التونسيون يرفضون استخدام أراضيهم منطلقاً للتدخل التركي أو غيره في ليبيا

يرفض التونسيون استخدام بلادهم كمنطلق للتدخل التركي أو غيره في ليبيا، وسط اتهامات لرئيس البرلمان راشد الغنوشي بالتخابر مع دول خارجية مثل تركيا وقطر، ومطالبات بعزله.

يستمر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالانخراط في الحروب والصراعات في المنطقة العربية، أملاً في تحقيق أحلامه باستعادة أمجاد السلطنة العثمانية التي تلطخت أيديها بدماء شعوب المنطقة من العرب والكرد والسريان والأرمن واليونان، ولكن لم يحقق انتصاراً حاسماً في كل الدول التي تدخل فيها، ابتداء من العراق مروراً بسوريا ووصولاً إلى ليبيا.

وعلى الرغم من أن تونس تُعرف منذ بدايات تأسيسها بتوازن مواقفها الدبلوماسية وعدم الانجرار إلى سياسة المحاور والاصطفاف، إلا أنه تسود البلاد مخاوف من الانزلاق إلى سياسة المحاور مع دفع تركي قطري لإقحام البلاد في هذا الخندق بعد أن وصلت حركة النهضة المعروفة بميولها الإخوانية إلى السلطة.

ويدعم رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي –رئيس البرلماني التونسي- بشكل واضح وصريح حكومة الوفاق في ليبيا، ويتميز بعلاقاته الجيدة مع أردوغان وأمير دولة قطر تميم بن حمد آل ثاني، فكثيراً ما تأتي مواقف النهضة من الصراع الليبي متطابقة مع الأجندات التركية القطرية في المنطقة.

ونظراً لهذه العلاقات الوطيدة بين الغنوشي وأردوغان، يحاول الأخير جعل تونس حديقة خلفية لقواته وجسراً للمرتزقة للدخول إلى ليبيا والسيطرة عليها سعيًا إلى بسط نفوذه على شمال أفريقيا.

وقد توضح هذا أكثر مع نزول طائرة تركية قيل إنها محمّلة بمساعدات طبية إلى ليبيا في مطار جربة جرجيس التونسي الشهر الماضي، بعد أن أطلق الاتحاد الأوروبي مهمة إيريني لمراقبة تدفق الأسلحة إلى ليبيا، ولكن الحديث جرى عن إرسال أسلحة إلى هناك قادمة من جنوب أفريقيا.

إلا أن تصرفات الغنوشي واتصاله برئيس حكومة الوفاق الليبية فائز السراج ومباركته بالسيطرة على قاعدة الوطية الجوية، لاقى رفضًا شعبيًا تونسيًا كبيرًا، وتعالت الأصوات التونسية المطالبة بعزل رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي من منصبه في رئاسة البرلمان، لانحيازه إلى تدخلات أردوغان في ليبيا، وفي هذا السياق تجمّع حشد من المعارضين أمام مبنى البرلمان، الاثنين، للمطالبة بعزله من رئاسة مجلس النواب.

وأكد الاتحاد العام التونسي للشغل، أقوى تحالف مهني وسياسي في تونس، رفضه استغلال الأراضي التونسية منطلقاً للتدخل التركي أو غيره في ليبيا.

وذكر بيان للمكتب التنفيذي الوطني للاتحاد العام التونسي للشغل: "تتصاعد الأحداث في دولة ليبيا الشقيقة بعد ما يقارب 10 سنوات من الاقتتال والتدخل الأجنبي واستباحة أرواح أبنائها وثرواتها".

وتابع "لقد أصبح الوضع أكثر خطورة بعد التدخل المباشر لعدد من الدول، وبعد نقل الآلاف من الإرهابيين الذين مُنيوا بأشنع الهزائم في سوريا الشقيقة لتحويل المواجهة إلى الجبهة الليبية ومنها إلى جبهات أخرى في أفريقيا لتقاسم مواقع النفوذ والهيمنة على الثروات وخاصّة النفط والغاز واليورانيوم".

وقال الاتحاد إن هذا الوضع ينعكس على تونس ويشكل تهديداً مباشراً لها على جميع الصعد، مضيفاً " تفاقمت التهديدات بتورّط جهات سياسية تونسية في دعم هذا الطرف أو ذاك، بعد البيانات وتصريحات قيادة القوات الأميركية أفريكوم والتي كشفت عن خطة لاستخدام الأراضي التونسية لدخول أميركا الصراع الليبي مباشرة".

كما شددت المنظمة النقابية التونسية على رفضها لأي تدخل أجنبي في ليبيا واعتباره احتلالاً مباشراً "والدعوة إلى وجوب فرض حلّ ليبي ليبي للأزمة عن طريق حوار يُسبق بإيقاف كل أشكال الحسم المسلح".

وتابع "يجند الاتحاد مع كل القوى الوطنية للتصدي بكل الأشكال لاستخدام تراب بلادنا منطلقاً للتدخل الأميركي أو التركي أو غيره في ليبيا".

كما دعا الاتحاد رئيس الجمهورية قيس سعيد ونواب الشعب إلى "تقديم مبادرة قانونية تمنع أيّ طرف مهما كان موقعه وقوته من جرّ تونس إلى الاصطفاف وراء الأحلاف والتي تصبّ جميعها ضدّ مصلحة تونس وضدّ مصلحة أشقّائنا في ليبيا وشعوبنا في المنطقة العربية".

وختم بيانه بمطالبة "السلطات التونسية وخصوصاً رئيس الجمهورية المخوّل دستورياً للتعبير عن الموقف الوطني، باتخاذ كل الإجراءات الأمنية والسيادية لحماية حدودنا ومنع تنقل الإرهابيين من ليبيا وإليها، وعدم تكرار التجربة الإجرامية للتسفير التي أودت بالآلاف من شبابنا إلى محارق الموت والإرهاب".

وفي هذا السياق قال منذر قفراش، رئيس جبهة إنقاذ تونس، أنهم طالبوا بسحب الثقة من الغنوشي لما يمثله من خطر على مصالح الدولة التونسية بولائه لقطر وتركيا، وحمّل رئيس الجمهورية قيس سعيد المسؤولية القانونية لردع الغنوشي الذي أقحم تونس في الحرب الليبية عبر دعمه لحكومة السراج خدمة لأسياده القطريين والأتراك.

وأكد قفراش في تصريح خاص لوكالتنا أن "مواقف الغنوشي قد تسبب ضرراً كبيراً للجالية التونسية في ليبيا وخسائر فادحة للدولة التونسية، وهو ما يستوجب عزل الغنوشي عن رئاسة مجلس النواب ومحاكمته بتهمة التخابر مع جهات أجنبية وتعريض الأمن القومي التونسي للخطر".

ومن جهته قال الصحفي التونسي معز سمراني، إن "علاقة راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة التونسية بتركيا ليس وليد الصدفة، ولا مرتبطة بالملف الليبي فقط بل تتجاوز ذلك بكثير"، مرجعاً ذلك إلى ارتباط الغنوشي وولائه لخدمة المشروع العالمي للإخوان المسلمين حول العالم، لدرجة أن الغنوشي "يمكن أن يكون ولاءه لتركيا أكثر من ولائه لتونس ولمصالحها".

وأشار سمراني في تصريح لوكالتنا، إلى أن توريط الغنوشي لتونس في الملف الليبي لم يعد خافياً على أحد، لافتًا إلى علاقته الممتدة بإخوان ليبيا منذ سنة 2011 وقال "كلنا في تونس نعلم علاقة الغنوشي وحركة النهضة بعبد الحكيم بلحاج زعيم الإخوان في ليبيا وأحد عناصر الجماعة الإسلامية المسلحة في أفغانستان، وكيف كان يتم استقباله في تونس في عهد الترويكا مبجلاً مكرماً، هذا دون أن ننسى أن الغنوشي يدين بالولاء لميليشيات فجر ليبيا في حماية تونس وكان قد قالها صراحة منذ 3 سنوات تقريباً، والتسجيل موجود، عوضاً أن ينوه بالجيش التونسي الذي يمثل سداً منيعاً للذود عن حرمة الوطن، وكان آخرها والنقطة التي أفاضت الكاس هي تهنئة الغنوشي للسراج بمناسبة الاستيلاء على قاعدة الوطية الجوية القريبة من الحدود التونسية".

وفي وقت سابق، حذّرت قوى سياسية تونسية من نوايا أنقرة استغلال تونس لأغراض عسكرية وعبّرت عن رفضها بشدة لأيّ نشاط تركي على الأراضي التونسية، وأصدر كل من التيّار الشعبي وحزب العمال، والحزب الاشتراكي، وحركة البعث، وحركة تونس إلى الأمام، وحزب القطب، بياناً مشتركاً، عبّروا من خلاله عن رفضهم المطلق لأيّ نشاط تركي على الأراضي التونسية لدعم "الميليشيات والإرهابيين" وتصدير المرتزقة إلى ليبيا.

وحذروا من مغبة استمرار مسار الغموض الذي تنتهجه السلطات التونسية في كل ما يتعلق بالأنشطة التركية في المنطقة، مطالبين "بموقف واضح في رفض الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً