الولايات المتحدة والصين.. أوجه عديدة للصراع على حكم العالم

ما بين الحرب الباردة وأخرى تجارية وغيرها بيولوجية ورقمية، كلها توصيفات أطلقت على الصراع الأمريكي – الصيني، بينما يحذر مراقبون من أن هذا الصراع قد يتحول إلى حرب حقيقة ستدوره رحاها قريباً، فما هي أوجه هذا الصراع؟

كان الملفت للانتباه طوال الأشهر الماضية هي تصريحات القادة الأمريكيين السياسيين منهم والعسكريين والتي كانت تحذر من "التنين الصيني" على شتى المستويات الاقتصادية والعسكرية والرقمية.

وبات التنافس بين واشنطن وبكين أحد العوامل المحددة للعلاقات الدولية، فيما تزداد المخاوف من احتمال انزلاق هذا التنافس إلى نزاع عسكري مفتوح لا تحمد عقباه ومن شأنه تهديد الأمن والسلام العالميين.

وفي هذا السياق حذّر تقرير سريّ صيني رسمي من أن بكين تواجه موجة عداء متزايدة في أعقاب تفشي فيروس كورونا المستجد، الذي قد يقلب علاقاتها مع الولايات المتحدة إلى مواجهة.

وبحسب ما نقلت "رويترز" عن مطّلعين على التقرير الذي أعدّته وزارة أمن الدولة، بداية شهر نيسان/أبريل، فإنّ المشاعر العالمية المناهضة للصين وصلت أعلى مستوياتها.

وأوضح أشخاص مطلّعون على محتوى التقرير لـ "رويترز" أنّ هذه "المشاعر المناهضة للصّين" تقودها الولايات المتحدة في أعقاب الوباء، ونصح الصين بالاستعداد "لمواجهة عسكريّة بين القوتين العالميتين في أسوأ سيناريو".

الصراع الأمريكي – الصيني يعود إلى التنافس على حكم العالم والذي ترى الأخيرة بأن مفتاح ذلك هو الاقتصاد.

بعد الحرب العالمية الثانية، غربت شمس بريطانيا العظمى، وجاءت أمريكا المنتصرة بنظام جديد ووصفت فيما بعد بأنها أصبحت السيد أو الشرطي، حيث باتت هي الأقوى في العالم اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً.

الآن الصين تطمح لمنافسة الولايات المتحدة الأمريكية من خلال فرض سيطرتها عالمياً وعلى شتى المجالات، وللصراع الأمريكي – الصيني عدة أوجه.

الحزام والطريق

من هذه الأوجه مبادرة "الحزام والطريق" التي أطلقتها الصين وتمثل حقبة جديدة من المنافسة العالمية بين الولايات المتحدة والصين، وتسعى الصين لتحقيق فوائد اقتصادية واستراتيجية على حساب الولايات المتحدة من خلال تمويل مشاريع التنمية والبنية التحتية.

فهذه المبادرة قامت على أنقاض طريق الحرير القديم، وتهدف إلى ربط الصين بالعالم عبر استثمار مليارات الدولارات في البنى التحتية على طول طريق الحرير الذي يربطها بالقارة الأوروبية، ليكون أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية، ويشمل ذلك بناء مرافئ وطرقات وسكك حديدية ومناطق صناعية ومشاريع للطاقة.

وبحسب المراقبين ستجد الولايات المتحدة صعوبة بالغة في حث البلدان على عدم تلقي تمويل من الحكومة الصينية، التي تسعى للتغلغل في المناطق التي ترزح تحت وطأة العقوبات الأمريكية كإيران وكذلك في أوروبا وأفريقيا وحتى حليفة واشنطن الاستراتيجية إسرائيل والدول العربية وباكستان والهند.

الحد من التسلح

وبالإضافة إلى ذلك هناك التنافس على التسلح، حيث تعتبر الولايات المتحدة أن الصين ملزمة في الانضمام لمحادثات الحد من التسلح التي تضم كل من روسيا والولايات المتحدة لبت مصير آخر اتفاق ثنائي لا يزال سارياً للحد من الأسلحة النووية.

ويصر الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مشاركة بكين في اتفاق مستقبلي يكون بديلاً عن معاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية "نيو ستارت" الثنائية الموقعة عام 2010 والتي ينتهي مفعولها في 5 شباط/فبراير 2021.

ورفضت الصين مراراً وتكراراً الدعوات الأمريكية للانضمام إلى محادثات الحد من الأسلحة النووية، التي تضم روسيا، مشيرة إلى أن واشنطن تواصل "إزعاج" بكين بشأن هذه القضية.

