الرئيس بايدن يرث رقعة الشطرنج الشرق أوسطية

الدكتور ثورو ريدكرو – خاص لوكالة أنباء هاوار

يعتقد المحلل الأمريكي في مجال الصراع العالمي والمتخصص في الجغرافيا السياسية الدكتور ثورو ريدكرو، أن الرئيس بايدن سيجد منطقة مقسمة إلى ثلاث كتل تحالف رئيسة، والتي تشكلت إلى حد كبير بسبب التوسع التركي.سترث إدارة بايدن الجديدة منطقة الشرق الأوسط وشرق البحر الأبيض المتوسط الممزقة إربا إربا، والتي دمرتها حروب الوكالة، والطموحات الإمبريالية، والتنافس الديني الطائفي، والانتقام العرقي، والمواقع الجيوسياسية، والعديد من الدول تعاني حالة من عدم الاستقرار والإرباك.

وتسبّب هذا التقلب في تشكيل كتل تحالف جديدة غير معلن عنها مع "رفقاء غريبين''، حيث تتحد الدول المتنافسة السابقة معًا للبقاء على رقعة شطرنج أكبر، وتمتد قطع الملك والملكة من البيت الأبيض إلى الكرملين، ومن الإليزيه في باريس إلى مجمع القصر الرئاسي في أنقرة.

كما هو متوقع، هناك سؤال واحد يدور في ذهن الجميع في المنطقة وهو "ما الذي ستعنيه رئاسة جو بايدن بالنسبة لهم؟ التساؤلات الكثيرة كيف ستختلف استراتيجية الولايات المتحدة الحالية عن استراتيجية الرئيس ترامب؟ في حين أن ترامب كان بمثابة انحراف غير متوقع عن السياسة الخارجية الأمريكية المعتادة - مسترشدًا بكل شيء، بدءًا من مصالحه المالية في إسطنبول، إلى أوهام العظمة التي جعلته الرجل الوحيد الذي يمكنه إحلال "السلام في الشرق الأوسط" وتأمين مستقبل إسرائيل من خلال اغتيال الجنرالات الإيرانيين - يمثل الرئيس بايدن من نواحٍ عديدة عودة إلى "الحياة الطبيعية" فيما يتعلق بالهيمنة الأمريكية التقليدية.

 ومع ذلك، فإن الواقع الجيوسياسي للمنطقة الذي ورثه الرئيس ترامب ليس هو نفسه الذي تركه لخليفته.

والاختلاف الأكثر وضوحًا هو الدرجة التي سُمح بها لنظام رجب طيب أردوغان في تركيا بإشعال النيران في المنطقة كجزء من توسعه العثماني الجديد، مما تسبب في تشكيل كتل التحالف هذه.

 على سبيل المثال، في العامين الماضيين فقط، قادت عدوانية أردوغان إلى تهديد كل جنسية عرقية ضمن مسافة القصف، من الكرد، والأرمن، والآشوريين، واليونانيين، والقبارصة، والمصريين، والليبيين، والسعوديين، والإماراتيين، وحتى الفرنسيين.

بالطبع، مثل هذه الكلمات تنطبق على أفعال الجيش التركي، الذي قضى وقته في قصف المناطق الجبلية في كردستان العراق، وقصف القرى المسيحية بالقرب من تل تمر، ونقل المرتزقة التركمان إلى أذربيجان لمهاجمة أرتساخ، وأرسل السفن البحرية لتهديد اليونان، وكذلك دعمه لحكومة الوفاق الوطني العميلة في طرابلس، وكذلك السرقة الممنهجة لصناعة زيت الزيتون في عفرين المحتلة.

كما قضت تركيا في عهد أردوغان النصف الأخير من رئاسة ترامب بإرسال قاتل إلى النمسا لقتل السياسية الكردية بيريفان أصلان، والتدخل من أجل النفوذ في لبنان، وإدانة البحرين، واستعمار الصومال، وتهريب الأسلحة إلى بوكو حرام في نيجيريا، وحماية القاعدة في إدلب، وتستضيف قادة حماس الذين يدّعون ملكيتهم للقدس، وقامت بالتطهير العرقي لـ 300 ألف كردي في روج آفا (شمال سوريا).

والآن، ومع توسع وجود الجنود الأتراك من البلقان إلى قطر، ومع استعداد نظام أردوغان للتدخل من مالي إلى كشمير، أدركت العديد من الدول في الشرق الأوسط أنها قد تكون التالية.

'الكتل الثلاث تتنافس على النفوذ'

ونتيجة لذلك، تم تشكيل ثلاث كتل ائتلافية رئيسة من الدول، ومجموعة من خمس دول أسميها "الجوكر"، على الرغم من أن الكتل ليس لها اسم رسمي، ولتوضيح المناقشة سأصفها على أنها تحالف فرانكو، والمحور العثماني الجديد، وشيعة طهران.

يقود تحالف الفرانكو بشكل أساسي فرنسا ومصر واليونان والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، ولكنها تحتوي أيضًا على مجموعة من الحلفاء غير المعلن عنهم بشكل متبادل، بما في ذلك إدارة روج آفا وقوات سوريا الديمقراطية (SDF)، والجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، وجمهورية قبرص، وأرمينيا، والأردن، والبحرين، والهند.

وتقود تركيا محور العثمانية الجديدة بتمويل من قطر، ولكنه يشمل أيضًا أذربيجان وباكستان وحكومة الوفاق الوطني في ليبيا برئاسة فايز السراج وحركة طالبان الأفغانية والكويت والصومال وبنغلاديش ومجموعة واسعة من الدول، والمنظمات المسلحة.

وتتألف هذه الجماعات من الجماعات التكفيرية الوهابية مثل داعش والقاعدة وهيئة تحرير الشام، والجماعات الإسلامية السنية مثل "الجيش الوطني السوري" المدعوم من تركيا، وأحرار الشرقية، والإخوان المسلمين، وحماس، والميليشيات العرقية مثل كتائب السلطان مراد التركمانية وفرقة الحمزة، والحزب التركستاني الإسلامي الأويغوري، وأجناد القوقاز الشيشانيين، وكتيبة الإمام البخاري الأوزبكية.

 بالإضافة إلى ذلك، تستخدم تركيا الذئاب الرمادية التركية الفاشية الجديدة كجماعة تخويف في جميع أنحاء أوروبا الغربية، وخاصة ألمانيا.

وأما شيعة طهران بقيادة إيران وفيلق الحرس الثوري الإسلامي (IRGC)، فتضم جيش بشار الأسد العربي السوري، وقوات الحشد الشعبي العراقية، وحزب الله اللبناني، وحركة الحوثي اليمنية، والميليشيات الشيعية العراقية تحت قيادة حزب الله، ورجل الدين مقتدى الصدر وآية الله علي السيستاني، والميليشيا الشيعية الأفغانية الموالية للأسد (لواء فاطميون)، والميليشيا الشيعية الباكستانية الموالية للأسد (لواء زينبيون).

أما بالنسبة إلى "الجوكر"، فستتكون من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بقيادة ألمانيا وإسرائيل وروسيا، وما يعقد المسألة هو أن هذا "الجوكر" غالبًا ما يبيع الأسلحة إلى دول داخل اثنتين على الأقل من الكتل المختلفة (أحيانًا الثلاثة) وتتنقل بين الكتل المختلفة عندما تكون مفيدة لها، وإضعاف الكتلة التي تعتبرها أكبر تهديدًا.

على سبيل المثال، في حين يبدو أن الولايات المتحدة لديها الكثير من القواسم المشتركة ثقافيًّا مع تحالف الفرانكو، فإنها تنظر أيضًا إلى المحور العثماني الجديد كقوة بالوكالة ضد شيعة طهران، وكذلك تنظر إلى حصن الناتو على أنها ضد روسيا وشيعة طهران، وبالمثل، تتعاون المملكة المتحدة إلى حد كبير مع تحالف الفرانكو سياسيًّا، لكنها حريصة على عدم عزل المحور العثماني الجديد وإلحاق الضرر المالي بأنفسهم.

وبالمثل، بدلًا من أن يكون مع زميل في الاتحاد الأوروبي كفرنسا وتحالف الفرانكو، فإن الاتحاد الأوروبي الذي تقوده ألمانيا ضروري للمحور العثماني الجديد، حيث إن ألمانيا هي الراعي الاقتصادي الرئيس للدولة التركية، ونتيجة لذلك غالبًا ما يتجاهلون انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا.

وانضم إليهم زملاؤهم في الاتحاد الأوروبي إسبانيا وإيطاليا والمجر ومالطا، الذين منعوا العقوبات المفروضة على تركيا مؤخرًا، مع قيام إسبانيا بذلك لأنهم يحملون الكثير من ديون الدولة التركية في بنوكهم (81 مليار دولار أمريكي)، لدرجة أنهم يخشون أن أي مساءلة من أنقرة ستغرقهم ماليًّا.

 وعندما نرى أردوغان يبتز أوروبا عبر ملايين اللاجئين باعتبارهم "رهائن" بحكم الأمر الواقع من أجل ابتزاز "الفدية" من الاتحاد الأوروبي، فمن الأسهل معرفة سبب التزامهم بمطالب تركيا.

ورقة الجوكر الإسرائيلية تتبع إلى حد كبير الخط الأمريكي، لكنها تشعر بالتهديد الوجودي من قبل شيعة طهران، لذا فهم مستعدون للعمل مع كل من تحالف الفرانكو والمحور العثماني الجديد لإضعافه كلما أمكن ذلك، وينتج عن هذا سياسة واقعية محرجة، حيث ستجد إسرائيل نفسها في نفس الجانب مع "الجهاديين" المعادين للسامية بشدة في سوريا، في السعي إلى إضعاف الأسد، وبالتالي شيعة طهران، ويساعد هذا أيضًا في تفسير سبب بيع إسرائيل لطائرات بدون طيار "انتحارية" لأذربيجان تم استخدامها في هجومها على أرتساخ (للحفاظ على تلك العلاقة الاستراتيجية في حالة الحاجة إليها في حرب مستقبلية مع إيران).

 وكتأثير انعكاسي غير مباشر، بدأت الدول العربية المعادية سابقًا في تحالف فرانكو بالاعتراف بإسرائيل عام 2020، كردّ مباشر ضد التوسع الإقليمي المتزايد لتركيا.

وعلى العكس من ذلك، وعلى الرغم من أن روسيا هي الراعي الأساسي لشيعة طهران، إلا أنها ليست معادية بشكل علني لتحالف فرانكو، حيث ستلاحق دولًا داخل المحور العثماني الجديد مثل تركيا وأذربيجان، بينما تقصف في الوقت نفسه القوات الإسلامية المدعومة من تركيا لترسيخ الأسد في سوريا، وبالمثل، ستدعو روسيا الكتل معًا (مثل تركيا وإيران) لعقد اجتماعات مثل "عملية آستانا"، حيث يُناقش مستقبل سوريا دون مساهمة أي سوري فعلي.

 ومع ذلك، فإن مرونة بوتين ومناوراته البارعة بين الكتل الثلاث في أوقات مختلفة هي التي تجعل من روسيا في الغالب "صانع الملوك" الحقيقي في المنطقة، وهو الدور الذي تخلى عنه ترامب لموسكو طوال فترة رئاسته.

كيف يمكن للرئيس بايدن الرد؟

لذا، فإن أي تنبؤ بما سيعنيه الرئيس بايدن للشرق الأوسط يجب أن يبدأ بالسؤال الأول، عما إذا كان سيعيد أو يمكنه إعادة تأكيد موقف الولايات المتحدة بصفتها وسيط القوة الأساسي في المنطقة؟ إذا فعل ذلك، فستعتمد النتائج إلى حد كبير على موقفه فيما يتعلق بهذه الكتل الثلاث من الدول، مع تركيا باعتبارها نقطة ارتكاز محورية تؤثر في كل شيء.

وعلى سبيل المثال، هل سيمنع الرئيس بايدن تركيا من تنفيذ سياساتها التوسعية الحالية، والتي تشمل بناء قواعد عسكرية في جميع أنحاء كردستان العراق لمهاجمة حزب العمال الكردستاني، وتوسيع احتلالها لشمال قبرص الممتد لـ 47 عامًا في فاروشا، وتهديد جزيرة كاستيلوريزو، وانتهاك سيادة اليونان والمياه القبرصية بسفن استكشافية زلزالية وارتكاب جرائم حرب جماعية بحق الكرد في عفرين المحتلة؟ الإجابة على كل هذه الأمور هي على الأرجح لا.

وعلاوة على ذلك، هل سيحاسب الرئيس بايدن تركيا على مساعدة أذربيجان في استخدام طائرات بدون طيار قاتلة على قرى آرتساخ، والمطالبة باتفاقية سلام أكثر عدلًا مع أرمينيا؟ أم أن الرئيس بايدن سيغلق قاعدة إنجرليك الجوية الأمريكية في تركيا وينقل تلك المنشآت إلى جزيرة كريت أو قبرص؟ الجواب على الأرجح لا، رغم أنه سيواجه بعض الضغط للقيام بذلك، والسبب الأكثر ترجيحًا لعدم قيامه بذلك، هو أن القيمة الاستراتيجية الساخرة لتركيا باعتبارها "وقودًا محتملًا للمدافع'' في حرب الناتو ضد روسيا، ومنحتهم تقليديًّا تصريحًا مجانيًّا للاستبداد غير المحدود في الداخل، والكثير من الفسحة للأعمال العسكرية غير القانونية خارج البلاد.

فيما يتعلق بكيفية قيام بايدن بكبح جماح أردوغان - الذي وصفه بـ "المستبد" - تتكون هذه القضايا من رفض الغزو التركي في روج آفا في المستقبل (منذ أن شجب ترامب لتخليه عن الكرد عام 2019)، مما يسمح بمواصلة الدعاوى القضائية الأمريكية ضد بنك خلق المملوك للدولة، ورضا ضراب (الذي كان ترامب يحاول منعه لصالح أردوغان)، وفرض عقوبات إضافية على أنقرة لشرائها أنظمة الدفاع الصاروخي الروسية S-400، وإبقاء القوات الجوية التركية مطرودة من برنامج F-35.

بصراحة، يمكن اختبار "قيود" بايدن على أردوغان، حيث تريد تركيا شن هجومها "السنوي" على الكرد لصرف الانتباه عن عملتهم الليرة التركية المنهارة، قد يشمل ذلك غزو تركيا لكل من شنكال في كردستان العراق ومدينة ديريك في روج آفا.

 وفي السابق، كان هدف أردوغان هو الإبادة الجماعية ضد الإيزيديين التي فشل وكيله داعش في إكمالها عام 2014 (عندما أنقذ حزب العمال الكردستاني الإيزيديين في جبل سنجار)، بينما في الأخير، سيكون هدف أردوغان هو التطهير العرقي لمدينة كردية أخرى ودفع القوات الأمريكية إلى الوراء، حتى يتمكن من الاستيلاء على آبار النفط القريبة التي يحرسونها.

ولحسن الحظ بالنسبة للكرد، فإن اختيارات بايدن لكل من أنطوني بلينكين كوزير للخارجية (الذي انتقد تركيا مؤخرًا باعتبارها "حليفًا لا يتصرف كما يجب") ولبريت ماكغورك بصفته منسق مجلس الأمن القومي الأمريكي للشرق الأوسط (الذي اتهم تركيا بالمساعدة في نمو داعش وإيواء زعيم داعش أبو بكر البغدادي)، يشير إلى تأكيد أمريكي جديد ضد أردوغان كان غائبًا في السنوات الأربع الماضية.

بالإضافة إلى ذلك، من المرجح أن تميل إدارة بايدن إلى مصالح فرنسا (وبالتالي تحالف فرانكو) أكثر من الرئيس ترامب، مع عدم المبالغة في التأكيد على إضعاف شيعة طهران الإيراني بأي ثمن، كما فعلت الدائرة المقربة من ترامب.

وستكون التداعيات هي أن الولايات المتحدة يمكن أن تنضم إلى فرنسا في منع تركيا من زعزعة استقرار مصر عن طريق جماعة الإخوان المسلمين (ربما من خلال إدراجهم على أنهم منظمة إرهابية أجنبية)، ودعم الإجراءات الفرنسية للقضاء على بوكو حرام في إفريقيا (التي يمكن أن تستخدمها تركيا كقوة بالوكالة)، والوقوف أخلاقيًّا مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ضد محاولات أردوغان استغلال قضية رسوم شارلي إيبدو.

والطرق الأخرى التي يمكن أن تدعمها الولايات المتحدة بقيادة بايدن لتحالف فرانكو هو التمسك بالقانون البحري الدولي من خلال رفض عقيدة "الوطن الأزرق" السخيفة لتركيا، وإجبار تركيا على التوقف عن إرسال المرتزقة السوريين بسفن الشحن إلى ليبيا، ودعم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي تدعو إلى إطلاق سراح السياسي الكردي صلاح الدين دميرتاش من السجون التركية.

ولسوء الحظ، وبغض النظر عما يحدث، يكاد يكون مضمونًا أن دوامة الصراع ستستمر، وربما تزداد في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشرق البحر الأبيض المتوسط، وهذه هي المأساة الحقيقية، حيث إن مهد الحضارة بآلاف السنين من التاريخ الثقافي الغني والإسهامات الإنسانية تستحق أفضل بكثير من كونها رقعة شطرنج لألعاب الحرب الجيوسياسية، وموقع اختبار مربح لتجار الأسلحة في العالم، وملعبًا للطغاة المهووسين الذين يأمرون بالمزيد من الحروب، وهم آمنون في قصورهم.

(م ش)