أربعة أعوام على اتفاقية "خفض التصعيد".. تقسيم سوريا وبحث عن مصالح

مرت أربعة أعوام على إبرام اتفاقية "خفض التصعيد" في سوريا بين ثلاثي الصفقات (روسيا، تركيا، إيران) والتي كانت بداية لسلسلة اتفاقات مماثلة لم تحمل من اسمها شيئًا، بل كانت عبارة عن آلية لتقاسم النفوذ في الأراضي السورية.

بعد سقوط مدينة حلب بيد قوات حكومة دمشق في كانون الأول/ ديسمبر 2016، واتفاق روسي - تركي تضمّن سحب مرتزقة الاحتلال التركي من جزء المدينة الشرقي، وبعد معارك كبيرة، أطلقت موسكو مسار أستانا الذي أصبح ثلاثيًّا بانضمام إيران إليه.

وتشكّل تحالف أستانا بعد احتدام التوتر بين روسيا وتركيا على خلفية إسقاط الأخيرة لطائرة روسية على الحدود السورية – التركية، والتي رفع بعدها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من وتيرة تهديداته ورفض الاعتذار إلا أن الضغط الروسي أجبره على الاعتذار وبدأ بإبرام الصفقات مع روسيا.

وبعد جولاتٍ تفاوضية عديدة بدأت مطلع عام 2017، توصلت "الدول الضامنة"، في 4 أيار/ مايو 2017، إلى اتفاقٍ لإنشاء أربع مناطق لخفض التصعيد: إدلب، وريف حمص الشمالي، والغوطة الشرقية، والمنطقة الجنوبية.

إلا أن هذا الاتفاق استخدم بين هذه الدول لتبادل احتلال المناطق، وبداية هذه الصفقات كانت الغوطة الشرقية – عفرين، فعندما شنت قوات حكومة دمشق هجومًا على الغوطة أمرت تركيا مرتزقتها في الجبهات الأخرى بإيقاف المعارك وعدم دعم تلك المنطقة ونتج عن ذلك إبرام تسوية لتهجير المرتزقة وعوائلهم إلى عفرين التي احتلتها تركيا في الوقت ذاته بناء على تلك الصفقة.

ولم تختلف الصورة كثيرًا من الغوطة الشرقية إلى عفرين، فالتوقيت والمشاهد كانت ذاتها وكأن شخصًا واحدًا هو من يدير الهجمات.

وتلا ذلك جولات عديدة، تم خلالها احتلال تركيا لمنطقتي سري كانيه وتل أبيض/ كري سبي مقابل تقدم قوات حكومة دمشق في أرياف إدلب وحلب واللاذقية والسيطرة على الطريق الدولي "إم 4".

وعقدت هذه الدول الثلاثة 15 جولة من اجتماعات مسار أستانا، والتي لم تجلب للسوريين سوى الدمار والتغيير الديمغرافي.

'ما تحقق يخالف المعلن'

https://www.hawarnews.com/ar/uploads/files/2021/05/03/184157_180905518_515721189593454_1053138899262028214_n.jpg

الأكاديمي والباحث السياسي السوري الدكتور إبراهيم مسلم تحدث عن ذلك قائلًا: "كانت الغاية المعلنة من اتفاقية خفض التصعيد بين تركيا وروسيا وإيران هو الحفاظ على سلامة الأراضي السورية وتحقيق سيادتها، لكن الذي تحقق هو مصالح هذه الدول الثلاثة وبالعكس تم إنهاء ما تعرف بالسيادة السورية، فمنذ 2017 تم احتلال الكثير من المناطق السورية سواء جرابلس أو إعزاز أو عفرين ومن ثم تل أبيض/ كري سبي وسري كانيه / رأس العين".

وأضاف: "الاتفاق ضم كل المناطق السورية باستثناء الرقة ودير الزور وطرطوس كون الأخيرة كانت تحت سيطرة الحكومة السورية واعتبروا أن الرقة ودير الزور تحت سيطرة داعش، على الرغم من أن ريفي الرقة ودير الزور في ذلك الوقت كانا محررين وكانت الرقة على أبواب التحرير بشكل كامل، أما محافظة الحسكة فهم اعتبروها تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية وتحديدًا وحدات حماية الشعب".

'تقاطع مصالح'

وأوضح أن "استثناء هذه المدن الثلاثة (الحسكة ودير الزور والرقة) يوضح الغاية من اتفاق خفض التصعيد وهي إنهاء الحرب بين هذه الدول الثلاثة والتوجه باتجاه الإدارة الذاتية ومحاربة قوات سوريا الديمقراطية".

وأرجع مسلم ذلك إلى مصلحة تركيا وروسيا وإيران موضحًا أن "تركيا تعتبر مشروع الإدارة الذاتية يهدد مصالحها، أما روسيا وإيران فلم تتوصلا إلى أي اتفاق مع الإدارة الذاتية لكي تصبح خاضعة للنظام في دمشق، لذلك كان من مصلحتهما أن تقوم تركيا بمحاربتها لكي تضعف، وبالتالي في حال حصول مفاوضات أو اتفاقات مع دمشق يكون هناك تنازلات من جانب الإدارة الذاتية".

'تغيير ديمغرافي'

وحول ما حققه اتفاق خفض التصعيد منذ 2017 أكد مسلم أنه حصل "تغيير ديمغرافي كامل في سوريا سواء في مناطق الاحتلال التركي أو مناطق النظام السوري، ورأينا كيف أنه وبموجب هذا الاتفاق تم نقل أهالي الغوطة وتسكينهم في عفرين، وبالمقابل تم تهجير أهالي عفرين فيما بعد، وتم تسكينهم في مناطق الشهباء".

وأضاف: "لعبت تركيا وروسيا وإيران دورًا كبيرًا في هذا التغيير الديمغرافي وبرضا تام من النظام، كونه لا يمتلك الإرادة، بالإضافة إلى أنه ومن مصلحته ألا يكون له بديل في المنطقة وهو يعلم بأن تركيا دولة احتلال ستغادر والمرتزقة لن يبقوا، لكن وجود الإدارة الذاتية ربما يكون بديلًا عنه".

وأوضح أن "هذا الاتفاق لمصلحة النظام لكي يستعيد قواه، وبنفس الوقت لا يريد أن يكون هناك بديل له، المتمثل بالإدارة الذاتية، التي لديها قوات مدعومة من التحالف الدولي ومعترف بها دوليًّا".

'إبعاد القوى الغربية وتعطيل لجنيف'

وحول الهدف من تحالف ثلاثي الصفقات (روسيا وتركيا وإيران) قال مسلم: "هذه الدول الثلاث استثمرت اتفاقية خفض التصعيد، وكانت انطلاقة لتحالف غير معلن بينها، هناك صدامات عسكرية تتم بين روسيا وتركيا، لكن في الوقت نفسه هناك دوريات مشتركة بين الدولتين، هدفها بشكل أساسي هو إبعاد القوى الغربية كأميركا والتحالف الدولي، وخاصة بعد تصريح رئيس الولايات المتحدة السابق دونالد ترامب بسحب القوات العسكرية الأميركية من شمال وشرق سوريا".

وأضاف: "لا توجد جدوى من هذا الاتفاق، وفي الأساس هو اتفاق جاء كردّ فعل على الاتفاقات الدولية الخاصة بسوريا كجنيف، والذي تم تعطيله بسبب أستانا".

وأوضح مسلم أنه "لو كانت هذه الدول جادة، لكانت اتفقت مع القوى الدولية المؤسسة للتحالف الدولي والتي تعتبر تركيا أحيانًا نفسها جزءًا منه، والجميع يعرف أنها كانت تدعم الجماعات الإرهابية كداعش والنصرة ووجودها في التحالف كان في مصلحة داعش والتستر عليه، ورأينا في معركة كوباني كيف كان يتم معالجة جرحى داعش في تركيا".

وحول حل الأزمة السورية قال مسلم: "يكمن في تفعيل جنيف وتشكيل هيئة حكم انتقالي بحسب القرار 2254، ومن خلاله القيام بالانتخابات وإحداث دستور، والجميع يعلم أنه حتى اللجنة الدستورية التي تم تشكيلها كانت بيد تركيا ودول أخرى".

وأضاف: "كان من المفروض أن تتشكل اللجنة الدستورية بعد تنفيذ القرار 2254، وليس قبله، كون اللجنة المشكلة الآن تحقق مصالح تركيا وروسيا وإيران، وحتى أعضاء اللجنة الدستورية الموالين للنظام وللمعارضة الإخوانية وحتى ما يسمى المجتمع المدني تم فرضهم ولا يمثلون الشعب السوري".

'على المجتمع الدولي التحرك'

وأكد مسلم على ضرورة أن يقوم المجتمع الدولي بدوره الحقيقي وخاصة الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا، ويجب على الاتحاد الأوروبي أن يتحرك للضغط على روسيا لتفعيل جنيف وإلغاء أستانا التي كانت لمصلحة هذه الدول وليس لمصلحة الشعب السوري.

'أستانا تقسم سوريا'

وفي ختام حديثه قال مسلم: "باختصار، اتفاق خفض التصعيد هو تقسيم سوريا وليس الحفاظ على وحدة الأراضي السورية كما كانوا يزعمون، لذلك عندما يتم اتهام الإدارة الذاتية بتقسيم سوريا وإعلان فيدرالية من طرف واحد، فهذا ليس صحيحًا. الجميع يعلم أهداف مجلس سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية، وغالبية السياسيين والخبراء يرون أن مشروع الإدارة الذاتية هو نواة لسوريا ديمقراطية ككل.

عند تطبيق جنيف بشكل جدّي سيكون هناك دور لمكونات الإدارة الذاتية وهذا هو سبب عقد اتفاقية خفض التصعيد بين الدول الثلاثة عندما أعلنت أميركا في ذلك الوقت أن الإدارة الذاتية ستشارك في هذه المفاوضات".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً