اليونان وتركيا .. خلافات قديمة جديدة يشعلها غاز شرق المتوسط

على الرغم من أنهما عضوان في حلف الناتو، إلا أن الخلافات اليونانية التركية القديمة والجديدة تجعل من العلاقات بينهما متوترة دوماً، وتصل إلى حد اندلاع الحرب بينهما.

اعترضت طائرتان تركيتان يوم الأحد مروحية كان يستقلها وزير الدفاع اليوناني نيكوس بانايوتوبولوس ورئيس أركان الجيش الجنرال كونستانتينوس فلوروس أقلعت من جزيرة إينوسيس الصغيرة بعد زيارتهما لقواعد أمامية بالقرب من الحدود مع تركيا.

وقالت وسائل الإعلام اليونانية إن الطائرتين التركيتين حلقتا على جزيرة ثانية أيضاً على علو منخفض، وأكدت أنه سبق هذا الانتهاك اعتراض طائرات يونانية لطائرات تركية في المجال الجوي للبلاد.

هذه الحوادث تتكرر كثيراً في السنوات الأخيرة، ولفهم أسبابها يجب الغوص في تاريخ العلاقات التركية اليونانية منذ القدم وحتى يومنا الحاضر.

حروب السيطرة العثمانية واستقلال اليونان

الأتراك العثمانيون شعب انتقل من أواسط آسيا (تركستان) واستقر في حوض الأناضول في حوالي القرن الحادي عشر من خلال غزو السلاجقة الأتراك، حيث اختلطوا مع شعوب الأناضول، ثم بدأت المنطقة في التبدّل من منطقة ذات غالبية يونانية إلى ذات غالبية تركية بعد الحروب التي اندلعت بين السلجوقيين والبيزنطيين بدءاً من عام 1048 ودخول العثمانيين إلى القسطنطينية عام 1453 وصولاً إلى عام 1500 بعدما سيطر العثمانيون على غالبية مناطق الأناضول.

وبعد هذه الفترة سعت اليونان إلى الدخول في الحرب ضد تركيا مع أي طرف كان يريد الاستقلال عن الامبراطورية العثمانية، وخصوصاً في الحرب الروسية التركية، بغية استعادة الأراضي التي كانت تقطنها أغلبية يونانية.

وغزا الجيش العثماني شبه جزيرة ماني اليونانية أعوام 1803 – 1807 – 1815، لتندلع بعد ذلك بعدة سنوات حرب استقلال اليونان من الدولة العثمانية وبالتحديد في عام 1821.

وبعد معركة نافارينو عام 1827، اعتُرف رسمياً بإقامة الدولة اليونانية بموجب بروتوكول لندن في عام 1828، ولكن المعارك استمرت بين اليونانيين والعثمانيين إذ شهدت الفترة ما بين 1854 – 1896 اندلاع انتفاضات شعبية يونانية بوجه العثمانيين خصوصاً في ثيسالي ومقدونيا وايبيروس، وفي عام 1897، أدت انتفاضة اندلعت في جزيرة كريت إلى قيام أول حرب بين تركيا واليونان.

وبعد وصول جمعية الاتحاد والترقي إلى السلطة في تركيا عام 1908 وممارساتها الشوفينية تجاه الشعوب غير التركية والمجازر التي ارتكبتها بحقهم، اندلعت حرب البلقان الأولى (1912-1913)، ونتج عنها سيطرة اليونان على جزيرة كريت وجزر بحر إيجة وثيسالي وايبيروس والساحل المقدوني، وذلك بالتحالف مع صربيا وبلغاريا.

ودخلت اليونان الحرب العالمية الأولى في عام 1917 ضد الدولة العثمانية بقصد السيطرة على القسطنطينية (اسطنبول) وأزمير وذلك بتحريض من البريطانيين والفرنسيين، ومنحت اتفاقية سيفر عام 1920 اليونان مناطق تراقيا الشرقية و17 ألف كيلومتر في غربي الأناضول قرب أزمير، أعقبها سيطرة اليونان على أزمير في أيار 1919، ولكن مصطفى كمال أتاتورك لم يعترف باتفاقية سيفر وخاض الحرب ضد اليونانيين واستعاد أزمير في أيلول 1922 لتنتهي الحرب اليونانية التركية بعقد هدنة مودانيا واتفاقية لوزان عام 1923.

