الذهنية التي قتلت ناكهان آكارسال بالسليمانية.. ذاتها التي قتلت مرسل نبي زاده في كابول -هيفيدار خالد

لم تتوقف هجمات الأنظمة الأبوية المتسلطة ضد المرأة وكينونتها منذ نشأتها، إذ تحاول طمس هويتها والقضاء عليها بشتى الطرق والأساليب الرخيصة التي ابتكرتها خدمة لاستغلالها، وتكريس سلطتها عليها وكسر إرادتها، بيد أن هذه الهجمات جوبهت بمقاومة نسائية متواصلة عبر مراحل التاريخ، ولم تقف المرأة متفرجة عما يرتكب بحقها من انتهاكات، بل طالبت بحقها تحت أقسى الظروف.

وعلى الرغم من أن نضال المرأة ومقاومتها لم يتوقفا في وجه آلة قمع النظم الاستبدادية الممارس ضدها، إلا أن الذهنية الذكورية وسلطة الرجل التي تستهدف إرادة المرأة، ما زالت على رأس عملها، وتحاول جاهدةً النيل من المكتسبات التي حققتها المرأة بتضحيات كبيرة ونضال أسطوري.

يومياً، تتعرض النساء لعمليات القتل والاستهداف من قبل الأنظمة الفاشية التي لا ترى سوى حالة العبودية لائقةً بالمرأة، وترى في المرأة المناضلة والحرة خطراً على سلطتها وأركانها، بدءاً من أجزاء كردستان الأربعة إلى إيران وأفغانستان وإفريقيا وحتى الولايات المتحدة. نعم تتم هناك إبادة المرأة وإنكار هويتها؛ بهدف إزالة وجودها.

اليوم تُستهدف النساء الكرديات المناضلات بشكل متعمد من قبل الفاشيين المتربصين بهن في كافة الأماكن، ولا توجد حدود لفاشيتهم وعدوانهم ضد المرأة، فقبل نحو أربعة أشهر من الآن، استُهدفت الناشطة والأكاديمية وعضوة مركز أبحاث جنولوجيا؛ ناكهان آكارسال، التي لعبت دوراً ريادياً في نشر ثقافة المقاومة والنضال الحر في جميع أنحاء العالم، إثر هجوم مسلح بمدينة السليمانية في جنوب كردستان واستشهدت هناك، نعم اغتالوها بوحشية؛ لمنع انتشار ثورة المرأة التي كانت تقودها ناكهان، بالإضافة إلى جريمة قتل الشابة الكردية، جينا أميني التي قتلت على يد "شرطة الأخلاق" في العاصمة الإيرانية، طهران؛ بحجة أنها لم ترتدِ الحجاب بالشكل الصحيح، واندلعت على إثر مقتلها؛ احتجاجات نسائية ضخمة في روجهلات (شرق كردستان) وإيران، وتضامنت معها النساء من جميع أنحاء العالم، وأصبحت ثورة جينا أميني؛ ثورة المرأة الحرة.

إلى جانب ذلك، تتعرض النساء في إيران لحالات القتل والضرب والاعتقال، فهناك العشرات من الناشطات والمناضلات ما زلن يقبعن في السجون وخلف القضبان لمطالبتهن بحقوقهن ونضالهن من أجل الحرية والحياة الكريمة، النساء في إيران يتعرضن لقمع شديد من قبل النظام الحاكم في البلاد وسياسته التي تستهدف؛ إرادة المرأة وجوهرها الحقيقي.

ولا يمكن أن ننسى ذكر مجزرة باريس الأولى التي ارتكبت في العاصمة الفرنسية، باريس بحق ثلاث نساء كرديات مناضلات؛ هن ساكينة جانسيز، وفيدان دوغان، وليلى شايلمز، ومجزرة باريس الثانية التي ارتكبت أيضاً بالقرب من المكان ذاته، حيث استشهدت على إثرها الرائدة في حركة حرية المرأة وعضوة الهيئة القيادية لمنظومة المجتمع الكردستاني؛ أفين كوي، مع الفنان الكردي مير برور والوطني عبد الرحمن كزل؛ إثر هجوم مسلح تعرضوا له أمام جمعية أحمد كايا الثقافية الكردية في العاصمة الفرنسية، باريس، 23 كانون الأول 2022.

وفي أفغانستان تعيش المرأة اليوم أسوأ مراحل حياتها وخاصة بعد تسلم طالبان الحكم في البلاد، وتتعرض يومياً لانتهاكات حقوق الإنسان، في ظل تعنت طالبان واتّباعها أساليب صارمة، خاصة بعد أن فصلت بين الرجال والنساء في مجالات التعليم والصحة والاقتصاد والقانون والسياسة والمجتمع وكافة مجالات الحياة، بالإضافة إلى منعهن من ارتياد الحدائق العامة والمنتزّهات، وفرض ما يُسمّى باللباس الشرعي، محاولةً إظهار المرأة؛ بأنها مشكلة أو أزمة بحد ذاتها، بدءاً من جسدها إلى كل ما يخصها، حيث منعت المرأة الأفغانية من السفر لوحدها، وحُرمت من ركوب السيارة، وحُظر عليها الذهاب إلى المدراس الإعدادية والثانوية أو الالتحاق بالجامعة، وإذا ما أبدت أي ردة فعل أو اعتراض عوقبت بالضرب، والحجة جاهزة بين أيديهم "الشرف".

وقبل أكثر من أسبوع شهدت العاصمة الأفغانية، كابول جريمة قتل البرلمانية الأفغانية؛ مرسل نبي زاده، التي قتلت على يد مسلحين مجهولين -حسب زعمهم- ذلك بعد وقوفها أمام سياسات طالبان المعادية لكينونة المرأة ووجودها وكل من يتعارض معها، وهي من النساء القلائل اللواتي لم يتركن وطنهن الأم؛ إبان استلام طالبان الحكم على الرغم من تلقيها العديد من التهديدات من قبل طالبان، إلّا أن ذلك لم يثنها عن نضالها وحملاتها الحقوقية من أجل المرأة والمجتمع الأفغاني بشكل عام، فقد عُرِفَ عنها بأنها امرأة شجاعة وقوية صاحبة إرادة ومبادئ لا تهاب شيئاً، ولمرسل نبي زاده عبارة شهيرة ذاع صيتها على مواقع الإنترنت عندما قالت في رسالة صوتية: "بلدي ليس مطعماً نتركه حين تسوء الخدمة فيه.. إنه وطني وسأبقى بجانب شعبي".

ويومياً، نشاهد عمليات الخطف والاعتداء الجنسي والنفسي على أيدي مسلحين بحق المرأة في كل من بوركينا فاسو ونيجيريا والعديد من الدول الإفريقية، فهي تتعرض لشتى أشكال العنف في تلك المناطق؛ بفعل سوء الأوضاع الاقتصادية والأمنية وعدم وجود حالة من الاستقرار السياسي فيها، لذا تعاني المرأة من الفقر والأمراض وسوء التغذية وسط صمت القوى الدولية والمنظمات الحقوقية التي تطالب بحقوق المرأة والأطفال.

هنا نستطيع القول، إن آلام المرأة ومعاناتها أينما كانت إنما هي واحدة، والعنف الذي تتعرض له؛ ناتج عن الذهنية الذكورية ذاتها. فالذهنية التي قتلت ناكهان آكارسال، ذاتها التي قتلت البرلمانية الأفغانية، مرسل نبي زاده.

المرأة الكردية والأفغانية تعرضت لمجازر كثيرة، إلا أنها اختارت طريق المقاومة والصمود أمام آلة القمع التي ما فتئت تستهدفها على الدوام.

النضال الأيديولوجي والاجتماعي الذي تخوضه المرأة الكردية متمثلة بحركة المرأة الكردستانية منذ سنوت طويلة من أجل الحرية، أصبح اليوم قبلة؛ لجميع النساء المناضلات الباحثات عن الحقيقة والحياة في العالم.

هذا النضال الأسطوري الذي تخوضه المرأة الكردية؛ أصبح نضالاً كونياً وذاع صيته في العالم، وذلك بفضل جهود وتضحيات المئات من المناضلات اللواتي ضحين بحياتهن وقدمن المستحيل من أجل نشر هذا النضال الأيديولوجي بين جميع النساء.

نضال المرأة الكردية وأيديولوجية تحرير المرأة التي وضعها القائد عبد الله أوجلان، أصبحت ملكاً لجميع النساء والإنسانية المتعطشة للحرية، وما شعار "Jin, Jiyan, Azadî أي المرأة، الحياة، الحرية"، الذي أصبح رمزاً كونياً للنضال من أجل الحرية، إلا نتاج فكرة وفلسفة القائد أوجلان ونضال حركة المرأة الكردستانية.

لذا يتطلب من جميع النساء اليوم، توحيد طاقاتهن الذهنية والتنظيمية وتوحيد صفوفهن وإرادتهن في وجه الهجمات والسياسات والانتهاكات والممارسات التعسفية التي تستهدفهن، فبنضال المرأة المأمول؛ سيتحرر المجتمع بأكمله.