الصحافة في باشور كردستان.. إما إعلام السلطة أو لا عمل صحفي

سردم سلو

أصبح الإعلام، في وقتنا الراهن، السلطة الأولى وصاحبة الدور الأساس في إظهار الحقائق، لكن السلطات الحاكمة دومًا تحوّر الهدف الأساسي لها، وتضعها في خدمة مصالحها الشخصية، ويعاني الإعلام الكردي أيضًا من هذا الدور السلبي للسلطة وباشور كردستان خير مثال على ذلك.إن النظام الرأسمالي ينشئ وسائل إعلامية خاصة به، بهدف تغطية فساده وملفاته أمام الرأي العام، للحفاظ على سلطته وتوجيه الشعب إلى ما يريد هو، وليس إلى ما يعانيه نتيجة سياساته، حيث نرى أن سلطات كل دولة تقوم بإنشاء مؤسسات إعلامية خاصة بها، وتخصص لها ميزانية ضخمة، ولكن ليس من أجل أن تعمل على الأسس التي تراعي المعايير الصحفية، بل على أساس مصالح تلك السلطات بهدف الدعاية لها، والتستر على فسادها والترويج لسياساتها.

وعلى هذه الأساس، فإن جميع السلطات الحاكمة لديها وسائل إعلامية خاصة بها، وتعمل ليل نهار للحفاظ على هذه السلطة، ونتيجة سياسات هذه السلطات تتعرض يوميًّا الوسائل الإعلامية المنضوية تحت مظلة الإعلام الحر والديمقراطي إلى الضغوطات والاعتقالات، ومنع متابعة الأحداث والوصول إلى المعلومات بشكل عام، لمنع نشر أي تحقيق أو ملفات فساد.

وعند الحديث عن دور الإعلام الحر والديمقراطي في جنوب كردستان، لا بد أن نتطرق إلى السلطة والحزب الحاكم هناك، وفي إطار ما ذُكر سابقًا، هناك سلطة حاكمة وهي سلطة حزبية تعرقل عمل الإعلام الحر، والوسائل الإعلامية الموجودة في الإقليم، مرتبطة بشكل مباشر بالأحزاب، وخاصة الحزبين الحاكمين الديمقراطي الكردستاني PDK والاتحاد الوطني YNK إلى جانب إغراء العاملين بالمال.

ولذلك عندما تريد أي جهة إعلامية العمل في جنوب كردستان لا بد أن تعمل وفق سياسة حزب معين، وفي هذه الحالة لا بد لتلك الجهة العمل ضمن الناطق المحدد لها، ووفق قوانين الصحافة في الإقليم، وإذا أردت إجراء تحقيق أو تقرير ستواجه سؤالًا من قبل المواطنين "إلى أي جهة تتبع؟"، وهذا ما يؤكد أن الإعلام في جنوب كردستان متعلق بالأحزاب، ولهذا السبب لا نستطيع أن نقول إن هناك في الإقليم وسيلة إعلامية حرة أو تعمل تحت مظلة الإعلام الحر.

ولهذا، فإن الإعلام في جنوب كردستان يعمل في إطار حدود المصالح الحزبية والسلطة، ولا يمكن تجاوز هذه الحدود، فكلما مدحت الوسيلة الإعلامية السلطة أو حزبًا معينًا، تكون هذه الوسيلة بالنسبة إلى السلطة والحزب الحاكم حرة، وهذا هو مفهوم الإعلام الحر في جنوب كردستان، وعدا ذلك لا يمكن لوسائل الإعلام فعل شيء، فالطريق محفوف بالمخاطر أمامها.

في باشور كردستان، يتعرض الإعلام الحر لجميع أنواع المضايقات، كالاعتقالات ومنع التغطية، وربما القتل في بعض الأحيان، وهناك عدة أمثلة حول قضية صحفيين تعرضوا للقتل نتيجة إظهارهم بعض الملفات المتعلقة بالفساد في السلطة، ولم تجر السلطات أي تحقيق حول كيفية تعرض هؤلاء للقتل، ربما كانت هناك فقط مطالبات عدة من قبل منظمات حقوقية لفتح تحقيق ومعرفة أسباب قتل الصحفيين، ومنهم (كاوا كرمياني، ودات حسين، وزردشت عثمان وسوران مام حمه وعبدالله رزاق طاهر شريف).