لكن الصين قالت إنها على استعداد للمشاركة في مفاوضات ضبط انتشار الأسلحة النووية مع الولايات المتحدة، شرط خفض واشنطن ترسانتها إلى حجم ترسانة بكين الأصغر بكثير.

وتشير التقارير إلى أنه في العام الماضي تمت مراجعة وتحديث جميع خطط البنتاغون الحربية الحالية لمواجهة الصين، بعد أن اعتبرت محاكاة سابقة أن الصين لها اليد العليا في منطقة آسيا والمحيط الهادي بسبب مخزونها الضخم من الصواريخ الباليستية والصواريخ المضادة للسفن.

وبأن تكديس الجيش الصيني هذه الصواريخ هو جزء من استراتيجية "منع الوصول والحرمان" لردع البحرية الأميركية من الإبحار إلى المنطقة في حالة حدوث أزمة.

الصين والتهديد الاستراتيجي لواشنطن و "فخ ثيوسيديدز"

فخ ثيوسيديدز هو مصطلح صاغه العالم السياسي الأمريكي غراهام تي أليسون لوصف ميل واضح نحو الحرب عندما تهدد قوة ناشئة باستبدال قوة عظمى حالية مثل الهيمنة الدولية، وتمت صياغته ويستخدم في المقام الأول لوصف الصراع المحتمل بين الولايات المتحدة وجمهورية الصين الشعبية.

في الولايات المتحدة، يُنظر إلى صعود الصين على نطاق واسع على أنه تهديد لهيبة أمريكا، وقد يستند تصور المزيد من الصعود الاقتصادي والعسكري الذي لا يمكن وقفه في الصين والانحدار النسبي لقوة الولايات المتحدة إلى افتراضات وتوقعات مشكوك فيها.

ومع ذلك، فإن الصين هي القوة العظمى الوحيدة التي يمكن أن تهدد مكانة الولايات المتحدة، حيث قال تقييم استراتيجي جديد لوزارة الدفاع الأميركية، بأن الصين أكبر تهديد للولايات المتحدة، ورفعت رسمياً إلى قمة قائمة أخطر المنافسين.

وذكرت تقارير، أن وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر طلب من قادة الجيوش إعادة معايرة التدريب والعمليات بما يتناسب مع قدرات بكين.

وقال إسبر في رسالة إلى موظفي البنتاغون بمناسبة مرور عامه الأول في منصبه، إن على الجيش جعل الصين "التهديد المتسارع في جميع مدارسنا وبرامجنا وتدريبنا".

وأضاف "نحن الآن في عصر المنافسة بين القوى العظمى والصين، ثم روسيا، وهما تشكلان أكبر منافسينا الاستراتيجيين".

والجدير بالذكر إن استراتيجية الدفاع التي قدمها سلفه جيمس ماتيس عام 2018 كانت الصين وروسيا فيها على قدم المساواة مع "خصوم القوى العظمى" للولايات المتحدة.

وبدوره ألقى وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو، منذ ايام، خطاباً تاريخياً تمت مقارنته بإعلان تشرشل، في العام 1946 عن الحرب الباردة، حيث أعلن فيه بومبيو عن انهيار سياسة ما سماه بـ "التعاون الأعمى" مع بكين خلال نصف القرن الماضي.

ودعا الوزير الأمريكي لإنشاء تحالف جديد ضد بكين في العالم، ولم يستبعد أن تتمكن واشنطن من جذب موسكو إليها.

حروب بيولوجية ورقمية

ومن أوجه هذا الصراع هو الحرب الرقمية والبيولوجية، حيث أعلنت الحكومة البريطانية عن قرارها بحظر مشاركة شركة هواوي الصينية في شبكة الجيل الخامس، وهو قرار يؤثر على الشركات البريطانية لكنه يمنح انتصاراً لواشنطن في معركتها التجارية مع بكين، بينما وصفت هواوي القرار بـ "المحبط" و "المُسيَّس".

وحول ذلك تحدث لوكالة أنباء هاوار المستشار في بيت الحوكمة العالمي غادي صاري قائلاً "موضوع إخراج الشركات الصينية وأهمها هواوي من عملية إنشاء شبكة الجيل الخامس أخذ حيزاً كبير من النقاش في العديد من الدول الغربية وخاصة دول ما تعرف بالعيون الخمس (أميركا، بريطانيا، كندا، نيوزيلاند وأستراليا)".

وأوضح قائلاً "في البداية حاولت بعض هذه الدول كبريطانيا أن توازن بين مخاوف الولايات المتحدة من تعرض شبكة الاتصالات للسيطرة الأمنية من قبل شركات كهواوي بحيث يمكن للحزب الشيوعي الصيني أن يتحكم بشبكة الاتصالات والبيانات في هذه الدول بطريقة لم يشهدها العالم من قبل، وبين عرض الشركات الصينية بناء هذه الشبكات بقيمة تقل بعشرات الأضعاف عن أي شركة اوروبية أو أميركية مما يوفر المليارات على الخزينة البريطانية ودافعي الضرائب".

وأضاف صاري "بالفعل صدر تقرير الاستخبارات البريطانية الذي أعلن أنه بإمكان الخبراء التقنيين البريطانيين أن يحتاطوا لأي خرق محتمل وبالتالي فأنه من الممكن استكمال بناء هذه الشبكة، رغم المعارضة الاميركية. وحاولت بريطانيا أن تبقى على الحياد في هذه المسألة معتبرة إنها جزء من حرب التجارة التي تخوضها الولايات المتحدة مع الصين".

وحول التغير في الموقف قال صاري "قد انقلب ذلك الموقف رأس على عقب مع صدور العقوبات الأمريكية على الشركات الصينية المزودة، والتي تبني الشبكة بمزيج من التقنيات الأمريكية والأوروبية والصينية. فصدر عندها تقرير بريطاني رسمي جديد يفيد بأن إجراءات الاحتياط لعمليات القرصنة كانت مبنية على افتراض أن بعض التقنيات المستعملة هي أمريكية وبالتالي يصعب اختراقها، أما وقد أصبح من المستحيل للشركات كهواوي الحصول على هذه المعدات من الأميركيين فإن اعطاء هذا الدور الحيوي للشركات الصينية أصبح عندها خطراً على الأمن القومي البريطاني كون الشبكة تصبح عندها معتمدة بشكل تام على قرارات الحزب الشيوعي الصيني".

"التحسب للحروب المباشرة أصبح أولوية"

وأوضح "قد ساهم قرار الصين بخصوص هونج كونج والتوترات الصينية - الأسترالية بحسم تلك المسألة. من الممكن اعتبار هذه المسألة اليوم إعلان عالمياً أن العولمة لن تستمر بشكلها الحالي وأن التحسب لحروب مباشرة قد أصبح من اولويات الدول الغربية على حساب توفير المليارات بالاعتماد على اليد العاملة الرخيصة من الصين. كما ينذر ذلك بانسحاب بعض رؤوس الأموال الغربية من الشركات الصينية للاستثمار في البنى التحتية بالدول الغربية التي سوف تحتاج لحزم اقتصادية سريعة لإعادة عجلة الاقتصاد الشبه مشلولة منذ أزمة وباء كوفيد-١٩ وهنا تطرح مسألة ثانية تعني بالحرب الإعلامية الصينية الاميركية حول مصدر الوباء".

وأضاف "اليوم تعتبر معظم دول العالم ما حصل من انتشار للفيروس هو جائحة صحية وبالتالي يتم التركيز حول التعاطي معه من منطلق صحي، إلا إن الضرر الذي ألحقه في الارواح وكذلك الاقتصاد لابد أن يستجر مطالبات في عدة دول لتحميل المسؤولية لكل من ساهم في سوء إدارة هذه الأزمة".

"حرب باردة جديدة لكن بصورة بيولوجية"

وحول التوتر الأمريكي – الصيني حول ذلك قال صاري "رغم الاتهامات الموجهة للصين بكتم المعلومات حول نشوء الفيروس في مدينة ووهان وضغطها على منظمة الصحة العالمية للتقليل من الحدث، فإن الخطورة الحقيقة تبقى بأن البشرية تختبر الآن أحد مخاطر الحرب البيولوجية لو حصلت، وهو تذكير بزمن الحرب الباردة والقدرة النووية على الإبادة المشتركة، هذه المرة بالصورة البيولوجية".

وأوضح "إن تقليل الصين من خطورة الفيروس واتخاذها الخطوات لدفعه خارج حدودها يرتب مسؤوليات كبيرة على الصين التي تظهر أنها ما زالت دولة تعمل بمصلحتها الفردية دون اعتبار لأي دور قيادي فعلي في المنظومة الدولية، وسيبقى هذا الموضوع عائقا لعودة الصينيين إلى دورهم السابق للسنوات القادمة، وسيزداد مع ازدياد الضرر الناجم عن الفيروس".

واختتم صاري حديثه قائلاً "الحديث عن منشأ الفيروس سيبقى معلقاً حتى تعترف إحدى الدول بمسؤوليتها عنه، أما مسؤولية الصين عن كتم المعلومات حوله منذ ٢٧ كانون الثاني / يناير ٢٠٢٠ فهو مسؤولية موصوفة ستعمل الولايات المتحدة إلى جانب دول عدة على تحميلها للصين".

(ي ح)


إقرأ أيضاً