أمام تركيا وخلفها: عام على احتلال سري كانيه وكري سبي/تل أبيض

سيهانوك ديبو – ممثل مجلس سوريا الديمقراطية في مصر

نظام عالمي جديد يتشكل

إذا مِلْنا -إنْ بقبول واقتناع أو بجبرية ولا أدرية- إلى قول النتيجة التي مفادها بأن نظام حوكمة عالمية جديدة يلزم أن يتحصّل. فإن مردّ ذلك ليس بسبب استفحال الأزمة السورية وفشل نظام الحوكمتين المركزية العالمية والطرفية الإقليمية في إيجاد حل لها وحسب؛ وليس بسبب شبيهاتها في اليمن وليبيا وبشكل ما في لبنان والعراق، وغيرها من بلدان المشرق الأوسط، وليس بسبب حالة الاستقطاب المستجدة في البحر الأبيض المتوسط وما ينجم عنها من اتفاقيات -لا تتكامل- لترسيم الحدود البحرية، كما لا يمكن القول بأن جائحة كورونا التي خلفّت أكثر من مليون فقيد أكدت بأن حالة الانقسام العالمية مهدت الأجواء أكثر لاستفحال المرض وجعله أو نقله إلى مصافّ الجائحة.

 إلّا أن ما يلزم حقيقة يكمن بإحداث تغيير بنيوي في هيئة الأمم المتحدة إلى اتحاد للأمم الديمقراطية بما يرافق ذلك من تغييرات في شكل الأنظمة السياسية. أما الدولة كظاهرة فرعية علوية مُقحمة في مسيرة المجتمع البشري فإنها هي التي أثبتت فشلها قبل أي شيء.

 ولعل مغادرة الإنسان المجتمع الطبيعي إلى النوعي، رافقه بداية انقسام في البيئة المجتمعية الواحدة؛ سبَّبَ كل الانقسامات التي نشهدها اللحظة؛ وصولاً إلى نظام الحوكمة العالمية المنقسم إلى المركزية والطرفية/ الأطراف.

"كيف تختار تركيا تواريخ حروبها العبيثة"؟

لكن تركيا الأردوغانية لا تختار تواريخ معاركها العبثية بعبثية بل تختارها إما بسبب الحب أو بسبب الخوف، فهي حينما اختارت –مثالاً-  احتلال جرابلس في 24 أغسطس آب 2016 فإنما بسبب حب أردوغان الشديد إلى هذا التاريخ بالذات والذي يعتبر بداية تشكيل وهيمنة السلطنة العثمانية على الشرق الأوسط والمتوسط، وأجزاء واسعة من أوربا؛ قبل خمس قرون خلت، علماً بأن العثمانية الجديدة أول من أفصحها هو داوود أوغلو كأحد أهم منظريها الاستراتيجيين؛ بخاصة حينما أكد في 24 نوفمبر تشرين الثاني 2009 أثناء لقائه بأعضاء حزبه السابق (العدالة والتنمية) في مدينة (قيزلجه حمام):  ً إن لدينا ميراثاً آل إلينا من الدولة العثمانية، إنهم يقول عنا إننا العثمانيون الجدد، نعم نحن العثمانيون الجدد، ونجد أنفسنا ملزمين بالاهتمام بالدول الواقعة في منطقتنا، نحن ننفتح على العالم كله، حتى في شمال أفريقيا ً. (انتهى الاقتباس). أو بسبب خوفه من التاريخ؛ أقلّه بهدف الاستمرار هرباً من الإشكالية؛ كما في اختياره لتاريخ 9 أكتوبر تشرين الأول العام الماضي في شن عدوان همجي هو ومرتزقته على سري كانيه/ رأس العين وتل أبيض/ كري سبي. بالطبع هو التاريخ الذي أُعْلِن فيه حرب الإبادة الممنهجة على الشعب الكردستاني في السيناريو غير الإنساني بل المؤامراتي الذي حدث مع السيد عبدالله أوجلان قبل عشرين عاماً من تاريخه.

 أوجلان الذي يعد أحد أهم رموز الشعب الكردي إن لم نقل شعوب المشرق والحركات النهضوية في العالم، وفي استمرار اعتقاله يعني استمرار حرب الإبادة على الكرد وعلى قضيتهم العادلة.  

"عن مستقبل وقف إطلاق النار على شمال وشرق سوريا"؟

في 9 أكتوبر/تشرين الأول العام الفائت قامت تركيا الأردوغانية ومرتزقتها – هم أنفسهم المرتزقة الموزَّعة على إقليم آرتساخ وليبيا ومحلات أخرى في المنطقة- بأفعال عدائية على مدينتي رأس العين وتل أبيض السورية وتم احتلالها بعد مقاومة استثنائية بذلتها قوات سوريا الديمقراطية. ولم يكن ليتم احتلالهما لو لم تُمنح أنقرة الضوء الأخضر على شاكلة الضوء الأخضر الممنوح لها في احتلال تركيا الأردوغانية لعفرين عشية يوم النوروز 2018، اليوم القومي التاريخي بالنسبة للشعب الكردي، ولبعض شعوب المنطقة أيضاً.

 لا يعني ذلك توجيه الاتهام إلى دولة بعينها؛ إنما في الحقيقة فإن أعضاء مجلس الأمن الخمس يتحملون فعل ذلك بشكل خاص وعموم الأمم المتحدة وبلدان المنطقة.

في 17 تشرين الأول 2019 أعلن نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس من خلال زيارة خاطفة إلى أنقرة؛ وهي زيارة غير طبيعية وليست واضحة؛ أنّ الولايات المتحدة وتركيا قد توصّلتا إلى اتفاق يقضي بوقف إطلاق النار و الهجمات التركية على شمال وشرق سوريا، أعقبه مذكرة تفاهم في 22 تشرين الأول 2019، توصلت فيها موسكو –هذه المرة- وأنقرة  إلى وقف إطلاق نار آخر يقضي بوقف الهجمات وتأمين عودة المهجرين. ولكن أياً من ذلك لم يحدث.

 والذي حدث هو ازدياد وتيرة التهديدات التركية  لشمال وشرق سوريا، وإطلاق العنان لتركيا الأردوغانية لمزيد من تصريحات مسؤوليها بشن هجوم جديد، ناهيكم عن سلسلة هائلة من الانتهاكات والأفعال الاجرامية المطبقة بحق المدنيين والاستيلاء على مقدراتهم.

 ووفق قوانين الأمم المتحدة وجمعيتها العامة فإنها تصنف كجرائم حرب ضد الإنسانية يستوجب مقاضاة سريعة لمرتكبيها. أي بات سمة المشهد الحالي هي عدم تطبيق الاتفاقات واستمرار الهجمات وعمليات القتل والاختطاف والتغيير الديمغرافي وتتريك المنطقة فضلاً على مسؤولية أنقرة المباشرة في قتل المدنيين والشخصيات السياسية، مثالها الناشطات الثلاثة أعضاء مؤتمر ستار في كوباني، وقطع المياه عن مليون شخص في الحسكة.

يمكن القول بأن أية عملية استهداف أو شن عمل عسكري تركي جديد على مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا تتحملها الآن واشنطن وموسكو بشكل مباشر، وأنهما لا يتحملان المسؤوليات القانونية الفعلية بإلزام أنقرة في تنفيذها وحسب؛ إنما الالتزام بعودة آمنة للأهالي إلى منازلهم ومنع أي عملية تغيير ديموغرافي وصولاً إلى انسحاب تركيا الأردوغانية من كافة المناطق التي احتلتها في شمال سوريا؛ وعفرين في المقدمة وكبداية.

"لكن ماذا عن قرار ترامب بتمديد حالة الطوارئ عاماً ميلادياً آخر في شمال سوريا"؟

بالكثير من التحفظ على معنى ومصطلح (حالة الطوارئ) الذي جاء على لسان ترامب، وعلى الرغم من أن الكثير يراه غير منفصل عن أجواء الانتخابات الأميركية الحالية، أو النظر إليه كإجراء انتخابي بحت، إلا أن الاعتقاد الأشمل يتعدى ذلك أيضاً ليكون بالخطوة المهمة التي من شأنها أن تلجم أنقرة قبل أي شيء بتسيير خطوات عسكرية مهددة لشعب شمال سوريا ولمقدراتها.

 بالأساس فإن أي هجوم تركي جديد –كما أردفنا أعلاه- يتحمل مسؤوليته بالدرجة الأولى كل من واشنطن وموسكو اللتين وقعتا مع أنقرة اتفاقية ومذكرة وقف إطلاق نار في تشرين الأول أكتوبر العام الماضي، لكن ما يميز تصريح ترامب استناداً للمرئيات القانونية الأمريكية هو أنه خطوة لن يصيبها التعديل في حال فوز الرئيس ترامب أو المرشح بايدن بالانتخابات الأمريكية التي بدأت وستطول حتى ظهور نتائجها الفعلية أكثر من المعتاد.

 لذا فإننا نجد  بأن خطوة روسية مقابلة لها - في حال صدرت- سيكون لها تأثير إيجابي وإضافي كبير للقطع أمام أنقرة بالقيام على أي خطوة غير مسؤولة وغير قانونية تتعدى من خلالها على سيادة البلدان تحت حجج وأوهام لا أمل في إحيائها. 

"كملخص تنفيذي"

نظام الهيمنة العالمية في مأزق، وما يحدث الآن من أحداث ساخنة، وتحويل المنطقة إلى برميل بارود؛ وهذه المهمة المتوقعة من تركيا الأردوغانية خلال عشر سنوات مضت؛ دليل واضح على المأزق، وما يلزم:

 هو إحداث تغيير جذري في منظومة العلاقات الدولية، ومنع زج المنطقة في صراعات دينية وقومية لا طائل منها؛ لا سيّما بالنسبة لشعوب المنطقة وأيضاً لنظام الهيمنة العالمية في ظل ثورة التقنية العملاقة، وإعادة تعريف المشرق الأوسط، -وهذا مطلوب من بناته وأبنائه قبل الآخرين- بأنه جغرافية موحدة تتكامل فيه القوميات والأديان والطوائف ولا يمكن عدّه بأنه محط الصراعات والاقتتال بين مكوناته، والاعتقاد يقيناً بأن كل نظام سياسي على أساس قومي أو ديني أو مركَّب منهما، لا يمكن أن يكتب له النجاح وحسب، إنما تقسيم المنطقة الواحدة وليس البلد الواحد إلى عشرات القطع في وقت يتحتم فيه الاتحاد والتوحيد.

ووفق ذلك فإن تركيا الأردوغانية وكل دعاة العثمانية الجديدة، وكل من في مخيلته مشروع قومي أو ديني مركزي يجب تحييده عن مسيرة المجتمعات المتطورة الطبيعية في المشرق الأوسط؛ مثالنا في الحل: المشرق الأوسط كأمم ديمقراطية؛ فقط.