الشهيد عصام.. شعلة منيرة في مسيرة الإعلام الحر

في ليلة الـ 20 من تشرين الثاني الفائت، وضع عصام جميع المخاطر نصب عينيه، وتوجه تحت القصف الجوي الكثيف إلى قرية تقل بقل في ناحية ديرك ليوثق جرائم دولة الاحتلال التركي واستشهد وهو يوثق مجزرة ديرك، ليصبح نجمة أخرى تضيء في سماء الحرية.

التحق مراسلنا عصام عبد الله بركب شهداء وكالتنا الذين سبقوه، الشهيدة دليشان، هوكر، رزكار، سعد، مضحين بأرواحهم لنقل الحقيقة، بأقلامهم وكاميراتهم التي كان لها دور كبير في فضح ممارسات الاحتلال التركي ومرتزقة داعش.

لم يقف العدوان التركي والقصف العشوائي المدمر، عائقاً أمام الشهيد عصام في أداء مهامه في نقل الحقيقة للعالم أجمع تحت وابل القصف؛ استطاع نقل مشاهد الجريمة التي ارتكبت وأظهر مدى بشاعة الاحتلال التركي، الأمر لم يعجب القتلة فاستهدفوه بشكل مباشر، فالاحتلال يرى أن عدسة الصحفي لا تقل شأناً عن بندقية المقاتل.

بتاريخ 20/10/1983، أبصر الشهيد عصام حسن عبد الله النور في بلدة عابرة التابعة لناحية جل آغا بمقاطعة قامشلو في كنف أسرة وطنية مناصرة لحركة حرية كردستان.

بقيت أسرة الشهيد عصام طوال فترة التسعينات في البلدة، تعمل في الزراعة وتربية الحيوانات، حتى انتقلت إلى بلدة رميلان التابعة لمقاطعة قامشلو عام 2009 لتستقر فيما بعد في ناحية ديرك عام 2015.

قصد كوادر حركة حرية كردستان، بلدة عابرة عام 1985، وتعرفت العائلة على الحركة عن طريقهم وارتبطت فكرياً معها وفتحت بابها لكوادرها.

ربته والدته على الصدق والأمانة، وعرف الشهيد عصام بين جميع من عرفه بالشاب صاحب الخلق الرفيع، الصادق، الشريف، الأمين، الهادئ، يُؤثر الآخرين على نفسه.

قبل ثورة 19 تموز

تعلق الشهيد عصام منذ صغره باللغة الكردية، وتعلمها مع إخوته ومجموعة من رفاقه في البلدة والتي كانت تدرس بشكل سري.

درس الشهيد عصام المرحلة الابتدائية والإعدادية في مدرسة بلدته (عابرة) التي ترعرع فيها، بينما درس الثانوية في مدرسة جورج جمال في ناحية رميلان، من ثم توجه إلى دمشق ليكمل دراسته، حيث أنهى دراسته في كلية الآداب قسم اللغة العربية في جامعة دمشق، وكما درس في كلية الحقوق لـ 3 سنوات.

إلى جانب دراسته، التحق بالدورات والندوات التي كانت تقام في منزل السياسي والأديب الكردي الراحل أوصمان صبري، الذي كان منزله قد تحول لتعليم اللغة الكردية.

أدى الشهيد عصام الخدمة الإلزامية لقوات حكومة دمشق وتسرح منها عام 2011 قبل بدء الأزمة السورية، ليعود إلى مدينته ويكمل مشواره الذي كان قد بدأه في تعليم الأجيال.

خلال الثورة

عند انطلاق ثورة روج آفا عام 2012 انضم في البداية إلى كونفدراسيون الطلبة الكرد الوطنيين، ووكلت إليه مهمة تنظيم وحماية مكتبة المركز الثقافي في بلدة رميلان.

عام 2013 بدأت محطة أخرى في حياته، واختار مهنة الصحافة، ليعمل مراسلاً في صحيفة روناهي؛ إذ اقتصر عمله في البداية على توزيع الجرائد على قرى وبلدات ومدن المنطقة.

وسخر الشهيد عصام فترة شبابه للإعلام وتوثيق قضية شعبه دون كلل أو ملل، حيث مارس هذه المهنة بكل حب ودقة وصدق وإخلاص ومهنية، حاملاً آلة التصوير على كتفه؛ لتوثيق ما يجري من أحداث ميدانية وفق معايير ومواثيق العمل الصحفي.

إلى جانب عمله الصحفي، عرف الشهيد عصام على الصعيد الاجتماعي بمشاركة سكان المنطقة في أفراحهم وأتراحهم وإيلاء الأهمية للجانب الثقافي والتاريخي للشعب الكردي، حيث كان يبحث عن تاريخ قبائل وعشائر المنطقة سعياً لتوثيقها.

كتاب لم يكتمل

شدت أنظاره ومسامعه جلسات المسنين في القرى للاستماع إلى أقوالهم وأحاديثهم وقصصهم؛ حيث جمع الشهيد عصام من أفواههم أمثال شعبية (Gotinên Pêşiya)، تمهيداً لإعداد كتاب.

عن فترة طفولته، قالت والدته فاطمة عبد الله، لم يكن كباقي الأطفال فقد كان هادئاً في طباعه، متعلقاً بي كثيراً، بقدر حبه لي كنت أحبه، كذلك أحبه الجميع.

وأضافت في صغره كان واضحاً عليه أن عقله أكبر من سنه، يحادث ويخاطب الجميع الكبير والصغير، كان ذكياً ومجتهداً في دراسته، دائماً حصل على المرتبة الأولى بين زملائه في الصف، لقدراته الفكرية، وهكذا استمر تفوقه حتى تخرج.

أوضحت والدته، أن الشهيد عصام كان دائماً يعود إلى المنزل متأخراً يقول لنا لن أعود حتى أنهي أعمالي، متحملاً مشقة العمل؛ نتيجة وفاءه وإخلاصه لعمله.

وعبّرت والدته عن فخرها واعتزازها باستشهاد ابنها قائلة "أنا لست نادمة على استشهاده، نحن نعتز ونفتخر به، استشهد في سبيل الشرف والكرامة".

والده، حسن عبد الله، قال إن الشهيد عصام تولى مع بداية ثورة روج آفا، مهام حماية المدينة على الحواجز، وقال لي سأشارك رفاقي في الحماية، إلى جانب عمله في المركز الثقافي وتنظيم مكتبتها التي كان تحوي 9111 كتاب.

وأضاف: "إلى جانب أعماله هذه، انتقل إلى صحيفة روناهي للعمل هناك كموزع للجرائد في البداية ثم مراسلاً متميزاً في التصوير، ثم انتقل إلى وكالة أنباء هاوار".

التفاني في العمل

لافتاً إلى أن الشهيد عصام بقي لـ 111 يوماً في معبر سيمالكا لوحده لتغطية الفعالية المطالبة بتسلم جثامين شهداء كمين خليفان، دون كلل أو ملل، مفرغاً نفسه لهذا العمل، إذ لم يسمح أن يكون هناك أي تقصير، لقد كان عاشقاً لعمله ولأدواته الصحفية محباً لمهنته ومخلصاً وحريصاً عليها.

نوه والده، أنه حث الشهيد عصام على الزواج خلال السنوات الـ 10 الأخيرة، لكنه رفض باستمرار؛ نتيجة ارتباطه بالقضية.

وعبّر والده عن فخره باستشهاد ابنه، مؤكداً: "شهادته شرف لنا، كلنا سنسير على خطاه".

أما شقيقته، إلهام عبد الله فتحدثت عن طباعه قائلة: "عرف الشهيد عصام بطباعه الهادئة ونشاطه منذ صغره، دائماً الابتسامة مرسومة على وجهه، درسنا معاً، دائماً كان يود أن يكون في الصدارة لم يقبل بالهزيمة أبداً".

وأضافت: "علاقتنا كانت قائمة على أساس الصداقة، تعلمنا أحرف اللغة الكردية سراً، كان محباً للمطالعة وقراءة الكتب، ومتابعاً منذ صغره للأحداث والأخبار".

وذكرت إلهام، عندما كان الشهيد عصام موظفاً لدى حكومة دمشق تم فصله هو وجميع الموظفين الذين كانوا يعملون معه.

مشيرة إلى أن شقيقها الشهيد شجعهم على الانضمام إلى الإدارة ومؤسساتها، ونبههم إلى إيلاء الأهمية لعملهم على أن لا يتركوا فيه أي ثغرة.

في ختام حديثها قالت إلهام "مع انضمام الشهيد عصام إلى وكالة أنباء هاوار قالي لي حينذاك إنه سيصبح صديقاً لكاميرته وقلمه، وبالفعل لم نعد نراه بشكل جيد بعد انضمامه للوكالة، عمل ضمنها دون أي تردد".

من جانبها قالت شقيقة الشهيد، عصام الأخرى، نسرين عبد الله، إن شقيقها كان يدرّس الأطفال الكرد في ركن الدين بدمشق اللغة الكردية سراً.

