أردوغان يبيع دم خاشقجي

يكثف رئيس دولة الاحتلال التركي، رجب طيب أردوغان، المبادرات لتطبيع العلاقات مع قوى إقليمية، بينها السعودية وإسرائيل والإمارات، قبل أقل من سنة على الانتخابات الرئاسية المقررة في منتصف حزيران/ يونيو 2023، ضارباً عرض الحائط كل الشعارات الرنانة التي يطلقها مراراً وتكراراً.

زار ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الأربعاء الماضي، تركيا، وأكد البلدان عزمهما على "تعزيز التعاون"، وذلك بعد تسع سنوات من الخلافات بدأت مع ما يسمى "الربيع العربي"، وفاقمها اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في إسطنبول.

وكان الفصل الأول من المصالحة حصل نهاية نيسان/ أبريل عندما زار أردوغان، السعودية، حيث بحث مع ولي العهد سبل "تطوير" العلاقات بين البلدين.

وقبل ثلاثة أسابيع على ذلك، قرر القضاء التركي حفظ قضية اغتيال الصحفي المعارض جمال خاشقجي، كاتب المقالات في جريدة "واشنطن بوست" الذي قتل في تشرين الأول/ أكتوبر 2018 في قنصلية بلاده في إسطنبول، التي قصدها للحصول على وثائق لزواجه من خطيبته التركية.

وأحالت أنقرة الملف إلى السلطات السعودية بعدما وجهت اتهامات مبطنة لهذه السلطات بتنفيذ الجريمة. وفتح حفظ القضية المجال أمام التقارب مع الرياض.

وتعليقاً على الموضوع، قال زعيم حزب المعارضة الرئيس، كمال كليتشدار أوغلو: "أحلتم ملف خاشقجي إلى السعودية، مقابل المال مثل المتسولين".

أهداف الزيارة 

وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي علي مراد، إن أهداف الزيارة كانت متوقعة، بالنظر إلى زيارة الرئيس التركي إلى السعودية قبل أسابيع، وكان هناك على جدول الأعمال دعوة من الرئيس التركي لولي العهد السعودي محمد بن سلمان لزيارة تركيا، لكن لا شك أن ولي العهد السعودي اختار هذا التوقيت استعداداً لما تسمى القمة العربية - الأميركية، التي سيحضرها الرئيس الأميركي جو بايدن في السعودية.

وأضاف مراد لوكالتنا، أنه بالنسبة لولي العهد السعودي، أراد أن يظهر بمظهر المنتصر، بمعنى أنه هو لم يقدم أي تنازل لتركيا في مرحلة ما بعد اغتيال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول، في الواقع تركيا ورئيسها هو الذي تنازل، وبطبيعة الحال بسبب الحاجة التركية اليوم إلى الرأس المال السعودي والمليارات والاستثمارات، نظراً للوضع الاقتصادي التركي المتدهور، وتدهور سعر صرف الليرة التركية، بالإضافة إلى نسب التضخم الكبيرة، فلا شك أن الحرب الأوكرانية أثرت على الاقتصاد التركي، واليوم هناك توقعات بهبوط نسب السائحين في موسم الصيف في تركيا بسبب الحرب الدائرة في أوكرانيا، فكثير من السياح الروس، والعدد الأكبر من الذين يذهبون إلى تركيا عادة، هم الروس والأوكران، فهذا الأمر يؤثر على ميزانية الحكومة التركية وعلى الواردات.

هبوط السقف العالي لأردوغان

ويتابع المحلل السياسي علي مراد بالقول: "بطبيعة الحال، أردوغان الآن، عندما زار السعودية، واليوم عندما يزور محمد بن سلمان تركيا، يمكننا القول إن هناك مكاسب، يعني السعودية هي التي سجلت نقاطاً على حكومة العدالة والتنمية في تركيا، مقارنة بالسقف العالي الذي كان قد رفعه الرئيس التركي بعد عملية اغتيال الخاشقجي".

وأكد مراد أنه عندما نقول إن هناك تسليم ملف الدعوة القضائية من القضاء التركي إلى القضاء السعودي، هذا يعني طيّ الورقة، وأن أردوعان باع دم خاشقجي بهذه الزيارة، وحتى ما قبل الزيارة، فهناك ممهدات، فمنذ العام الماضي، سمعنا أنه يوجد حوار تركي - سعودي، وبطبيعة الحال ولي العهد السعودي، كان له بُعد شخصي بقضية التطبيع أو تحسن العلاقات التركية السعودية، يقضي بتراجع أردوغان، عما كان قد رفعه من شعارات في موضوع اغتيال خاشقجي".

نتائج الزيارة لصالح مَن؟

وبخصوص نتائج اللقاء بين أردوغان وبن سلمان، يقول المحلل السياسي علي مراد، إن السعودية من خلال الجولة الإقليمية، سواء في مصر أو الأردن أو في تركيا، تستبق زيارة بايدن، لتحاول أن تقول للرئيس الأميركي، أنت لا تقابل زعيم السعودية فقط، بل زعيم المنطقة، يعني محمد بن سلمان، ويريد أن يعود ويلبس هذا الدور بأنه زعيم المنطقة، وأنه هو عالج مشاكله مع جيرانه ومع الإقليم، وهذه الرسالة مهمة بالنسبة للداخل الأميركي، وخاصة للمشرعين في الكونغرس الذين كما هو معلوم بأن سمعة محمد بن سلمان فيه سيئة جداً، وهو يريد تحسينها، من خلال القول بأنه أنا حسّنت علاقاتي مع الجوار، وبالتالي هذا لن ينعكس، لأنه عندما توترت علاقاته مع دول الجوار بالأزمة الخليجية، والأزمة مع تركيا، وحتى في حرب اليمن، واضح أنه قد صبغ بهذه الصبغة في الغرب وبالرأي العام الأميركي، لذلك هو اليوم يريد أن يغير هذه الصورة".

وأضاف مراد أن الدوافع السعودية في محاولة جر تركيا إلى موقف صدامي مع إيران، وهذه مسألة مهمة، وكان هناك سعي واضح، فمن يراقب الإعلام السعودي، يكتشف بأنه منذ أسابيع يحاول الضخ في قضية موضوع الخلايا التي أعلن اكتشافها في تركيا، والتي كانت تنوي استهداف شخصيات إسرائيلية.

وتابع بالقول: "نلاحظ بأن هناك تحريضاً يخرج من الإعلام السعودي على إيران، ومحاولة جر تركيا إلى اتخاذ مواقف، وهذا سمعناه على لسان ناطق باسم الخارجية الإيرانية، بأن هناك محاولات واضحة من بعض دول المنطقة والكيانات، ويقصد السعودية وإسرائيل، لجر تركيا لموقف صدامي مع إيران".

التخلي عن الشعارات

ويؤكد المحلل السياسي علي مراد أن أداء الرئيس التركي في الفترة السابقة، بالنظر إلى السقف العالي الذي كان يطلقه، مثلاً في القضية الفلسطينية، كالتطورات التي كانت حاصلة في القدس، ومسألة الحرب على قطاع غزة، شهدنا بعدها كيف تبدلت، أو بدأت تتراجع مواقفه فيما يرتبط في تطبيع العلاقة مع إسرائيل، وفتح العلاقات معها وتطويرها، وهي بحاجة لنظام "العدالة والتنمية" في أنقرة، لخدمة "اللوبي الصهيوني" في الولايات المتحدة الأميركية.

ويتابع مراد إن هذا من الأسباب الأساسية التي تدفع أردوغان إلى التقرب من إسرائيل، وطبعاً عندما نقول التقرب من تل أبيب وتحسين العلاقة معها، فهذا يعني أن أردوغان يتنكر لكل الشعارات التي كان يرفعها في قضية مناصرة الفلسطينيين والقضية الفلسطينية والانتصار للقدس وقطاع غزة المحاصر.

وأضاف المحلل السياسي أنه "حتى ما حصل مع خاشقجي، دائماً هي المصالح التي تحرّك الرئيس التركي، وهو أثبت لنا أنه لا يختلف كثيراً عن الغرب الذي يدوس على كل الشعارات والقيم وحقوق الإنسان والديمقراطية عندما يتعلق الأمر بالمصالح، ليس هناك مبادئ، فالأسس المبدئية أو القاعدة المبدئية في العلاقات الخارجية تغيب لدى هؤلاء، عندما يتعلق الأمر بالمصالح".

وأوضح مراد أن أردوغان اليوم، يرى أن مصلحته هي بتخفيف الضغط عنه قبل عام تقريباً من موعد انتخاب الرئاسة عام 2023، وهو يشعر أو يستشعر بالأزمة، خاصة مع وضوح أن الأميركيون سيدعمون المعارضين، وهذا ما جاء على لسان بايدن في الحملة الانتخابية، وهذا ما عكسته بعض التسريبات، بعد أن دخل بايدن إلى البيت الأبيض.

وتابع: "يتخوف أردوغان بأن ينجح الأميركيون في إسقاط العدالة والتنمية في الانتخابات القادمة، وهو يريد أن يختم حياته رئيساً لتركيا، لذلك مسألة أن يهزم في الانتخابات عـشية الذكرى المائة لاتفاقية لوزان عام 1923، هذا يعني له ولحزبه وللقاعدة الجماهيرية التي تؤيده، انكساراً كبيراً، فهو يحاول أن يفتح علاقته مع إسرائيل والسعودية عملاً بأن يخفف الضغط عليه من الجانب الأميركي، أو أن الأميركيين يعيدون النظر، بالإضافة إلى ما شاهدناه من محاولة أداء دور الوساطة في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، فهو يعتمد سياسة خفض السقوف والتراجع عما تسمى القيم والمبادئ، من أجل أن يحسن وضعه استعداداً للانتخابات في العام القادم، وأيضاً لتحسين أرقام الاقتصاد التركي".

(ي ح)

ANHA


إقرأ أيضاً