علاقات متدهورة.. قبرص عقدة يصعب حلها

عقب قيام الجمهورية التركية الحديثة بالسعي لتطبيع العلاقات بين الأتراك واليونانيين وتوقيع اتفاقية عام 1930 إلا أن الخلافات ظلت مستمرة بين الطرفين، ولكن الحرب الباردة في خمسينيات القرن الماضي أدت إلى التقارب بين الطرفين، ففي عام 1950 حارب البلدان جنباً إلى جنب في الحرب الكورية، وفي عام 1952 انضما إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو).

ولكن رغم ذلك، ظل الخلاف قائماً بين الطرفين بسبب جزيرة قبرص التي سيطر عليها العثمانيون عام 1571 من البنادقة، وظلت قبرص تابعة للدولة العثمانية طيلة ثلاثة قرون زادت فيها معدلات هجرة الأتراك إلى الجزيرة، كما كانت في الوقت نفسه منفى تلجأ إليه السلطات التركية لنفي من تشاء من قادة المعارضة التي تعتقد أنها تمثل مصدر تهديد للباب العالي في الأستانة.

ورغم أن قبرص التي خضعت لإدارة بريطانيا اعتباراً من عام 1878 بموجب اتفاق مع السلطنة التركية، حصلت على استقلالها في 16 آب/أغسطس 1960، إلا أنها ظلت موضع اهتمام تركيا التي ترى فيها تهديداً لمصالحها.

فثلثا سكان قبرص هم من اليونانيين، وتبعد عن الشواطئ التركية 75 كم فقط وكان يتواجد فيها منذ الاستقلال حوالي ألف جندي يوناني مقابل 700 جندي تركي، لذلك كانت تركيا تخشى أن تغلق منافذها البحرية عند مدخل بحر إيجة المؤدي إلى الدردنيل والبوسفور.

إن الخلافات التي حدثت بين البلدين عقب طرد تركيا لليونانيين من داخل تركيا في ستينيات القرن الماضي والمواجهة بين الطرفين حول بحر إيجة، دفع بتركيا لاحتلال 37 % من قبرص في تموز عام 1974 بحجة حماية القبارصة الأتراك وطردت القبارصة اليونانيين من هذا الجزء، وظل هذا الخلاف قائماً حتى الآن إذ أعلنت تركيا عن جمهورية قبرص الشمالية التي لا تعترف بها سوى تركيا، في حين أقيم في الشطر الآخر جمهورية قبرص الجنوبية المعترف بها من قبل الأمم المتحدة.

بحر أيجه.. خلاف آخر

ومن المواضيع المهمة التي تسبب التوتر بين تركيا واليونان هو وضع الجزر في بحر إيجه، إذ يضم سبع تجمعات من الجزر، اثنتين منها فقط تخضعان للسيادة التركية، بينما باقي التجمعات تخضع للسيادة اليونانية.

ويمثل بحر إيجه ممراً تجارياً مهماً للسفن المتنقلة بين المياه الدافئة في البحر المتوسط والمياه الباردة بالبحر الأسود عبر مضيقي الدردنيل والبوسفور التركيين، وتنتشر على شطآن جزره والسواحل التركية واليونانية المرافئ والموانئ التي ترسو فيها السفن.

كما أن البحر مصدر طبيعي مهم للرخام والحديد الخام، وتنشط في بعض جزره الخصبة أنشطة زراعية نباتية وحيوانية، ونظراً لانتشار المناظر الطبيعية والتاريخية القديمة، فإن كثيراً من المدن الواقعة على سواحل البحر تعد مراكز جذب سياحي مهمة.

وتشكل قضية المياه الإقليمية نقطة خلافية مستمرة بين الطرفين، فوفقاً لاتفاقية لوزان 1923 التي يرفضها أردوغان نفسه، فإن حدود المياه الإقليمية لكل من الدولتين ثلاثة أميال، وقامت أثينا عام 1936 بزيادة هذه المياه إلى ستة أميال لترد تركيا على ذلك بالمثل.

وتقول اليونان إن المادة الثالثة من قانون البحار يعترف لها بحق توسيع مياهها الإقليمية إلى 12 ميلاً ولكن ترفض تركيا ذلك.

وسبب الخوف التركي هو أنه في حال تطبيق هذا القانون، فإنها ستكون مجبرة على الاستئذان من اليونان أثناء مناوراتها البحرية أو هي في طريقها إلى البحر الأبيض المتوسط.

التنقيب عن الغاز شرق المتوسط يسعر التوتر

​​​​​بدأ البحر الأبيض المتوسط يكتسب أهمية مع بدء الحديث عن العثور على مخزون للغاز في أعماقه، حيث عثرت إسرائيل على مخزون للغاز في أعماقه عام 2009.

وفي عام 2011 بدأت قبرص التنقيب عن الغاز الطبيعي، وأعلنت شركة "نوبل إينرجي" ومقرها تكساس عام 2011 اكتشاف الغاز قبالة قبرص في حقل "أفروديت" الذي يقدر احتواؤه على 4.5 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي.

هذه الكميات المكتشفة فتحت شهية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للحصول على أموال تمول مشاريعه الاستعمارية وتدخلاته العسكرية في المنطقة، خصوصاً مع بدء الربيع العربي في تونس وانتقالها إلى ليبيا ومصر وسوريا التي كان أردوغان يحلم بالسيطرة عليها.

لذا أعلنت تركيا في 26 نيسان/أبريل 2012 البدء بالتنقيب البري في منطقة شمال قبرص الانفصالية، مثيرة التوترات مع قبرص المعترف بها دولياً وسعت لإيقاف عمليات التنقيب والاستخراج التي تقوم بها الأخيرة، إذ اعترضت البحرية التركية في 9 شباط/فبراير 2018 السفينة "سايبم 12000" التي استأجرتها شركة إيني الإيطالية، بينما كانت في طريقها للتنقيب عن الغاز في المياه قبالة قبرص.

وفي تطور لافت ورغم التحذيرات الدولية من الخطوات التي يقدم عليها نظام أردوغان، أرسلت تركيا في أيار/مايو 2019 سفينة الحفر "فاتح" إلى منطقة غرب قبرص، بعد ذلك بحوالي شهرين توجهت سفينة تركية أخرى تدعى "ياووز" إلى المنطقة للعمل قبالة شبه جزيرة كارباس شمال شرقي قبرص، وفي تشرين الأول قالت تركيا إنها سترسل "ياووز" قبالة الساحل الجنوبي لقبرص حيث منحت السلطات القبرصية بالفعل حقوق تنقيب لشركات إيطالية وفرنسية.

وأظهر موقع Marine Traffic وهو موقع إلكتروني لتعقب السفن، أن سفينة التنقيب "ياووز" تمركزت في شمال شرق جزيرة قبرص، أما سفينة "فاتح" فرست في غرب جزيرة قبرص، فيما تمركزت سفينة الأبحاث السيزموغرافي "خير الدين بربروس"، جنوب جزيرة قبرص.

ردود فعل منددة بتصرفات تركيا.. ودعم لليونان

مع تصاعد الخلاف بين اليونان وتركيا، أدانت الأولى اعتزام تركيا على مواصلة أعمال الحفر داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص، وأكدت أن دور تركيا مزعزع للاستقرار، ووصفتها بدولة تمارس أقسى أنواع الانتهاك للقانون الدولي في المنطقة.

أما الاتحاد الأوروبي فدعا تركيا لاحترام حقوق سيادة قبرص اليونانية في التنقيب عن مواردها الطبيعية واستغلالها، وهددت تركيا بفرض عقوبات حال تنقيبها عن الغاز في مناطق قبرص.

وبدروها الولايات المتحدة أعلنت دعمها لحق قبرص في التنقيب عن الغاز والنفط قبالة سواحلها، بينما دعا الناتو الطرفين لحل خلافاتهما سياسياً دون أن يرجح كفة طرف على آخر.

أردوغان يستغل حكومة الوفاق الليبية للسيطرة على شرق المتوسط

شهد شهر تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2019 توقيع اتفاقية بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس حكومة الوفاق الليبية فائز السراج، من شقين الأول أمني والثاني اقتصادي تحت مسمى ترسيم الحدود بين البلدين من أجل ضمان موطئ قدم له في المتوسط والتحكم بمصادر الطاقة هناك إلى جانب تأمين سيطرته على ليبيا ومصادر الطاقة فيها.

وجاء هذا الاتفاق كردّ فعل تركي على اتفاقية ترسيم خط الحدود البحرية الموقعة بين مصر وقبرص اليونانية عام 2013 وكذلك على اجتماع عُقد في القاهرة بين ممثلين عن مصر والأردن وإسرائيل واليونان وقبرص وإيطاليا والسلطة الفلسطينية، والذي تمّت فيه الدعوة إلى تدشين "منتدى غاز شرق المتوسط" يُستثنى منه تركيا.

وبالتالي أراد أردوغان عبر هذا الاتفاق أن يفصل إسرائيل ومصر وقبرص والفلسطينيين عن اليونان وإيطاليا ويهدد مشاريع إمداد الطاقة المراد تدشينها في المنطقة وإيصالها إلى أوروبا، وعلاوة على ذلك تريد تركيا أن تصبح مركزاً للطاقة في المنطقة بسيطرتها على حركة خطوط الغاز إلى السوق الأوروبية؛ فتركيا تستورد ما يزيد على 74% من احتياجاتها من الطاقة من الخارج، حيث تمثل المصادر الأجنبية 92% من حاجتها النفطية، و98% من الغاز الطبيعي، و50% من الفحم، وبالتالي سيطرتها على ليبيا ومياهها توفر احتياجاتها هذه.

اتفاق يرفضه الجميع ولا يخدم أحداً سوى تركيا

ولكن كالعادة، لاقى اتفاق أردوغان والسراج الردود المنددة، إذ لم يوافق البرلمان الليبي على هذه الاتفاقية ما جعلها وهمية، والأمر الآخر هو أن القانون الدولي يمنع تركيا من تنفيذ أية خطة لترسيم الحدود مع ليبيا وفقاً للمادة 137 وذلك بناء على نظرية الجرف القاري نتيجة وجود جزر كريت ورودس وقبرص التي تحول بين حدود تركيا وليبيا.

إلى ذلك، رفضت اليونان الاتفاقية ووصفتها بأنها غير منطقية لأنها تتجاهل وجود جزيرة كريت بين ساحلي ليبيا وتركيا وطردت السفير الليبي وتلقت دعماً في ذلك من الاتحاد الأوروبي، فيما اعترضت مصر عليها، بينما تقول جمهورية قبرص إن تركيا لا حق لها في التنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحلها.

ويضاف إلى ذلك أن أوروبا تبحث عن بديل آمن للخط الجنوبي مع روسيا الذي يمدها بـ 38 % من احتياجات الغاز ويمر من تركيا.

وكما هو معلوم فإن هناك 3 طرق للاستفادة من الغاز المكتشف شرق المتوسط في قبرص وإسرائيل ولبنان وغيرها، وهى إما مرور الغاز من خلال تركيا أو عن طريق الدول المنتجة أو من خلال مصر، لذا تسعى تلك الدول إلى إبرام تحالفات لإنشاء خطوط نقل للغاز تضمن لها السيطرة على الغاز والاستفادة منه بشكل كبير.

ويرغب الأوروبيون في الحصول على الغاز عبر إيطاليا كبديل أفضل اقتصادياً من البديل التركي، بسبب المشاكل والتهديدات التركية المستمرة للأوروبيين وسياسات أردوغان العدائية تجاههم، وهذا ما يشكل مانعاً من التأثير في الأوضاع في المنطقة.

حوادث سابقة ..

إن حادثة اعتراض طائرة وزير الدفاع اليوناني ليست الأولى، بل هي جزء من سلسلة حوادث تتكرر بشكل مستمر فوق الأجواء اليونانية، إذ كثيراً ما تخرق الطائرات التركية المجال الجوي اليوناني، ففي شهر شباط 2017 قال مسؤولون في وزارة الدفاع اليونانية أنهم سجّلوا 138 انتهاكًا فوق جزر في وسط وجنوب بحر إيجه، وهو عدد كبير بشكلٍ غير عادي، وفي نيسان/أبريل عام 2018 قُتل طيار يوناني بعدما تحطمت طائرته عقب اعتراض تركي له.

وفي 25 آذار/مارس 2019 قال أليكسيس تسيبراس، رئيس الوزراء اليوناني، إن طائرات تركية تحرشت بالمروحية التي كان يستقلها، خلال زيارة إلى جزيرة أغاثونيسي في شرق بحر إيجه للاحتفال بيوم الاستقلال.

وفي كانون الأول/ديسمبر 2019 اعترضت 38 مقاتلة اعتراضية، 20 مقاتلة تركية اخترقت الأجواء اليونانية فوق بحر إيجه، وحاول الأتراك الدخول في اشتباك جوي، ولكن باءت محاولاتهم بالفشل نتيجة فارق العدد وفارق الكفاءة والخبرة لصالح الطيارين اليونانيين على نظرائهم الأتراك الذين سرعان ما انسحبوا عائدين لمجالهم الجوي.

وفي آذار/مارس 2020 انتهكت الطائرات التركية المجال الجوي اليوناني في إفروس، تبعها في ذات الشهر صدم زورق سريع تركي سفينة خفر سواحل يونانية بالقرب من جزيرة كوس شرق بحر إيجه.

هذا وكادت الأمور تصل بين البلدين عام 1996 إلى حد اندلاع حرب لولا ضغط هائل من الإدارة الأمريكية، وذلك بعدما أسقطت تركيا مروحية يونانية وقتلت 3 ضباط كانوا على متنها فوق إحدى الجزر.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً