التصعيد العسكري في درعا.. "مسرحية جديدة" تخدم أجندات خارجية

مع استمرار الفلتان الأمني في عموم مدينة درعا الخاضعة لما تسمى "التسويات"، استهدفت حكومة دمشق مدينة طفس بالأسلحة الثقيلة، في حين عد المعارض السوري، ياسين البلخي، هذا التصعيد "مسرحية جديدة" هدفها بث الرعب في نفوس الناس وإخضاعهم لمطالبها بما يخدم أجندات خارجية.

ما يزال الوضع الأمني في درعا يقف على صفيح ساخن مع تصاعد حاد لحالات القتل والاغتيال، إلى جانب الاحتقان الشعبي ضد سياسات حكومة دمشق تجاه أبناء المنطقة والتي غالباً ما تنتهي بحدوث صدام بين الطرفين، وبشكل خاص بعد إجراء الأخيرة لما تسمى "التسويات".

وفي جديد ما تشهده المنطقة، قصفت قوات حكومة دمشق، السبت، بالأسلحة الثقيلة والدبابات مزارع وعدة منازل في مدينة طفس واليادودة في ريف درعا الغربي، تزامناً مع محاولتها التقدم باتجاه الأحياء الجنوبية لمدينة طفس.

ويأتي ذلك، بعد 10 أيام من تهديد رئيس "اللجنة الأمنية" التابعة لحكومة دمشق وجهاء درعا بشن "عملية عسكرية" في حال رفضوا التعاون معهم بتسليم مطلوبين لقوات حكومة دمشق في المدينة، خلال اجتماع عُقد بينها وبين وجهاء طفس في 25 تموز/ يوليو الفائت.

وكانت قوات حكومة دمشق قد حاصرت، في كانون الثاني 2021، مدينة طفس، وطالبت بترحيل ستة أسماء للشمال السوري المحتل، إلا أنه لم يخرج أي من هؤلاء المطلوبين من المدينة عقب وساطات عشائرية، الأمر الذي ترك ملف طفس معلقاً بالنسبة لقوات حكومة دمشق ليعود اليوم إلى الواجهة وسط تهديد من الأخيرة باقتحام المنطقة.

طفس.. "مسرحية جديدة"

العضو المؤسس في التجمع الوطني السوري في الجنوب، ياسين البلخي، وصف ما يحدث في درعا بـ "مسرحية جديدة"، قائلاً لوكالتنا في هذا الصدد: "ما يجري بطفس واليادودة وريف درعا الغربي مسرحية جديدة وقد لمسنا فصولها بعد القمة الثلاثية للدول المحتلة لسوريا والهدف هو درعا البلد وذلك للقفز على الاتفاق الذي جرى العام الماضي الذي أفشل أهداف النظام وإيران والميليشيات التابعة لها من تمرير مشروعهم بالتخلص من أكبر عدد من شباب درعا بالقتل وإبعاد العديد من الشباب للشمال وتصفية الجذوة الباقية للثورة في مدينة الشعلة".

ويضيف البلخي "النظام قام بإدخال غرباء للمنطقة والإيعاز لأعوانه بحمايتهم من قتلة ومجرمين لاستخدامهم تحت مسمى الإرهاب، ونحن جميعاً نعلم أنه هو مشغلهم وحاميهم وهذا جرى لمحاولة كسر إرادة درعا البلد العام الماضي والصنمين من قبل ذلك لدفع الثوار للتصعيد وقتل وتهجير العديد منهم وقهر السكان بجرعة قهر جديدة".

ولفت البلخي إلى أن الوقائع التي تجري اليوم في مدينة طفس تأتي مع عودة التنسيق الروسي - التركي في المنطقة، موضحاً: "المتضرر من اتفاق درعا العام الماضي هو النظام وعصابات تركيا من إخوان وحزب التحرير وفلول النصرة".

وحول السيناريوهات المتوقعة لما يجري في المنطقة، قال البلخي: "ما نتوقع بخصوص مسرحية طفس هو التصعيد سريعاً لبث الرعب في نفوس الناس المتعبة والتلاعب بمشاعرهم في تحقيق ما يريدونه سريعاً بفرض اتفاق جديد يخدم المشروع الإيراني والتركي ومع أطراف تنتمي لهذا المشروع وإبعاد الوطنيين من درعا عن المشهد".

وتابع البلخي "لكن توقعنا حسب ما لدينا من معلومات أنه سيتم فشلهم كما فشلوا بالتصعيد الأخير على درعا ولكن سيكون هناك بعض الخسائر البشرية".

أكثر من 250 قتيلاً منذ بداية العام

وعلى خلاف التصعيد في مدينة طفس، لا يزال مسلسل الاغتيالات مستمراً في مدينة درعا، والتي ازدادت بشكل خطير منذ أن أجرت حكومة دمشق لما تسمى "التسويات" أو "المصالحات" برعاية روسية.

ووثق المرصد السوري لحقوق الإنسان منذ بداية العام الجاري وحتى لحظة إعداد التقرير، وقوع 328 عملية استهداف، جرت جميعها بطرق وأساليب مختلفة وتسببت بمقتل 281 شخصاً، جلهم من المدنيين وعناصر تابعة لحكومة دمشق والمتعاونين مع "الأجهزة الأمنية" وعناصر "التسويات".

ويؤكد هذا التصعيد والأرقام الهائلة من عمليات القتل على فشل الحكومة في ضبط الوضع الأمني في المناطق السورية التي فرضت عليها "التسويات"، لا سيما مدينة درعا، كونها خضعت لعمليتي تسوية - أولها كان في 2018 وثانيها في 2021- حيث حولت سياسية الفرض والإجبار المنطقة إلى مرتع لجرائم القتل والاغتيالات دون حسيب أو رقيب.

ويرى مراقبون للشأن السوري، أن "التسويات" التي تسعى حكومة دمشق فرضها على الشعب لا تشكل حلاً حقيقاً مهما صمدت لأنها أساساً لا تعالج أسباب التصادم الفعلي بين الحكومة والشعب، والمتمثلة في الاعتراض على نظام الحكم المطلق.

وعن أسباب ارتفاع معدلات القتل والاغتيالات في المنطقة يقول البلخي: "منذ توقيع اتفاقية تسليم درعا لم تتوقف الحرب على المنطقة، صحيح أن العمليات العسكرية من طيران وقصف بكافة أصناف الأسلحة توقفت إلا أن الاغتيالات وفقدان العشرات والمئات من الثوار الذين كانوا رجال ثورة بحق بقيت وكانت هذه التصفيات من ضمن الاتفاق، وذلك لإطفاء شعلة الثورة في مدينة الشعلة وهذه التصفيات لم تتوقف على الناشطين الثوريين ولكن هناك أيضاً ممن كانوا عوناً للمجرم على أهلهم وانتهت صلاحيتهم ووجب التخلص منهم والاستفادة من دمائهم لإلقاء الاتهام على درعا بالإرهاب والدليل قتل من هو مع قوات النظام والنظام لا يقتل عناصره وبهذا يلقي اللوم على أهالي درعا".

ويضيف البلخي "هناك أيضاً خلافات بين المجموعات التي تنتمي للنظام وعصابات الميليشيات المساندة له على تهريب المخدرات وترويجها أيضاً كانت السبب وراء مقتل الكثير من أتباع هذه الميليشيات والمنتسبين لها".

الفوضى تصب بمصلحة النظام

ويرى العضو المؤسس في التجمع الوطني السوري في الجنوب، أن "عجز النظام عن احتواء الفلتان الأمني بدرعا أكبر دليل على أن النظام هو المحرك الفعلي لهذا الفلتان"، ويتابع: "كما يعلم الجميع أن بقاء واستمرار هذا النظام مرهون ببقاء واستمرار الفلتان الأمني لأنه إذا حل السلام سيرحل النظام ويسقط ولن يكون هناك سبب لوجوده في محاربة طواحين الهواء التي يصنعها ليحاربها".

"كما أن الفوضى التي تخلقها هذه الاغتيالات تصب بمصلحة النظام باستمرار بقائه وتمسكه بالحسم العسكري لأن أي استقرار سيؤدي إلى بداية انهيار النظام الذي لا يعرف إلا القسوة والقوة المفرطة بإسكات معارضيه".

الإصرار على الحسم العسكري

وتستمر حكومة دمشق بتجاهل الحل الفعلي للأزمة السورية التي دخلت عامها الـ 12 عبر إصراره على النظام المركزي، ومتجاهلاً مطالب الشعب التي ثار عليها منذ 2011، كما فشلت في وضع حد لمعاناة السوريين الذين بات 90% منهم يعيشون تحت خط الفقر نتيجة الوضع الاقتصادي المتدهور، وظلت متمسكة بالسعي لإرضاخ أكبر عدد من المناطق السورية تحت سيطرتها وذهنيتها القديمة عبر فرض ما تسمى "التسويات".

ويرى العضو المؤسس في التجمع الوطني السوري في الجنوب، ياسين البلخي، أن "الجريمة الأكبر للنظام إصراره على الحسم العسكري بقوة وفرض الهيمنة فهذه طبيعته ولم يأتِ بجديد،  فحلمه هو عودة سطوته كما كانت قبل عام 2011 واستمرار تمسكه بكل مفاصل الدولة، ويرفض القبول باللا مركزية لأن هذا الحل به الكثير من الحرية التي اغتصبها منذ خمسين عاماً وعاش على ما اغتصبه، ولعبه بالفتنة الطائفية والقومية هو خيار يضعه أمام حاضنته والشعب إما بقاؤه كما هو وبقاء سوريا الموحدة أو الدفع للأمام بالانفصال وهو يعلم أن هذا الانفصال هو ما لا يريده أحد من السوريين".

وختم البلخي حديثه قائلاً: "جلّ ما نريده هو تحقيق العدالة والحرية للجميع وإعادة إعمار المجتمع والبلد بالديمقراطية التي يتساوى جميع سكانها بالحقوق والواجبات وترسيخ مستقبل جميل لأولادنا وأحفادنا".

(ي ح)

ANHA