أردوغان المتسوّلٌ يحوم الآن حول الأسد - فهيم إشيك

عقب الاجتماع الذي انعقد بين رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين في الخامس من آب الجاري، عادت العلاقات بين سوريا وتركيا إلى الأجندة من جديد. ويُقال إنّ أردوغان وبشار الأسد سيلتقيان وجهاً لوجهاً في اجتماع شنغهاي في أوزبكستان في الـ 16 من أيلول القادم. ولكنّا لا نعلم بعد ما إن كان أردوغان والأسد سيجتمعان وجهاً لوجه أم لا. لكنّنا نعلم أنّ العلاقات المباشرة بين سوريا وتركيا قد بدأت منذ عامين على الأقل. إذ اجتمعت الأجهزة الاستخباراتية للدولتين مراتٍ عديدة. والمرّة الأولى التي عادت فيها العلاقات مرّةً أخرى عقب عام 2011 كانت مطلع عام 2020 في موسكو وبوساطةٍ روسية. وحضر هذا الاجتماع الثلاثي( التركي- السوري- الروسي) هاكان فيدان باسم تركيا وعلي مملوك باسم سوريا. وهذا الخبر نشرته آنذاك رويترز. كما أنّ الوكالة الحكومية السورية (سانا) أيضاً تناولت هذه المعلومة على موقعها. وبعد هذا الاجتماع الأول انعقدت عشرات الاجتماعات بين الطرفين. ولا تزال هذه الاجتماعات مستمرة.

أردوغان يستعجل عقد الاجتماعات مع الأسد

لم يتم إنكار الاجتماعات المنعقدة عن طريق أجهزة الاستخبارات يوماً. وأردوغان شخصيّاً تحدّث في عددٍ من تصريحاته عن الاجتماعاتٍ الاستخباراتية بين الطرفين. وأُشيرت إلى اجتماعاتهم هذه كإجراءاتٍ طبيعية. ويجري الاستعداد الآن لعقد اجتماعاتٍ سياسية. ولا يُعرف بعد على أي مستوى ستبدأ هذه الاجتماعات السياسية. لكن من الواضح أنّ تركيا حريصة جدّاً على عقد اجتماعٍ عل مستوىً عالٍ. نعم، نحن نعلم أنّ أردوغان في عجلةٍ من أمره. ولا يرغب بتضييع الوقت. ويشير هذا الوضع إلى أنّه لو تم إقناع سوريا ولو مارس بوتين المزيد من الضغط على الأسد، فسيكون من الممكن أنّ يجري أردوغان والأسد اجتماعاتٍ مباشرة خلال فترةٍ قريبة.  

بعد اجتماع بوتين وأردوغان، جاء اعترافٌ لافتٌ من وزير الخارجية التركية. إذ كشف مولود جاويش أوغلو للرأي العام "عقدت مع وزير الخارجية السورية لقاءً قصيراً وسريعاً على هامش اجتماعٍ دولي". ويكشف جاويش أوغلو عن هذا بعد الاجتماع بعشرة أشهر. وحّتى أنّ تركيا لم تعلن اجتماع وزير خارجيتها بوزير الخارجية السورية فيصل المقداد. وبعد جاويش أوغلو، تحدّث عددٌ من وزراء ومسؤولي حزب العدالة والتنمية وعدد من أعضاء حزب الحركة القومية وعلى رأسهم دولت بهجلي. وأيّدوا جميعهم الاجتماعات السياسية بين سوريا وتركيا. وقالوا باختصار "كان ينبغي أن تبدأ الاجتماعات السياسية بين تركيا وسوريا منذ وقت". ومن الواضح أنّ كلّاً من جاويش أوغلو ومسؤولي حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية يسعيان لتمهيد الطريق لأردوغان. كما يُهيّئون محيطهم لخط أردوغان الجديد.

معاداة الكرد هي ما قرّبت بين سوريا وتركيا

المطالب هي. تركيا الخاضعة الآن لسلطة نظام أردوغان الفردي تغيّر عجلة السياسة في الشرق الأوسط مرّةً أخرى. حيث بدأت الأزمة السورية عام 2011 كان أردوغان هو من أبدى ردة فعل كبيرة. حتّى ذلك اليوم كان يقول "أخي الأسد" وانقلب الوضع فجأة في يوم. وبدأ هذه المرّة يقول "القاتل الأسد" كان الأسد هو ذاته. ما الذي جرى حتّى تغيّرت سياسة الدولة التركية مائة بالمائة؟

الأمر الواضح هو؛ أنّ معاداة الكرد هي ما قرّبت بين أردوغان والأسد. في عام 1998 أي أثناء رئاسة ديميريل هدّدت تركيا سوريا عبر الولايات المتّحدة الأمريكية ومصر. وهذا التهديد مهّد الطريق للمؤامرة الدولية. وفي الوقت ذاته، وفي عام 1998 بالتحديد أُبرمت بين سوريا وتركيا اتفاقية أنقرة. ومع اعتقال السيد عبدالله أوجلان، انتقلت العلاقات بين تركيا وسوريا إلى مستوى أعلى. 

وصل أردوغان إلى السلطة عام 2002 والتزم بهذه السياسة. وأخذ بهذه العلاقات خطوةً إلى الأمام واستضاف الأسد مراتٍ عديدة بنهجٍ عظيم. وكانت زياراتهم عائلية أي يزور كل منهم الآخر مع عائلته. كما انعقدت اجتماعات مشتركة عديدة على الصعيد الوزاري.

عادى أردوغان الأسد من أجل سلطة الإخوان المسلمين

تغيّر هذا الوضع عام 2011. فمع انتفاضات الربيع العربي انتفضت الشعوب السورية أيضاً. واعتقد أردوغان أنّ نظام الأسد سيسقط خلال فترةٍ قصيرة وسيتمكّن من زيادة نفوذه في سوريا عبر الإخوان المسلمين. فقد فعل الإخوان المسلمون الشيء ذاته في مصر بدعمٍ من أردوغان. وأراد أردوغان وحلفاءه القيام بالشيء ذاته في سوريا وأن يجعلوا السلطة في سوريا بيد الإخوان المسلمين.

في البداية دعمت الولايات المتّحدة الأمريكية أيضاً مساعي أردوغان. وجرّوا العديد من الجهاديين السلفيين بينهم الإخوان المسلمين والنصرة من مختلف دول العالم إلى سوريا ودرّبوهم. وسلّحت الإخوان المسلمين الذين كانوا حتى ذلك اليوم بعيدون عن السلاح. وأمدّتهم بالكثير من الأسلحة الثقيلة ووقعت هذه الأسلحة بعد ذلك في يد داعش. أي أنّهم قاموا بتصعيد الأزمة السورية معاً بقيادة أردوغان. في هذه الفترة، لم يحسبوا للكرد أدنى حساب. ولم يمنحوا الكرد حيّزاً في أي اجتماعاتٍ دوليّة. ففي عام 2011 عقدوا المؤتمر السوري في أنطاليا ولكنّهم لم يضمّوا الكرد لهذا المؤتمر. كما بقي الكرد خارج المؤتمرات التي انعقدت في القاهرة وهاتاي في الشهرين الـ 11 و12 أيضاً. ولم يُقبل بهم كمكونٍ سوري. كما لم تقبل أي قوى سياسة الخط الثالث للكرد. كانوا يريدون إخضاع الكرد لكن الكرد لم يخضعوا. كما أنّهم لم يعتقدوا أنّ يتمكّن الكرد من التأثير في السياسة السورية.

أفشلت سياسة الخط الثالث للكرد جميع الحسابات

نفّذ الكرد سياستهم الخاصة خطوةً بخطوة تدريجيّاً. وأعلنوا خطّهم بعد ثورة 19 تموز. وليتمكّن أردوغان من إخضاع الكرد لتأثيره بدأ هذه المرّة بسياسةٍ جديدة. واستخدم عملية الحل لعام 2013 من أجل هذا. ولكنّها لم تتخلَّ عن سياسة إخضاع الكرد في هذه الفترة أيضاً. وهذه المرّة قادوا المرتزقة للهجوم على الكرد الذين عزّزوا سياسة الخط الثالث وسيطروا على العديد من المناطق. وهذا لم يقطع الطريق أمام الكرد. فقد قاوموا بتقديم تضحيات كبيرة ودافعوا عن أراضيهم لا سيما كوباني. كما دافعوا عن أراضي الشعوب السورية الأخرى أيضاً. وبناءً على هذه التطورات بدأ أردوغان هذه المرّة بالتحرّك مباشرةً وأعلن عام 2015 الحرب ضد الكرد. واحتلّت تركيا عفرين عام 2018 وكري سبي وسري كانيه عام 2019. وقبل عفرين كانت قد حلّت مكان داعش في جرابلس، الباب، مارع وإعزاز. 

لا تزال حرب الدولة التركية ضد الكرد مستمرة. إذ تقصف روج آفا بعشرات القذائف يوميّاً. كما تنفّذ اغتيالاتٍ خاصة بالطائرات المسيّرة المسلّحة. ولا الولايات المتحدّة الأمريكية ولا روسيا تعارضان هذه الهجمات. ونادراً ما تبدي القيادة المركزية، القوة العسكرية المنسقة للحرب ضد داعش التابعة للتحالف الدولي ردّة فعل حيال هذه الهجمات.

الحرب هي أفضل حلّ لأردوغان

من بين الأمور التي غيّرت المعطيات في سوريا التدخّل الروسي. فقد تدخّل بوتين في سوريا ونشر قواته فيها عام 2015 بطلبٍ من الأسد. وفي البداية قامت بحماية محيط دمشق ثمّ انتقلت لحماية العديد من المناطق. وهذا ما مكّن الأسد من الحفاظ على نظامه. كما أجرى الأسد عدّة انتخابات وجعل الشعب ينتخبه مرّةً أخرى. أي أنّه اُنتخب كرئيسٍ لسوريا من جديد.

وقد أحبط تقدّم الكرد، الإدارة الفعلية للإدارة الديمقراطية والتدخّل الروسي جميع أحلام أردوغان. فالأسد لم يسقط، والكرد قاوموا. وفي غضون ذلك، تأزّم الصراع بين القوى الأساسية. واضطر التحالف الدولي خلال هذه الفترة لدعم القوات العسكرية التابعة للإدارة الذاتية ضد داعش. وهذه هي أسباب فشل سياسة أردوغان؛ سياسة العثمانية الجديدة. ولم يتبقَّ في يد أردوغان سوى الحرب. فقد كانت الحرب أفضل حلّ لأردوغان ليتمكّن من الحفاظ على سلطته. وإلى جانب الحرب استغلّ الصراع بين القوتين الرئيسيتين روسيا والولايات المتّحدة الأمريكية لصالحه. ولامبالاة المعارضة التركية ولاسيما موقف المعارضة التي تسعى للحفاظ على الكيان الراهن سمحت لأردوغان الحفاظ على سياسته الدموية. كما زادت هذه السياسة القذرة من ممارسة الظلم بحقّ الكرد. لكن الأشياء يمكن رؤيتها ليست كافية لأردوغان. فمقابل كل هذا الظلم والقمع وصل نظامه القمعي والفاشي بعد عام 2015 لحافة السقوط مرّة أخرى.

لأجل الحفاظ على سلطته يحوم أردوغان حول الأسد

باختصار، هذا هو السبب الأكبر للسعي لعقد اجتماعٍ مباشرٍ مع الأسد والظاهر بشكلٍ أكبر خلال الفترة الأخيرة. إنّ نظام أردوغان على حافة السقوط. وقطعت مقاومة الكرد الطريق أمام سياسته القذرة مما وضع نظام أردوغان في خطر. وهو يحوم حول الأسد لمنع سقوطه.

نعم أردوغان في عجلةٍ من أمره. وهو يسعى لعقد اجتماعاتٍ رسميّة فوراً وقيادة الأسد للهجوم على الكرد. ومن المعروف أنّ مهندس هذه السياسة هو بوتين. صحيح، أنّ بوتين يسعى ليعقد البلدان اجتماعاتٍ مباشرة بينهما. لكن يبدو أنّ اجتماعات بوتين وأردوغان ليست مشتركة. إذ أنّ بوتين يستفيد من ضعف أردوغان. وأبرز مثال على هذا أنّه يريد تصعيد الصراع داخل الناتو. كما أنّ الأسد أيضاً لم يعد كما كان في السابق. علينا أن نعترف فمهما كانت الأسباب فنحن نعلم أنّ الأسد أقوى من السابق أمام أردوغان. ولهذا لن يسارع الأسد لفتح الباب لأردوغان. بعبارةٍ أخرى، لن يعزّز قوّته ولن يخرجه من المستنقع الذي وقع فيه.

أردوغان هو الأضعف في العلاقات

نعم، إنّ أردوغان هو الأضعف في هذه العلاقات. ومن ناحية أخرى، اقتربت الانتخابات دون أن يعثر أردوغان على سبيل جديد، وهناك احتمال كبير في أن يخسر في الانتخابات. السبيل الجديد هو تصعيد الحرب من جديد. فتلك الحرب المستمرة حتّى الآن اصطدمت بجدار المقاومة الكردية وبقيت عاجزةً أمامها. ولم تتلقّى من القوى الأساسية الضوء الأخضر لشنّ هجمات احتلالية جديدة بعد. وإذا لم يجد حلّاً خلال هذه الفترة فإنّ وضعه يزداد خطورةً. فعلى أقل تقدير سيفقد سلطته وفقدانه للسلطة يعني فناءه.     