'لم يكن يعرف المستحيل '

منوهة أن شقيقها، اختار مهنة الصحافة "كسلاح يحارب بقلمه وكاميرته لإظهار ما خفي للعالم، لم يكن يعرف المستحيل، كان يعمل في أقسى الظروف، والحالات الطارئة، كانت تحلو له الصعاب والمشاق، هو اختار الإعلام ليظهر ما يدفعه الشعب الكردي من دماء في سبيل قضيتهم عبر سلاحه المتمثل بالكاميرا والقلم".

وتحدثت نسرين حول يوم استشهاده قائلة: في الساعة 11:55 خرج لينقل الحدث من المكان الذي تعرض للقصف من قبل الطائرات التركية، كان الظلام قد طغى على القرية التي تعرضت للقصف، شغلوا مصابيح هواتفهم لينيروا مكان الحدث ونقلَ ما حصل من جرائم ارتكبها الاحتلال التركي".

تعرف ريناس رمو وهو مراسل في وكالتنا على الشهيد عصام منذ أن كان مراسلاً في صحيفة روناهي عام 2015، لتتعمق علاقتهما أكثر عند انضمام الشهيد عصام إلى الوكالة عام 2018.

عن شخصية الشهيد عصام وصفاته، قال رمو كان الشهيد عصام محبوباً بين زملائنا في العمل، كان قلبه ينبض لأجل العمل، ودائماً سعى إلى تطوير الإعلام الكردي.

كان الشهيد عصام من الأوائل المنضمين إلى السلك الإعلامي في المنطقة، وأضاف رمو "كان الشهيد عصام مضحي من أجل عمله، ومثال يحتذى به في تغطية الفعاليات، يوصل الليل بالنهار، لم يكن التعب يعرف إليه طريقاً ولم تهمه عدد ساعات العمل، أينما وجد وجدت كاميرته برفقته".

ولفت رمو إلى أن الشهيد عصام كان معروفاً بقدرته على رسم الابتسامة على وجوه رفاقه، مستذكراً: "عشنا أيام جميلة سوياً".

أكد رمو أنه في كل مرة زف لنا خبر استشهاد زميل لنا، كنا نعاهد على أن لا نترك كاميرته وقلمه ونتابع مسيرته في إظهار حقيقة الثورة في شمال وشرق سوريا، نحن كذلك نجدد عهدنا مع الشهيد عصام على أن نتابع مسيرته ونتبع خطاه.

وقال المحرر في القسم العربي لوكالتنا، سيبان سلو، عرفت وكالتنا؛ بوكالة الشهداء، استشهد فيها خيرة زملائنا مثل دليشان، رزكار، هوكر، سعد، وعصام، استشهدوا جميعاً أثناء نقلهم لحقيقة المقاومة والهجمات ضد المدنيين للعالم.

وأشار سلو إلى أن الشهيد عصام، كان متعلقاً بعمله كثيراً ويود تطوير نفسه وعمله، عمل دون كلل، وكان مصدراً موثقاً للمعلومة في المنطقة التي كان يوجد فيها.

ونوه أن الشهيد عصام، اتسم بروح رفاقية عالية وتم الاعتماد عليه دائماً، بشهادته أصبح مثالاً لنا، نعاهده كما عاهدنا شهدائنا السابقين، بمواصلة إظهار الحقيقة، مضيفاً: "سنتابع نضالهم لإظهار الحقيقة وحماية قيم ثورة روج آفا وهذا عهدنا له ولجميع الشهداء".

في ليل 19- 20 تشرين الثاني المنصرم، ارتكبت دولة الاحتلال التركي مجزرة بحق أهالي ناحية ديرك التابعة لمقاطعة قامشلو، باستهدافها لجمع من الأهالي كانوا قد توجهوا إلى مكان قصفته طائرات الاحتلال في قرية تقل بقل التابعة للناحية، وذلك لإسعاف جرحى القصف الأول، وكان من بينهم مراسلنا عصام عبد الله الذي توجه إلى هناك لنقل وحشية الاحتلال. 

وأقيمت مراسم تشييع مهيبة لمراسلنا و10 شهداء آخرين ارتقوا جراء القصف التركي، في مزار الشهيد خبات ديرك بناحية ديرك التابعة لمقاطعة قامشلو بمشاركة الآلاف من أهالي إقليم الجزيرة في 21 تشرين الثاني 2022.

(ك)

ANHA


إقرأ أيضاً