وفي حين ما زال مصير العديد من الصحفيين مجهولًا حتى الآن في مناطق الحزب الديمقراطي الكردستاني، من بينهم الصحفي شيروان شيرواني، وأوميد بروشكي، إلى جانب ذلك من المستحيل أن يستطيع الإعلام الحر الدخول إلى الجلسات البرلمانية أو حتى متابعة بعض الأحداث الحكومية في الدوائر الرسمية، هذه الوسائل تتعرض لكافة أنواع العقوبات وفقًا لقوانين "الصحافة في جنوب كردستان" وغرامات مالية بمبالغ ضخمة، وفي هذا الحال تضطر تلك الوسائل إلى إغلاق أبوابها.

وفي تقرير لمركز ميترو عن العام المنصرم، أكد المركز ازدياد حالات الانتهاك ضد الصحفيين في إقليم كردستان خلال 2020، حيث سجل المركز 385 حالة اعتداء وانتهاك ضد الصحفيين، مبينًا أنه تم رصد 163 حالة منع للتغطية الصحفية، و74 حالة اعتقال بدون أمر قضائي، و40 حالة تهديد وإهانة، و42 حالة مصادرة معدات صحفية، و4 حالات إغلاق مؤسسات صحفية.

وأشار مركز ميترو للدفاع عن حقوق الصحفيين في التقرير إلى أن عدد الانتهاكات في تزايد مستمر، وأن عدم تطبيق القوانين التي تحمي الصحفيين قد أدت إلى زيادة الانتهاكات ضدهم، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية وتداعيات كورونا والمشاكل بين القوى السياسية في السلطة، والتي انعكست على وضع الصحافة.

وأثبتت رئيسة برلمان كردستان، ريواز فائق، في كلمة لها خلال مؤتمر لمركز ميترو للحريات الصحفية في السليمانية بتاريخ 16 من الشهر االماضي، ذلك بقولها إن "الأحزاب لديها إعلام خاص بها، والشعب يعلم ويدرك هذا الشيء، ومن ناحية ثانية، فإن الإعلام الذي يسمي نفسه بالإعلام الحر، يتم دعمه من قبل الأحزاب كي تخفي أعمالها غير القانونية والفساد المستشري".

وأشارت ريواز فائق إلى أنه هناك بالمقابل "إعلام حر، وهو عين الشعب وأذنه، ولكنه في الوقت الراهن يعيش أضعف حالاته"، مضيفة: "نستطيع القول إنه تم إضعافه، وبالمقابل تم تقوية هؤلاء المدعومين من قبل الأحزاب"، وتصريح ريواز يثبت مدى التحكم بعمل الإعلام الحر.

ولا تستطيع أي وسيلة إعلامية عاملة في جنوب كردستان، حتى الآن، إظهار الفساد وخاصة من حيث الملفات المالية والنفطية، فضلًا عن عدم صرف رواتب الموظفين، وإذا تحدثت عنها ولو بالإشارة تتعرض تلك الوسيلة إلى مضايقات كثيرة أو يتعرض المراسل للاعتقال، ولا يمكن لأحد أن يسأل عن مصيره، كما حال العديد من الصحفيين المعتقلين في سجون الإقليم، وخاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني، وحدث ذلك خلال الفترة الأخيرة عندما شهدت محافظتا حلبجة والسليمانية احتجاجات، حيث فرضت غرامات مالية كبيرة على عدد من الوسائل الإعلامية وتم إغلاقها لفترات زمنية لا تقل عن عشرة أيام.

وينتشر الفساد بكثرة في جنوب كردستان منذ ثلاثة عقود، ويظهر هذا للجميع في عدة ملفات كالخدمات وخاصة الكهرباء والماء إلى جانب موضوع النفط الذي يباع إلى تركيا، وعند متابعة الوسائل الإعلامية في الإقليم، نلاحظ أن هذه الوسائل لا تتطرق إلى قضايا الفساد.

ولهذا السبب عندما نسأل: لماذا تمنع السلطة في جنوب كردستان عمل الإعلام الحر؟ الجواب ببساطة الإعلام الحر سيظهر العديد من القضايا المتعلقة بالفساد الذي تمارسه الحكومة، وخاصة الحزبان الحاكمان أمام الرأي العام، وهذا ما لا تريده السلطة في الإقليم، لأن هذه الحقائق ستكون بداية لنهاية السلطة الحزبية، وهذا أحد أهم أسباب عرقلة عمل الإعلام الحر في الجنوب.

وكي نكون أكثر صراحة وشفافية في هذه الملف، ونضع القارئ أمام حقيقة واضحة، لا بد أن نتحدث قليلًا عن وسائل إعلام أخرى عاملة في الإقليم، فهناك وسائل إعلامية عديدة تعمل في جنوب كردستان على سبيل المثال الوسائل الإعلامية التركية، وبالطبع هذه الوسائل لا تتطرق إلى ملفات الفساد، بل تحاول التستر على الحزب الديمقراطي، لتورط السلطة الحاكمة في تركيا في الكثير من قضايا الفساد، وخاصة النفطية منها، بالإضافة إلى العديد من الملفات الأخرى.

ولهذا نرى أن الوسائل الإعلامية التركية، وخاصة التابعة لحزب العدالة والتنمية، تعمل بكل حريتها في جنوب كردستان، وتستطيع أن تدخل إلى أي باب تريده ولا يتم عرقلة عملها، بسبب سيطرة تركيا على العديد من المناطق، وخاصة على الشركات النفطية والاقتصادية في الإقليم، فضلًا عن اعتماد جنوب كردستان في موارده الغذائية على تركيا، حيث تستورد من تركيا سنويًّا مواد تقدر بمليارات الدولارات، لذلك نرى هذه الوسائل التركية تكيل المديح للسلطة في الإقليم بشكل يومي.

بالإضافة إلى ذلك، هناك وسائل إعلام عربية وأجنبية عديدة تعمل في الإقليم، لكنها لا تتطرق بكل شفافية إلى مواضيع الفساد الحكومي، وهم مقيدون بقوانين صارمة، وفي هذه الحالة لا يمكن للإعلام الحر العمل وإظهار الحقيقة بكل شفافية وتناولها على شاشات التلفزة.

ولا بد لأي وسيلة إعلامية تعمل في باشور كردستان أن تأخذ بعين الاعتبار مصالح الحزب الحاكم، وألا تتطرق إلى الفساد في الإقليم، إلى جانب ذلك عليها الموافقة على شروط وقوانين الصحافة في الإقليم، وخاصة في مناطق الحزب الديمقراطي الكردستاني، فعندما تتطرق أي وسيلة إعلامية إلى قضايا الفساد أو نقد السلطة لا بد أن تتعرض للمحاسبة أو إغلاق أبوابها بشكل تام، أو أن يُمنع مراسل تلك الوسيلة من تغطية الأحداث في جنوب كردستان.

إن باشور كردستان يعاني من أزمة مالية إلى جانب أزمة عدم صرف رواتب الموظفين، ولا تستطيع الحكومة دفع رواتب الموظفين بحجة الأزمة المالية، وفي المقابل تنفق الوسائل الاعلامية التابعة للسلطة أو الجهات الحزبية مليارات الدولارات سنويًّا للدعاية الحزبية، لذا فالسؤال الذي يطرح نفسه: من أين تجلب الأحزاب كل هذه المبالغ المالية الضخمة لتمويل وسائلها الإعلامية، في الوقت الذي لا تستطيع فيه دفع رواتب الموظفين؟