الوحدة الوطنية العوائق والتحديات

  منذ فترة طويلة تتصدر اللقاءات والمباحثات المتعلقة بوحدة الصف الكردي جدول أعمال الأحزاب والتنظيمات الكردية. هذه المباحثات ما تزال مستمرة ، وسوف تصل هذه المفاوضات والمباحثات إلى نتيجة وفقاً لمواقف الأحزاب والتنظيمات.

الوحدة الوطنية؛ ليست تحالفاً قائماً على أسس أيديولوجية وتنظيمية، بل إنها تستند إلى التنوع والتعدد الديمقراطي بصفته ميزة اجتماعية. النهج الإيديولوجي يعني أن كل فرد أو مجموعة أو حزب ينظر إلى العالم من وجهة نظره الخاصة، ويفهم الحياة بطريقته، ويتطور ويتخذ شكلاً بناء على فهمه للحياة.

الوضع الاجتماعي والثقافي والتعليمي للأفراد، ووجهة نظرهم حول العالم وأهدافهم وتوقعاتهم ومعتقداتهم  له دور حيوي في تشكيل وجهات نظرهم الأيديولوجية.

النقطة الأخرى المتعلقة بالنقاشات الدائرة حول الوحدة الوطنية بين الكرد هي أن القضية لا تتعلق باتحاد الكرد تحت سقف أيديولوجية معينة أو حزب سياسي معين. بل القضية تتعلق بإعادة ربط أجزاء وطن الكرد الذي تم تجزئته بين دول المنطقة، وبالتالي استعادة ثقافتهم ولغتهم المسلوبة والمحظورة، وإرادتهم السياسية وهويتهم القومية، وتأسيس جبهة موحدة لمناهضة الصهر القومي والاضطهاد والإبادة.

لكل أمة قيم لا يمكن الاستغناء عنها والتي تعتبر من عوامل ضمان وجودها، وهذا الأمر هو نفسه بالنسبة لجميع أمم العالم، حتى بالنسبة للقبائل والعشائر، ولا يجوز أبداً الاستغناء عنها. وحتى إذا أرادت أسرة ما مواصلة حياتها والعيش بكرامة وحماية وجودها كعائلة، لا بد أن تلتزم ببعض المعايير ويجب على أفراد تلك الأسرة الالتزام بهذه المعايير. هذه مبادئ أساسية.

وخاصة إذا كنا نتحدث عن شعب مثل الشعب الكردي، شعب تعرض للإبادة والاحتلال، فإذا أراد هذا الشعب أن يواصل حياته كأمة وحماية وجوده، وحماية قيمه الأصيلة مثل اللغة والثقافة والهوية، وضمان بقائها فإنه مضطر لتحقيق وحدته الوطنية.

وحدة الصف بدلاً من الانقسام والتجزئة

جغرافية كردستان مجزأة إلى أربعة أجزاء، مما سهل السيطرة عليها وفرض حالة من الاستعمار الدموي، الدول المحتلة لكردستان اتبعت سياسة "فرق تسد" ضد الشعب الكردي من أجل السيطرة عليه، وطبعاً كانت الغاية من هذه السياسة الخبيثة هو استهداف حياة ووجود الشعب الكردي. وتاريخ الشعب الكردي يعج بالكثير من الأمثلة التي تؤكد هذه الحقيقة، ولذلك فإن الخطوة الأولى التي يجب أن نخطوها هي القضاء على هذه السياسة وإفشالها.

طبعاً من البديهي أن هذا الأمر يتحقق عبر التحليل الصائب والقراءة الصحيحة. ففي هذه المرحلة التي تتجه فيها كردستان إلى تحقيق كيانها، من البديهي أن تبادر العديد من الجبهات المختلفة إلى طرح مقترحاتها وبرامجها، ولكن يجب أن تنسجم هذه المقترحات والتوصيات مع روح العصر وروح المرحلة، يجب أن يتم قراءة روح المرحلة بشكل صائب ومن ثم اختيار المعقول وتطويره. وبمعنى آخر يجب أن يتبنى كل حزب أو طرف نهجاً يخدم الوحدة والاتفاق الوطني، ويساهم في تمهيد السبيل أمام نيل الحقوق وبناء الكيان الكردي. وهذا الأمر إذا كان من شأنه أن يخدم مسيرة تحقيق الكيان الوطني ويخدم مساعي تحقيق الوطنية، فإنه بالمقابل لا يعني إضعاف وإنهاك القوة الموجودة والقضاء على المكتسبات القائمة، بل على العكس فإنه سوف يعزز هذه المكتسبات، ويمهد الطريق أمام نيل الحرية، وعليه فإن هذه المساعي سوف تكون جديرة بالاهتمام وستكون مفيدة لأمتنا.

الهدف هو الوحدة

الأمر الذي يجب التأكد منه والاهتمام به هو، هل تصب مياه جميع الأنهار والجداول في مصب أو بحر واحد، أم أن كل واحدة منها تجري في مجرى مختلف. فإذا كانت جميع هذه الأحزاب الكردية التي تتحدث باسم الشعب وتتحرك باسمه، أو تدعي أنها تناضل من أجل حرية كردستان، إذا كانت جادة في مسعاها لنيل حقوق الشعب الكردي وتأسيس الكيان الكردي، فإنها إذاً مجبرة على المشاركة في مساعي ترتيب البيت الكردي. إذا كان هدف الجميع هو تحقيق وتأمين حرية الشعب الكردي وكردستان، وإذا كانوا أوفياء ومخلصين لهذه الأهداف، وأن يتوجهوا بهذا الإخلاص لتحمل مسؤولياتهم فإن هذا من شأنه أن يساهم في تجاوز أهم العقبات. وعدا ذلك فإن الأهم الذي لا يقل أهمية عن الهدف، هو النهج. ففي مسيرة تحقيق الأهداف تبرز أهمية الوسيلة والنهج والعلاقات والتحالفات بشكل كبير.

بالنظر إلى الواقع الموجود، من الواضح أن جميع الحركات والأحزاب الكردية، وفي الفترة الأخيرة تطرح نفسها على أنها تناضل من أجل حرية الكرد وكردستان، وبناء على آرائها وتوجهاتها يتم قبولها من قبل المجتمع أو رفضها.

يجب ألا ننسى، أن الهدف بحد ذاته لا يعتبر نهجاً أو سبيلاً لتمهيد طريق الحرية أو تحقيقها. لذلك فإن النضال ضروري، أما النضال فإنه يوحد السبل والوسائل خلال مسيرة التقدم نحو الحرية، ومن الممكن طبعاً تفقد هذه الوسائل. لذلك ما لم يتم مناقشة جميع هذه الأمور، لا يمكن وصف أي حركة بأنها حركة تناضل بشكل حقيقي من أجل الحرية.

العلاقات والتحالفات

الغاية والوسيلة أمران مرتبطتان ببعضها البعض ارتباطاً جدلياً، كل منهما تكمل الأخرى، وتؤثر عليها، وتساهم في نجاحها أو فشلها.

الحركات والكيانات التي تظهر وتتأسس بدعوى النضال من أجل الحرية، ولكي تتمكن من نيل قبول المجتمع، من أجل الوصول إلى أهدافها، فإن علاقاتها وتحالفاتها خلال مسيرة النضال هي التي تحدد مصيرها. والحقيقة أن التحالفات والعلاقات التي تقام خلال مسيرة النضال من أجل تحقيق النصر، تعتبر من الوسائل الأساسية والرئيسية.

ففي وطن مثل كردستان، مجزأ إلى أربعة أجزاء، ويقبع مجتمعه تحت نير الدولة القومية، والاضطهاد والصهر، ومجتمع مقسم على نفسه، فإن السؤال الذي يجب طرحه خلال مسيرة تحقيق النصر ونيل المكتسبات وتأمين بناء كيان سياسي، هو، من وكيف ومتى ومع من يتحرك ويعقد التحالفات؟.

في عالمنا الراهن حيث عصر التقنية والعلم، حيث بات من المستحيل الحفاظ على الذات من خلال الانعزال، يجب رؤية وإدراك الواقع بشكل جيد. ومن جهة أخرى ينبغي ألا تنعزل عن العالم، كما أن القوى المتسلطة تعمل بشتى السبل على التحكم بإرادتك، وهذا ما لا يمكن القبول به.

مبادئ الوحدة الوطنية

تتحقق الحرية عبر الدفاع عن الرأي والتعبير، والرأي والتعبير هو تعبير جميل عن طريقة الحياة، فإذا أردنا تحقيق الوحدة الوطنية يجب بداية تأمين الانسجام مع الآراء والتوجهات. فكل علاقة أو تواصل يعارض الحقوق والحريات الأساسية الوطنية، يجب بكل تأكيد اعتبارها توجهات خطيرة ومضرة، ويجب على جميع القوى اتخاذ هذا الموقف دون تردد أو مماطلة. وعليه فإن الوحدة تبنى على مبادئ أساسية وفي نفس الوقت على ترتيب البيت الداخلي الكردي، وهذا يعتبر شرطاً لا بد منه.

ورغم أنه ليس من الضرورة بمكان أن تتحد جميع الأحزاب تحت سقف واحد، إلا أنه من الضروري التوافق بينها على النقاط الرئيسية والأساسية. يجب أن تكون هناك مبادئ أساسية ملزمة لجميع الأطراف، وإذا أقدم أي طرف على الإخلال بأي من هذه المبادئ فإنه يجب أن يحاسب على ذلك، هذا المبدأ ضروري من أجل ترتيب البيت الداخلي الكردي.

يجب أن تكون هناك مبادئ تساهم في تجاوز العلاقات والاتفاقيات التي تضر بنضال حرية الشعب الكردي. ومما لا شك فيه أن تحديد هذه المبادئ يحتاج إلى نقاشات وعقد العديد من اللقاءات والمباحثات. ومما لا شك فيه أيضاً أن هذه المبادئ لن يتم وضعها وفرضها من قبل حزب أو تنظيم واحد بعينه، بل على العكس فإن مثل هذا الأمر من شأنه تقويض الوحدة الوطنية، ويشير إلى عدم الجدية في تحقيق الحرية. وهذا الموقف غير مقبول، وعليه فخلال مسيرة توحيد الصف الكردي لا بد من أن تشارك جميع الأحزاب والتنظيميات ومنظمات المجتمع المدني، والجمعيات المهنية والحرفية والمثقفون والفنانون، والأهم أن تشارك المرأة والشباب في تطوير هذا المشروع.

العلاقات مع محتلي كردستان

في مسيرة النضال من أجل الدفاع عن الوجود وتأسيس الكيان السياسي، فإن من القضايا المهمة جداً ويجب التوقف عندها بشكل جاد، هي العلاقات والتحالفات مع القوى المحتلة لكردستان. فتلك الدول القومية التي جزأت كردستان إلى أربعة أجزاء، وشتت المجتمع الكردي، وفرضت عليه سياسات الصهر القومي، والتهجير والنزوح، والتي حظرت ومنعت ثقافته ولغته وهويته، ولم تغير سياساتها قيد أنملة حتى يومنا هذا. والسؤال هو: كيف سنقوم بعقد التحالفات مع هذه الدول؟.

من المؤكد أن هذا الموضوع هو من أكبر وأهم العوائق أمام تحقيق وحدة الصف الكردي، لا يجوز أن يكون لكل حزب أو حركة سياسية تتحدث باسم الشعب الكردي، أن يقول أن لديه سياسة وطنية مستقلة، وإنني "أرى أن هذا هو الصواب، ويقوم بالتواصل واللقاء مع دول الجوار، لكن يمكن بناء علاقة سلسلة ومنهجية بهذا الأسلوب. وأصلاً هذا هو أحد أسباب بقاء كردستان محتلة ومستعمرة، وهذا الموقف يشكل خطراً أيضاً على المكتسبات التي تحققت بفضل الكثير من التضحيات. وعليه فإن الصواب هو التخلي عن هذا الموقف الهدام، وبالتزامن مع ذلك يجب تأسيس منصة وطنية تلتزم جميع الأطراف بقراراتها، وأن يتم مناقشة موضوع التحالفات والعلاقات من خلال هذه المنصة، وأن تكون بمثابة لجنة عليا تمثل جميع الكرد.

المشاركة بدلاً من التشتت

يجب على بعض الأحزاب السياسية تغيير توجهاتها فيما يتعلق بذهنية وسياسة حماية المكتسبات، وإعادة النظر في هذه التوجهات. لقد تمكن الشعب الكردي من تحقيق بعض المكاسب عبر تقديم تضحيات جسيمة، ولكن جميع هذه المكتسبات ليست مضمونة حتى الآن. وفي الوقت الذي يتم فيه الحديث والنقاش حول موضوع ترتيب وتوحيد البيت الكردي الداخلي، فإن الجري وراء مكاسب مجتزأة، وبالتالي تشتيت الصفوف، لن يمنحك الحق في الحديث عن روح الوحدة الوطنية.

الوحدة الوطنية ليست شراكة تجارية، ولا تعني أن تكون لك حصة في الشركة، وأن تطالب بحصة أو نسبة معينة من الأرباح والمكاسب، وأن تصر على ذلك، هذا الأمر لا يمت بأي صلة بوحدة الصف الكردي، كما أنه يشكل خطراً على المكاسب الموجودة. فعلى سبيل المثال؛ اليوم لا يمكن ضمان استمرار وديمومة المكتسبات التي تحققت في جنوب كردستان وفي روج آفا إلا من خلال النضال المشترك على الصعد العسكرية والسياسية، وعلى أسس وركائز الوحدة الوطنية. فقبل مئات السنين قامت الدول المحتلة بتجزئة كردستان، وأنت الآن تدعي المطالبة بالوحدة الوطنية، ولكن فوق ذلك تقول إن هذا الجزء هو ملكي، وهذا الجزء ملك لك، وهذه سياسة خاطئة. هذه السياسة تضع جميع المكتسبات الموجودة في دائرة الخطر، هذه التوجهات الخاطئة، ستؤدي إلى تعرض الكرد إلى هجمات واعتداءات أكثر دموية. وعلى الأخص أن تقوم في هذه المرحلة بالتحالف مع الدولة التركية الدموية، الدولة التي لا تتوانى عن احتلال أراضي الشعب الكردي بشكل يومي، وتمارس القتل والنهب والتغيير الديمغرافي وجميع أشكال الظلم والاضطهاد، ومع ذلك فإنك تقيم في أنقرة، فإن هذا أمر غير مقبول.

كردستان لم تعد تتحمل المزيد من التجزئة والتقسيم والتشتيت، لقد عانت بما يكفي خلال القرون الماضية من التقسيم والتجزئة، وعانى الشعب الكردي بما يكفي من العداوات الداخلية، وكانت النتيجة أن يبقى محتلاً حتى يومنا هذا. الكرد لا يسعون إلى تقاسم وطن يتعرض للظلم بشكل يومي، بل يسعون إلى توحيده، يسعون إلى إنقاذ الوطن من براثن المحتلين. وهذه مسؤولية تاريخية تقع على عاتق جميع الأطراف.

يبدو أن هناك رهاناً على تجزئة وطن مستعمر بدلاً من المطالبة بتحقيق الوطنية. وفي يومنا الراهن لا يمكن للشعب الكردي قبول الرهان على وطن مجزأ.

(ك)

ANHA