هذه الأمور التي نراها، تراها جميع القوى في الشرق الأوسط وعلى رأسهم الأسد. ستُجرى الانتخابات بعد عشرة أشهر على أبعد تقدير. من الواضح أنّ الأسد لن يتّخذ خطوات جديدة مع تركيا حتّى الانتخابات على الأقل أي حتّى يتّضح وضع أردوغان. صحيح أن ضغوط بوتين ستؤثّر على الأسد. لكنّ بوتين أيضاً يأخذ الانتخابات بعين الاعتبارعندما يتساوم مع أردوغان. أي أنّه يستغل احتمالية خسارته ويعتبرها فرصةً له. كما أنّه يخلق الثقة لدى أردوغان بأنّه قادرٌ على تغيير وضعه السلبي في الانتخابات. من غير المعروف إلى أيّ مدى سيغيّر بوتين وضع أردوغان، لكنّ الأسد لن يمنح الفرصة لأردوغان بقدر ما يستطيع، ولن يمهّد الطريق لنظام أردوغان.

مقاومة قوات روج آفا هي التي هزمت أردوغان

أسباب سياسة أردوغان الجديدة معروفة. إنّه يسعى للحفاظ على نظامه، ولهذا يستخدم كل أنواع الشر. حسناً. لكنّ من يواجهه ولاسيما الإدارة الذاتية والقوات العسكرية لشمال وشرق سوريا أو قوات سوريا الديمقراطية ليست بلا موقف. ففي الأساس ما هزم أردوغان هو موقف الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية. فهؤلاء بمقاومتهم قطعوا الطريق أمام فاشية أردوغان. وهم الآن يوجّهون رسالة المقاومة ذاتها. ويستعد الشعب بقوّة لخوض مقاومةٍ شاملة. كما تدعو الإدارة الذاتية للحل الديمقراطي أيضاً. وهذه الدعوة موجّهة للقوى الدولية وكلّ من تركيا وسوريا أيضاً. وللأسف لا يتلقّون الاستجابة المطلوبة على الساحات الدولية. فكل الدول تسعى خلف مصالحها وكلّ منها قادرةٌ على القيام بكلّ أنواع الشر من أجل مصالحها هذه. وليسوا أقلّ سوءاً من تركيا. هناك اختلاف واحد للدول الغربية وهو تأثير الرأي العام فيها. قد يكون هناك العديد من الأصدقاء والمؤيّدين للإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية في دول أخرى لكنّهم لا يستطيعون التأثير في حكوماتهم بقدر شعوب الدول الغربية. إذ يحكم روسيا، سوريا، تركيا، إيران ودول الشرق الأوسط الأخرى ديكتاتوريات مختلفة. ويمكن لهم قطع الطريق أمام مطالب الشعب بظلمهم وقمع الشعب. لكن لا يمكن القيام بالأمر ذاته في الدول الغربية بسهولة. وهذا إنجاز عظيم لروج آفا بقدر مقاومة الشعب الكردي.

يجب إغلاق المجال الجوي لروج آفا فوراً

لم يعد أردوغان يخطو الخطوات لمعاداة الكرد فقط. فهو يتحرّك ليتمكّن من إنقاذ نفسه أيضاً. ولهذا فهو يغيّر نهجه مرة أخرى ويتصيّد الفرص أمام باب الأسد. وأصبح بسياسته هذا أسيراً لبوتين ويلعب به بوتين ككرة. ويبدو أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تراقب هذه الخطوة أكثر. وفي الواقع يستعدّ أغلبهم لرحيل أردوغان. وهنا أيضاً يقع العبء الأكبر على الكرد وأصدقائهم. فالمراحل الأخيرة للديكتاتوريات هي أكثر المراحل دمويةً. فالطغاة يزدادون شراسةً وطغياناً في هذه المراحل. كما يقوم حلفاء وشركاء الطغاة بكل أنواع الشرور حتى لا تسقط السلطة. وهذا لم يتغير بدءاً من هتلر وحتى صدام. ولن يتغيّر في عهد أردوغان أيضاً. لكن يجب القيام بإجراءات احتياطية قبل أن يشنّ أردوغان هجوماً ضارياً جديداً على شعوب المنطقة أو يصعّد الحرب. ومن أهم هذه الإجراءات إغلاق المجال الجويّ لروج آفا. يجب إغلاق المجال الجوي لروج آفا وشمال وشرق سوريا أمام جميع الطغاة وعلى رأسهم أردوغان. فحتى لو تم إغلاق جميع الأبواب بوجه أردوغان يمكن له أن يقوم بشنّ هجومٍ شامل لئلّا يفقد سلطته الدموية.