلاف من الكرد من أرضهم. إذ أطلقت تركيا المرتزقة المسلحين في سوريا للهجوم على الكرد. كما أجرت المساومة ذاتها مع ترامب أيضاً وجعلته يفتح المجال الجوي أمامها ثم احتلّ سري كانيه وكري سبي. وتكرّر ما حدث في عفرين هنا أيضاً وتعرّض الكرد لتطهيرٍ عرقي. فقد أصبحت المناطق الخاضعة للاحتلال التركي معقلاً لجرائم المرتزقة.  

تناضل العديد من الأطراف في سوريا لإنهاء الحرب. أصبح ملايين الأشخاص لاجئين. هناك في سوريا عمليات بحثٍ من أجل العودة، عودة اللاجئين. وتركيا تفعل عكس هذا. تهاجم المناطق الكردية بشكل خاص وتتسبّب بكوارث وموجات تهجيرٍ جديدة. لا حقّ لتركيا في سوريا. فسوريا عضو في الأمم المتحدّة رسمياً. ترى تركيا أنّ من حقّها توطين أناس من هويةٍ أخرى في الأراضي السورية وطرد السكّان الأصليين من أرضهم. إنّها لا تولي أية أهمية لا للقانون الدولي ولا لأي قاعدة إنسانية. إذ تلحق شرّها بالكرد بقسوةٍ وظلمٍ كبيرين متجاهلةً قوانين الحرب.

توطين 3 ملايين لاجئ سوري يعدّ إبادة

كيف يمكن لأردوغان أن يكون متهوراً لهذه الدرجة؟ حتّى أنّه قال في الجمعية العامة للأمم المتحدة إنّه سيقوم بتوطين 3 ملايين لاجئ سوري في تركيا على طول الشريط الحدودي من عفرين إلى ديرك وخاصةً المناطق الكردية وبعمق 30 كم. كان هذا بحدّ ذاته إبادةً جماعية، وطرداً للشعب الكردي من أرضه. من لجأ من سوريا إلى تركيا لم يذهب من تلك المناطق. فهذه المناطق لم تُخلَ يوماً. ومسؤولية هذه الأراضي ليست من حد تركيا. سيتم إخراج ملّاك المصانع والمنازل والحقول بالقوة وتوطين من لا يملكونها بدلاً عنهم. وحتّى أنّ سياسة الاستيلاء على الأملاك هذه قد عزّزت اندلاع صراعاتٍ وحروب أهلية جديدة داخل المجتمع السوري.

الهدف ليس روج آفا فقط

احتلّت تركيا بعض المناطق إلّا أنّ الوجود الكردي لم ينتهِ. كانت استراتيجيتهم تتثمل في تطهير الحدود من الكرد على عمق 30 كم. كما يمتدّ الجانب الآخر لهذا المخطط من ديرك إلى إيران. إذ تقوم هناك منذ عامين ببذل جهودٍ وهجماتٍ احتلالية كبيرة لتحقيق هذا المخطط. كما أنّ الهجمات التي تشنّها على متينا، زاب وآفاشين هي جزء من هذا المخطط. فعند النظر إلى الصورة الكبيرة يُرى بسهولة أنّ الهدف ليس روج آفا ومناطق الإدارة الذاتية فقط. تأخذ تركيا الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى جانبها وتسعى للقضاء على جميع المنجزات في كردستان والفرص المتاحة للكرد. كما استهدف أردوغان المناطق الواقعة على الحدود الإيرانية حتّى مخمور وشنكال. ومثلما لم تستطع احتلال سوريا دون دعمٍ من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا فإنّها لا تستطيع شنّ الهجوم الاحتلالي في باشور كردستان دون دعم الحزب الديمقراطي الكردستاني. إنّها تتلقى دعم الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا ولكن ولإنّ الحزب الديمقراطي الكردستاني موجود في الميدان فإنّ دعمه هو الأساس. فالجيش التركي لا يستطيع الدخول إلى تلك المناطق مستنداً على الدعم الخارجي فقط.

أين كلّ من السويد وفنلندا وأين الكرد!

أدركت تركيا أنها لا تستطيع إرسال وتوطين 3 ملايين لاجئ دفعةً واحدة ويبدو أنّها اخفضت العدد لمليون لاجئ. تسعى لاحتلال جزءٍ آخر من الحدود بعمق 30 كم. كان أردوغان يريد شيئاً أو أزمةً أخرى بالضبط، وقد اندلعت الحرب الأوكرانية. إنّ الناتو وأمريكا متّحدان ضد روسيا، فيما تشهد روسيا حصاراً سياسياً واقتصادياً خانقاً. ويرغب كل من السويد وفنلندا بالانضمام إلى الناتو. وهذه مبادرةٌ مهمة ستعيد بناء السياسات الأمنية الأوروبية للعالم الغربي بأسره ويؤثر عليها. ولجأت تركيا إلى هذه الأزمة مباشرةً لتنفيذ سياسات الإبادة بحق الكرد بأقصى سرعة. أرادت تحويل هذا إلى فرصةٍ لصالحها. فأين كلّ من السويد وفنلندا وأين الكرد! تصنّف الولايات المتحدة الامريكية والناتو حزب العمال الكردستاني كتنظيم "إرهابي" منذ 40 عاماً. تمكّنت تركيا من شنّ هذه الحرب بدعم هذه القوى ولم تستطع تحقيق نتيجةٍ واحدة رغم كل هذا الدعم. تسعى لوضع الكرد على طاولة المساومة من جديد وجعل الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا شريكتين في إبادة الكرد. تقول: "سأوافق على انضمام السويد وفنلندا إلى الناتو ولكن عليكم الموافقة على قيامي بشنّ الهجمات على الكرد ودعمها".

لافروف يعادي الكرد

في الوقت الذي اتّخذت فيه تركيا قراراً في مجلس الأمن القومي وتقوم بتسريع استعداداتها لشنّ هجومٍ على روج آفا، لم ينأً سيرغي لافروف بنفسه عن الموضوع. يتحرّك سيرغي لافروف كدوق أسود ويعادي الكرد بشكلٍ قذر. إذ قال لافروف: "إنّ الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لجعل الكرد يؤسسون دولةً في شرق الفرات. وتركيا لا تستطيع النأي بنفسها عمّا يحدث في شمال سوريا". ما الذي يحصل في شمال سوريا حتّى لا تستطيع تركيا النأي بنفسها عنها؟ هل شكّل الكرد جيشاً جديداً أم قاموا بشراء طائراتٍ حربية؟ لم تعد كل هذه الاستفزازات مفهومة. يدرك لافروف ما يريده الكرد جيداً. لقد كان الكرد في حوارٍ دائمٍ معهم، عرضوا عليهم مشاريعهم من أجل الحل وطالبوهم بالتوسّط بينهم وبين حكومة دمشق من أجل الحل. أعلنوا عن الحل داخل الاتّحاد السوري عدّة مرات. لم يبحث الكرد في سوريا عن دولةٍ منفصلةٍ يوماً. يحرّض لافروف دمشق وأنقرة ضد الكرد. فما هو هدفه من هذا يا ترى؟

تفوح رائحةٌ كريهةٌ من هذه التصريحات

تتمثل التخوفات الكردية بهذا: هل يا ترى وقّعت روسيا اتفاقيّة سريّة مع تركيا؟ هل وافقت على شنّ الهجوم على بعض المناطق؟ من جهةٍ أخرى كيف يمكن تفسير هذه الاستفزازات بدلاً من القيام بإبعاد تركيا عن الاحتلال وتحذيرها؟ عدا عن هذا، لم تدعم الولايات المتحدة الأمريكية الإدارات الذاتية يوماً. يقول في جميع تصريحاته: "تحالفنا مع قوات سوريا الديمقراطية ليس سوى تكتيك ضد داعش". أطلقت روسيا مع تركيا وإيران عملية أستانا وشكّلت جبهةً مناهضة للكرد. استبعد الكرد من جميع المشاريع بما فيها مفاوضات جنيف الدستورية. ولم تفعل الولايات المتحدة الأمريكية شيئاً مختلفاً. كما استبعدت أمريكا المناطق خلقت الديمقراطية في سوريا ويعيش فيها الشعب بحرية من العمليات الدولية. تتذرّع كلّ من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا بأنّ تركيا لا ترغب بذلك. إذ تقومان بتهديد الكرد بتركيا وتهديد الأتراك بالكرد.  

هناك خطر على المستقبل الروسي أيضاً

لو تولّى كلّ من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا دوريهما لما استطاعت تركيا معاداة الكرد لهذه الدرجة. يبدو أنّ لافروف لا يزال يتجاهل الوضع السوري بعد الموافقة على احتلال عفرين. نشرت تركيا جيشاً في إدلب. وشكّلت تحالفاً مع القاعدة هناك. تقوم بتدريبهم، وإدارتهم دبلوماسياً. شكّلت جيشاً بديلاً عن الجيش السوري ومعارضاً له في عفرين باسم الجيش الوطني السوري. تريد رسم المستقبل السياسي السوري عن طريق الإخوان المسلمين وجميع المرتزقة الآخرين باسم المعارضة.

تستخدمهم في الهجوم على سوريا وضد الكرد، ولكن يمكن أنّ تستخدمهم ضد حكومة دمشق أيضاً. ينبغي على أمثال لافروف ألّا ينسوا أنّ تركيا عضو في الناتو. وإن أصبحت هذه القوى فاعلةً في المستقبل السوري فإنّ المستقبل الروسي هنا أيضاً سيتعرض للخطر.

كما نرى، لا ترتبط القوى المحتلة والحاكمة بقضية حرية وسلم الشعوب. فهم قادرون على غض الطرف عن كل أنواع الجرائم أو المشاركة فيها من أجل مصالحهم. ومن هنا، يجدر على قوى السلام العالمية والأطراف السياسية والاجتماعية السورية الذي يرون مصالحهم تتمثل في الديمقراطية، الدفاع عن أرضهم ومستقبلهم بقوتهم المستقلة الخاصة.

(ر)