الميثاق الملّي والعثمانيون الجدد.. ثقافة الاستعمار تستوطن فكر العدالة والتنمية وشريكه القومي

تدفع التحركات المستمرة للدولة التركية في سوريا والعراق والمنطقة عمومًا إلى التأكد من أن هذه الدولة وقادتها جادون في حديثهم عن إعادة المنطقة إلى العهد العثماني من خلال تطبيق ما يسمى بالميثاق الملّي عبر "العثمانيين الجدد"، فما هو هذا الميثاق، وكيف استغل حزب "العدالة والتنمية" أوضاع المنطقة للشروع في تطبيقه؟

كان وصول حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان إلى الحكم في تركيا عام 2002 حدثًا غير روتينيّ لما تبعه من تطورات في تركيا والمنطقة بشكل عام.

وحمل منهج الحزب استقطابًا عرقيًّا حادًّا وأنكر الهويات الأخرى وفي مقدمتها الكردية، وسعى إلى تصفيتها سياسيًّا وعسكريًّا، بالإضافة إلى احتقان مذهبي عميق لم يسبق له مثيل.

وعمل قادة هذا الحزب منذ البداية على استحضار التاريخ واللعب على مشاعر الشعوب، وخصوصًا العرب والمسلمين.

وفي عام 2003، وبعد وصوله إلى السلطة، قال عبد الله غول في حوار مع صحيفة تركية "إن خلق تركيا داخل الأناضول وحبسها هناك غير وارد؛ حدود تركيا الكاملة ليست الحدود الرسمية تأثير تركيا ومصالحها يتخطى حدودها".

وعندما سُئل غول: هل هذه عثمانية جديدة؟ قال: "كيفما تصفها صِفها، فالبلقان والشرق الأوسط وآسيا الوسطى مناطق تعنينا عن كثب، وتركيا لا يمكن أن تُحبس داخل الأناضول".

وبدروه قال وزير الخارجية الأسبق أحمد داوود أوغلو في 24 تشرين الثاني عام 2009: "نحن لنا إرث باقٍ من العهد العثماني؛ يقولون عثمانية جديدة، نعم نحن عثمانيون جُدد، نحن يتحتّم علينا الاهتمام بدول منطقتنا كما الاهتمام بدول شمال أفريقيا".

وعبر هذه التصريحات، كان مسؤولو حزب العدالة والتنمية يمررون رسائل ومصطلحات تاريخية كالميثاق الملّي.

وقال وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، في كانون الثاني/ يناير 2019، حول مسألة منح الجنسية التركية للاجئين السوريين: "قد جاؤوا من أراضي حدود الميثاق الملّي"، معتبرًا أن ذلك سبب يخوّلهم الأحقيّة في أن يصبحوا أتراكًا.

ما هو الميثاق الملي؟

 تكبدت الدولة العثمانية خسائر فادحة من قبل "قوات الحلفاء" خلال الحرب العالمية الأولى، واضطرت إلى توقيع هدنة "مودروس" في الثلاثين من تشرين الأول/ أكتوبر 1918م، ثم قامت القوّات اليونانية بغزو مناطق غرب الأناضول في أيار/ مايو 1919م، وأعلن القائد العسكري التركيّ، مصطفى كمال أتاتورك إطلاق "حرب التحرير"، في التاسع عشر من أيار/ مايو 1919م.

بنود الميثاق:

في كانون الثاني/ يناير 1920، أمر مصطفى كمال أتاتورك بعقد البرلمان العثماني، المعروف باسم "مجلس المبعوثان"، وانعقد المجلس في الثامن والعشرين من الشهر نفسه، وكان ذلك آخر اجتماع له، وانتهى بالإعلان عن "الميثاق الملّي"، الذي كان بمثابة وثيقة ترسيم الحدود الجديدة لتركيا، وبحيث تخوض "حرب الاستقلال" في سبيل إقرارها وفرضها.

وبعد سلسلة مؤتمرات ولقاءات، أقرَّ البرلمان العثماني ”الميثاق الملي” عام 1920 على اعتباره وثيقة “ترسيم حدود جديدة لتركيا” بعد سقوط السلطنة العثمانية، ويتكوّن هذا الميثاق من ستة مبادئ وهي: مستقبل مناطق الدولة العثمانية التي سيطر عليها الحلفاء، ذات الأغلبية العربية في زمن توقيع اتفاقية "مودروس"، والذي سوف يحدّد عن طريق الاستفتاء، أما المناطق التي لم تتعرّض للسيطرة من قبل الحلفاء "عند توقيع الاتفاقية" والتي تسكنها غالبية تركية مسلمة، فهي تعتبر وطنًا للأمة التركية كـ ”وضعية قارس، أرداخان، باطوم أيضًا سوف تُحدد من خلال الاستفتاء، ولكن “وضعية تراقيا الغربية” ستُحدّد من خلال سكانها.

وبحسب ذلك يضم الميثاق، تركيا الحالية وكلّ شمال سوريا من الإسكندرون وإدلب وحلب وصولًا إلى نهر الفرات ودير الزور ثم إلى العراق والموصل وكردستان.

ورفض الحلفاء "الميثاق الملّي" بالمطلق، معتبرين إياه بمثابة إنكار للهزيمة التي تعرضت لها الدولة العثمانية في الحرب.

وفي صيف عام 1920م، بدأت القوات اليونانية بشنّ عمليات هجومية موسعة محاولةً التقدم باتجاه عمق الأناضول. وبالتزامن مع ذلك، وفي العاشر من آب/ أغسطس 1920م، فرض الحلفاء على الحكومة العثمانية توقيع "معاهدة سيفر"، والتي حصرت حدود الدولة التركيّة المقترحة في مساحة تقلّ عن نصف مساحة الأناضول.

رفض أتاتورك الاعتراف بالمعاهدة، وأعلن عدم اعترافه بالحكومة العثمانية التي وقعتها، متهمًا إياها بخيانة "الميثاق الملّي"، وشكّل حكومة جديدة في أنقرة، وأعقب ذلك البدء بالتقدم على الجبهة الغربية وخوض مواجهة مفتوحة مع القوات اليونانية، لتنتهي الحرب التركية-اليونانية في تشرين الأول/ أكتوبر 1922م بفوز الجيش التركي.

وبعد ذلك، نالت حكومة أنقرة اعترافًا دوليًّا، ودُعيت إلى مفاوضات السلام في مدينة لوزان السويسرية في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1922م.

في الجولة الأولى من المفاوضات، طالب عصمت إينونو، رئيس هيئة الأركان العامة للجيش التركيّ في حينه، الموافقة على بنود "الميثاق الملّي"، وهو ما قوبل بالرفض التامّ من قبل المفاوضين الممثلين للحلفاء (فرنسا، وبريطانيا، وإيطاليا، واليونان). لتبدأ بعدها الجولة الثانية من مفاوضات في نيسان/ أبريل 1923م، والتي انتهت بتوقيع "اتفاقية لوزان"، في الرابع والعشرين من تموز/ يوليو 1923م، والتي تم بموجبها منح كامل الأناضول للدولة التركيّة الجديدة، وذلك مقابل الاعتراف التركيّ بحدود الدول المستقلة عن الإمبراطورية العثمانية، بما في ذلك الدولتان العربيتان، سوريا والعراق، وبحدودهما المعروفة اليوم، وبذلك لم تقرّ معاهدة لوزان بمطالبات الميثاق الملّي في الدولتين العربيتين.

الآن حزب العدالة والتنمية، برئاسة أردوغان، يحاول أن يعود إلى المنطقة ويسير على خطا أجداده ويبحث عن إرثهم.

'سوريا.. احتلال وتغيير هوية'

في سوريا، استغل الاحتلال التركي اندلاع الأزمة السورية ربيع عام 2011، حيث عمل على دعم الجماعات المتشددة على حساب المعارضة الوطنية، ليتحولوا فيما بعد إلى مرتزقة لتركيا يرفعون أعلامها ويمجدون رموزها وكأنهم أتراك.

وروّج مسؤولو الدولة التركية لمصطلحات وأسماء كان الهدف منها فرض وجودها في المنطقة كـ "المنطقة الآمنة" ودرع الفرات وغيرها.

وعمل الاحتلال التركي على تثبيت وجوده في إدلب وحلب وحاول التوسع في شمال سوريا عمومًا، إلا أنه صادف في طريقه قوات سوريا الديمقراطية التي تقف ضد تقسيم سوريا وسلخ أجزاء جديدة منها كما حدث في لواء اسكندرون.

ولم يترك مسؤولو الدولة التركية فرصة واحدة لاستحضار تاريخ أجدادهم في سوريا، وفي 8 آب عام 2011، قال أردوغان، وكان رئيسًا للحكومة: "سوريا ليست مسألة خارجية بل نراها شأنًا داخليًّا تركيًّا".

وفي 15 تموز عام 2012، قال أردوغان: "يسألوننا عن أسباب انشغالنا بسوريا؛ الجواب بسيط للغاية، لأننا بلد تأسس على بقية الدولة العثمانية العليّة. نحن أحفاد السلاجقة، نحن أحفاد العثمانيين، نحن على امتداد التاريخ أحفاد أجدادنا الذين ناضلوا".

وفي 11 كانون الثاني عام 2018 قال أردوغان: "إن شمال سوريا كان ضمن حدود الميثاق الملّي ...".

وفي 16 أيلول 2018، قبل يوم من اتفاق سوتشي، قال أردوغان: "نحن لا نعترف بالنظام السوري ولا نعترف بالدولة السورية. إذا كانت بعض القوى تقول إنها في سوريا بناءً على دعوة النظام، فنحن هناك بناءً على دعوة الشعب السوري. في إدلب لا يحمل الناس الأعلام الروسية ولا الأميركية، بل الأعلام التركية".

وجعل الاحتلال التركي موعد بدأ هجماتها على جرابلس والباب وإعزاز في 24 آب 2016 وهو تاريخ موقعة مرج دابق بين السلطان سليم الأول وبين قانصو الغوري زعيم المماليك، حيث دخل العثمانيون خلالها إلى المشرق العربي وشمال أفريقيا ومصر. إذ بعد هذه الهجمات قرابة الشهر بدأ يظهر مصطلح جديد خارج العثمانية الجديدة هو مصطلح الميثاق الملّي.

وعمل الاحتلال التركي ومرتزقته السوريون خلال السنوات الماضية، على تنفيذ عدد من الإجراءات التي تهدف إلى تغيير هوية المناطق السورية المحتلة كجرابلس والباب وإعزاز وعفرين وسريه كانيه وكري سبي.

ومن هذه الإجراءات، إعلان ما تسمى الحكومة المؤقتة والمجالس التابعة لها في وقت سابق، بأنها تحضر لإصدار بطاقات شخصية، في خطوة خطيرة تهدد الهوية الوطنية السورية.

وبعد أن غيّرت ديمغرافية هذه المناطق من خلال ترحيل سكانها الأصليين وتوطين الآلاف من المرتزقة وأسرهم وخصوصًا التركمان، بالإضافة إلى رفع الأعلام التركية، وفرض التداول بالعملة التركية بدلًا عن السورية.

وفي آخر خطوة لضرب مقومات الدولة السورية وهويتها، أصدر رئيس دولة الاحتلال التركي رجب طيب أردوغان، مرسومًا رئاسيًّا يقضي بافتتاح معهد وكلية تابعة لجامعة تركية في المناطق السورية المحتلة.

'قضم تدريجي'

وحول ذلك قال الأمين العام لحزب التغيير والنهضة السوري مصطفى قلعة جي: "لاتزال تركيا تمارس عهرها وفجرها واحتلالها لأراضي سورية، بدءًا من لواء اسكندرون إضافة إلى مناطق جديدة تكاد تكون ضعفي مساحته وربما أكثر، وعلينا ألا نظن أن تركيا تقوم بذلك بمفردها، هي جزء من تحالف دولي ثلاثي آستانا هي وروسيا وإيران وفي الوقت نفسه هي جزء من تحالف دولي آخر يضم معظم دول الاتحاد الأوربي المنافق، بالإضافة إلى عرّاب السياسة في المنطقة، الولايات المتحدة الأميركية، المتمثل بتحالفها مع دول الناتو".

قلعة جي أكد أن "تركيا ليست بمفردها، جميع من ذكرت هم متآمرون علينا نحن السوريون على اختلاف انتماءاتنا ما قبل الوطنية".

وأوضح أن "تركيا ومنذ مئة عام تقريبًا اغتصبت لواء اسكندرون وكيليكيا وكانت يوميًّا تقوم بقضم أمتار على طول الشريط الحدودي معتدية على السيادة الوطنية السورية هذا قبل أن تحل بالسوريين لعنة الربيع العربي الفاشل".

وحول ممارسات الاحتلال الحالية قال السياسي السوري: "تركيا، وبمساعدة من ذكرت وبفرض مرتزقتها ودعمهم بجميع أنواع الدعم سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا، احتلت مساحة جديدة تكاد تكون أضعاف مساحة لواء اسكندرون هي تحتل الآن الباب وجرابلس وإعزاز وعفرين وصولًا لمناطق تشرف على الساحل السوري تقريبًا، وكذلك الأمر المساحة التي تقع بين رأس العين وتل أبيض، وتسعى ليل نهار لتحتل عين عيسى ومحيطها لتقطع الطريق الدولي m4، كل ذلك يحدث تحت بصر وسمع المجتمع الدولي الفاجر المتمثل في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة".

'فرض لوجود نهائي في مناطق الميثاق الملّي'

وتابع: "تركيا ترسخ احتلالها لهذه المناطق وتقوم بمنح السوريون فيها الجنسية التركية حتى وصل بها الحال إلى تجنيد أبنائنا في جيشها النظامي، وللعلم فقد تعامل سكان المناطق التي أشرت إليها بالليرة التركية والماء والكهرباء والاتصالات التركية، والبريد التركي ptt مكاتبه منتشرة في جميع المناطق والبلدات السورية المغتصبة، ومن يشرف على إدارة هذه المناطق هم ضباط أتراك يفرضون سياسة التتريك".

وتطرق السياسي السوري إلى افتتاح جامعة تركية كليات لها في منطقة الراعي وقال: "هذه لها دلالات أخرى خطيرة جدًّا فمعظم سكان هذه المنطقة هم من السوريون التركمان، لذلك هذا مؤشر خطير جدًّا تقوم من خلاله بتفريق أبناء الوطن الواحد وإقناع البعض بمنطق فرض وجود تركي نهائي في مناطق ما يسمى بالميثاق الملّي التركي".

قلعة جي رأى أن "الخطر الذي يهددنا جميعًا نحن السوريون، دولة ومعارضة، وحتى مناطق الإدارة الذاتية هي ثقتنا المفرطة بدول الاحتلال شركاء تركيا في المنطقة، ولا يمكن لهذه الدول أن تفضل مصالحنا نحن السوريون على مصالحها".

وأضاف: "لذلك علينا ألا نثق فيهم وأن يكون تصنيف الجميع صحيحًا وواضحًا، وأن نعود لنلتقي جميعنا على قاعدة واضحة وعادلة تضمن حقوق جميع السوريين، علينا إعادة صياغة العقد الاجتماعي السوري على أساس توزيع عادل للثروة وللسلطة ورسم دستور للبلاد يتفق فيه السوريون على شكل الحكم فيه".

وتابع: "الولايات المتحدة تخدعنا وتسرق ثرواتنا، وكذلك الأمر مع ثلاثي آستانا، فنحن من نفرط بحقوقنا سواء برضانا أو بفعل قوة السلاح المفروضة على رقابنا. لن يحمل هم السوري إلا شقيقه السوري ولن يعود منطق الأمور إلى طبيعته إلا بتحرير أنفسنا قبل الأرض من التبعية للأخر أيًّا كان".

ووجّه قلعه جي رسالة إلى السوريين "عليهم جميعًا أن يناضلوا وأن يتعاونوا لتحرير جميع الأراضي السورية وإخراج جميع الاحتلالات منها. تلك هي البداية الصحيحة، علينا أن ننعتق من تبعية الآخر وأن نعي أنهم ليسوا بجمعيات خيرية ولمن يقولون ويسوقون أن القرار الأممي ٢٢٥٤ هو الحل وهو المخلص أود أن أذكرهم أن الأمم المتحدة أصدرت قبلها قرارات كثيرة بقيت حبرًا على ورقها منها ٢٤٢ و٣٣٨ و٢٥١ وكثيرة هي القرارات غيرها".

'العراق.. قواعد تسير على خطا التاريخ'

تحركات الاحتلال التركي لم تقتصر على سوريا فقط، إنما في العراق ومناطق أخرى. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2016م، وبعد رفض الحكومة العراقيّة مشاركة تركيا في عملية تحرير مدينة الموصل شمال العراق من داعش، رد الرئيس التركيّ، رجب طيب أردوغان، على القرار العراقي بالقول: "عليهم قراءة الميثاق الملّي ليفهموا معنى الموصل بالنسبة لنا ... الموصل كانت لنا".

كما قال أردوغان أيضًا: "إذ نعيش الأحداث في سوريا والعراق، فإن الجيل الجديد يجب أن يعرف جيّدًا شيئًا؛ عجبًا ما هو الميثاق الملّي، يجب أن نعرف هذا جيدًا. إذا درسنا الميثاق الملّي وإذا فهمنا الميثاق الملّي فإننا نفهم جيّدًا مسؤوليتنا في سوريا والعراق، وإذا كنّا نقول علينا مسؤولية في الموصل، فمن أجل ذلك علينا أن نكون على الطاولة وفي الميدان، ولهذا هناك سبب. للأسف لم نستطع أن نحمي ميثاقنا الملّي على حدودنا الغربية أو الجنوبية، هم أرادوا أن يحبسونا داخل قشرة، وهذا المفهوم نحن نرفضه، هم يريدون منذ عام 1923 أن يحبسونا في هذا المفهوم من أجل أن يجعلونا ننسى ماضينا السلجوقي والعثماني".

وفي مناسبة أخرى قال: "لم نستطع أن نحمي ميثاقنا الملّي، إذا تأملنا جيدًا في التطورات في سوريا والعراق هناك شيء أريد أن أقوله، نحن يتحتم علينا أن نكون من جديد أصحاب الميثاق الملّي".

وعمل الاحتلال التركي على توسيع وجوده في باشور كردستان من خلال إقامة العديد من القواعد العسكرية بالتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني.

ليس في سوريا والعراق فحسب، بل عملت الدولة التركية على توسيع نفوذها إلى شرق المتوسط وليبيا وأذربيجان وغيرها.

وقال الناطق باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، في 25 كانون الأول عام 2019: "إن الذي يعرف تاريخ تركيا الحديث جيدًا يدرك بوضوح وبدقة أن أمن تركيا يبدأ من خلف حدود الميثاق الملّي. ونحن يتحتم علينا أن نرسم خطًّا أكثر اتساعًا لحزامنا الأمني؛ لذلك نحن نهتم بليبيا".

ومرة أخرى قال إبراهيم كالين: "في عصر العولمة يبدأ الأمن القومي التركي من وراء حدود الميثاق الملّي. قد تبدو ليبيا بعيدة؛ والقول إن أي شأن في ليبيا يعكس نظرة ضيّقة للغير".

'الأطماع.. ثقافة تركية'

الكاتب والمحلل الفلسطيني محمد أبو مهادي تحدث عن الأطماع التركية في المنطقة وقال: "الأطماع التركية في دول الجوار والعالم موضوع قديم جديد في ثقافة المجتمع التركي، جرى الحديث عنه بعد سقوط ما يسمى بدولة الخلافة العثمانية، وتم إعادة بعثه في عهد رئيس النظام التركي رجب أردوغان وحلفائه القوميين".

وأوضح أنه "خلال الفترة الممتدة ما بين سقوط بغداد جراء الغزو الأميركي للعراق وموجة الربيع العربي التي ضربت العديد من البلدان العربية، وانشغالها في قضايا الإرهاب والسعي للاستقرار، حاول أردوغان الاستفادة من هذه الأوضاع الطارئة للنفاذ إلى مناطق السيادة العربية في سوريا والعراق، على وجه الخصوص المناطق ذات الأغلبية الكردية، وشن عدة غزوات عسكرية في شمال البلدين، وفرض سيطرته العسكرية عليهما، ودعم منظمات متطرفة موالية له، مستغلًّا ضعف الدولة المركزية في كلا البلدين، والموقف الدولي الذي أسس لمثل هذه الغزوات، وكان شريكًا فيها".

'الصمت الدولي ساعد تركيا'

وأضاف الكاتب الفلسطيني: "لم تقتصر أطماع النظام التركي على أراضي شمال سوريا والعراق، فقد أتاح له صمت المجتمع الدولي أن ينفذ إلى ليبيا وموريتانيا والصومال وعلى حدود اليونان ومنطقة القوقاز، وذهب إلى التدخل العلني في أزمة إقليم قره باغ إلى أن بدأ العالم يتنبه لخطورة ما يفعله، ونضج موقف أوروبي لممارساته في شرق البحر المتوسط، والاعتداء على سيادة بلدان أوروبية، ثم إجراءات فرض العقوبات على شخصيات وشركات تركية تعمل في التنقيب على النفط، وأخرى تقوم بتوريد السلاح إلى ليبيا".

وتابع: "توقف الصمت الدولي الذي كان أشبه بحالة التواطؤ مع الأطماع التركية، إلى أن جاء الناخب الأميركي بإدارة جديدة لها موقف متشدد من نظام أردوغان، الأمر الذي دفعه إلى إعادة حساباته السياسية، وإطلاق خطاب تصالحي مع دول الإقليم والعالم".

'ثقافة الاستعمار تستوطن فكر العدالة والتنمية'

وأكد الكاتب الفلسطيني أن "ثقافة التوسع الاستعماري تستوطن التفكير السياسي لحزب العدالة والتنمية وحليفه القومي، لا يمكن لجمها إلا من خلال إرادة دولية حقيقية، أو هزيمة أمام قوى المعارضة التركية التي تعززت فرص فوزها انتخابيًّا في أعقاب الفشل الاقتصادي الذي ضرب تركيا بسبب سياسات أردوغان وحزبه الحاكم، ووضع غالبية الأتراك في قلب كارثة اقتصادية من الصعب التغلب عليها في المنظور القريب".

واختتم الكاتب والمحلل الفلسطيني محمد أبو مهادي حديثه قائلًا: "في كل الأحوال، توجد متغيرات عالمية وداخلية، ستمنع أردوغان من متابعة مغامراته في بلدان العالم، على الأقل ستضع لها حدًّا بعد انكشاف حقيقة هذا النظام ووضعته على أعتاب السقوط".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً