المفتاح الجديد للاحتلال: غاري

خالد أرميش

في ليلة الـ 10 من شباط بدأ جيش الاحتلال التركي هجماته على منطقة غاري التابعة لمناطق الدفاع المشروع "مديا".

جبال غاري وفق المناطق الأخرى الواقعة ضمن مناطق الدفاع المشروع "مديا" كـ (حفتانين، وخاكورك، ومتينا، وزاغروس وزاب) التي تشهد هجمات مستمرة من قبل جيش الاحتلال التركي، بعيدة عن الحدود، فهي تبعد قرابة الـ 40 كم عن الحدود بين باكور وباشور كردستان، وهي جبال عالية ووعرة وغنية بالغاز والبترول، وتكثر فيها الأشجار، أي أنها مكان مناسب جدًّا للكريلا.

تحد غاري من الشمال ناحية آمدية، وتقع ديرلوك في شمال شرق السلسلة الجبلية، فيما يحدها من الجنوب سهل نينوى "الموصل"، وتقع مدينة دهوك جنوب غرب غاري، وفي شمال شرقها تقع منطقة الزاب، وسلسلة جبال زاغروس، وفي جنوب شرقها تقع منطقة قنديل، فهي ذات موقع استرايجي، وتعد منطقة استراتيجية لشن هجمات على مناطق آفا شين، برزان، والزاب.

والخصوصية الأهم لسلسلة جبار غاري هي أنها تقع على حدود مدن الموصل ودهوك، وتمتد لتصل إلى قنديل من الجهة الجنوبية الشرقية.

وفي حال النظر إلى الموضوع بهذا الشكل، نجد أن بدء الهجمات على منطقة غاري، لها علاقة قوية بمخطط الدولة التركية لاحتلال باشور كردستان، ففي حال تمكنت الدولة التركية من احتلال غاري، فسيكون لها دور كبير في محاصرة مناطق الكريلا جنوب المنطقة، وسيفسح المجال للاحتلال للتوسع في المنطقة.

في حال احتلت غاري ماذا سيحدث؟

في حال تمكن الاحتلال التركي من فتح طريق له في مناطق الدفاع المشروع "مديا"، سيتمكن من قطع الطريق بين باشور وروج آفا من خلال جبل الأبيض "جياي سبي"، وغاري.

وقد أقدم الاحتلال التركي ـ في اليوم الأول من الهجمات ـ على إنزال جنوده في قرية سياني، وبدأ هجماته منها، والسبب في ذلك هو وقوع هذه القرية على تلة استراتيجية تقسم منطقة غاري إلى قسمين، ففي حال احتل سياني، سيتم احتلال السفح الأكثر استراتيجية في غاري، وسيحكم سيطرته بشكل كامل على منطقة غاري.

في حال قطع الطريق بين روج آفا وباشور، ماذا سيحدث؟

عندما تحتل الدولة التركية منطقة غاري، وتستوطن فيها، ستتمكن من التحرك كما تشاء في المناطق التي أعلنها حزب العمال الكردستاني (مناطق الدفاع المشروع "مديا")، وفي الجهة الشمالية أيضًا، ومن خلال معاقل الاحتلال التركي في خط آمدية، بامرني، شيلادزه، وكذلك التي ستعمل على بنائها في غاري سيسهل عليها شن الهجمات على مناطق الزاب، ومتينا، وحفنانين، وبالتأكيد وبدون شك قنديل أيضًا.

ومن جانب آخر، فبعد أن يبني الاحتلال التركي معاقله في غاري، سيستوطن في خط مناطق موصل ودهوك أيضًا، وسيعزز من سيطرته على المنطقة من الناحية الاستخباراتية والاقتصادية والسياسية.

وليس هذا فحسب، بل سيتوغل مرتزقة الحشد التركماني التابعون للدولة التركية من خلال الجبهة التركمانية في المنطقة أكثر، بالإضافة إلى الخطر الذي يشكله الحشد الوطني المتمركزون في الموصل، ولهم معاقل عسكرية في المنطقة، من كركوك إلى الموصل، وتلعفر وشنكال.

 أي أن ذلك سيفسح المجال أمام هذه القوى للتحرك بحرية في المنطقة، وتوسيع نطاق احتلالها أيضًا.

ما معنى كل ذلك؟

في الحقيقة هذا هو السؤال الأهم "لماذا تحاول الدولة التركية التوسع في جغرافية هذه المنطقة؟".

الدولة التركية ترى أن كركوك والموصل وهولير والسليمانية مناطق ضمن ميثاقها الملّي، ولهذا تحاول فرض سيطرتها عليها، وغاري لها مكانة استراتيجية مهمة في هذا المخطط، فهي تستطيع من غاري السيطرة على سهل نينوى "الموصل"، وعن طريق تلعفر ستنفذ مخططها حيال شنكال، ومن خلاله ستستطيع ارتكاب مجازر جديدة بحق الإيزيديين.

وباحتلالها لغاري ستكون قد توغلت مسافة 40 كم داخل أراضي باشور، وفي السابق أيضًا كان لها عناصر استخباراتية في المنطقة، وبالنتيجة، ومن خلال اتفاقها مع الجبهة التركمانية في كركوك وعن طريق الحزب الديمقراطي الكردستاني في هولير وزاخو ودهوك، ستحكم محاصرتها لمناطق باشور كردستان، التي ستستسلم لها، وبعد كل هذا، لن يكون صعبًا عليها الوصول إلى شنكال.

حسابات الحزب الديمقراطي الكردستاني...

وهنا يوجد سؤال مهم يطرح نفسه وهو "لماذا ينجر الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى مخطط الدولة التركية؟"، إن الحسابات الكبيرة للحزب الديمقراطي الكردستاني هي تصفية حزب العمال الكردستاني، فهو يعتقد أنه سيحكم سيطرته على أجزاء كردستان الأربعة بعد تصفية حزب  العمال الكردستاني، وخاصة باشور كردستان، وبحسب ما يفكر هو، ستعمل الدولة التركية على محاصرة حزب العمال الكردستاني من الجهات الأربعة، وتقضي عليه من خلال استخدام التقنيات العسكرية المتطورة، ثم سيصبح الحزب الديمقراطي الكردستاني القوة الوحيدة في المنطقة في النهاية.

هذه هي حسابات مسرور البرزاني التي تتضح من خلال شرعنة الاحتلال منذ يومه الأول، ولكن الحقيقة التي يوضحها لنا التاريخ، هي أن الدولة التركية من خلال مخططها هذا، تضع كل إمكاناتها من أجل ارتكاب إبادة جديدة بحق الكرد.

أردوغان كان قد قال "لقد ارتكبنا خطأً في شمال العراق عام 2003"، ويتضح من هذه الجملة أن أردوغان يتحدث عن خيبة أمله في ارتكاب المجازر بحق الكرد، ويتحدث عن صمته حيال الإعلان عن فدرالية باشور كردستان، ويوجه رسالة بأنه سيصحح الموقف.

ولهذا، وفي حال احتلت تركيا غاري، وأشركت الحزب الديمقراطي الكردستاني في المجازر ضد الكرد، حينها لن يبقى لا الحزب الديمقراطي الكردستاني، ولا باشور كردستان.

ولكن...

لتتمكن الدولة التركية من الوصول إلى مآربها وتنفيذ مخططاتها عليها أولًا أن تحتل غاري بشكل كامل، وتعمل على تصفية قوات الكريلا الموجودة ضمن مناطق الدفاع المشروع "مديا".

إن الواقع مختلف تمامًا، فالمقاومة مستمرة بالوتيرة نفسها التي قاوم فيها الكريلا في خاكورك وخنيرة وحفتانين، حيث ألحقت ضربات موجعة وكبيرة بالجيش التركي، وجعلته يفقد توازنه في اليوم الأول من بدء الهجمات على غاري.

وبالإضافة إلى مقاومة الكريلا، سيلحق الشعب الكردي ووفق أسس وتوجيهات الحرب الشعبية الثورية، هزيمة كبيرة بالدولة التركية، وهزيمتها ستكون ضربة قوية وكبيرة لعملائها ومن يشاركها في تنفيذ مخططاتها التي تحاول ترسيخها في كردستان من خلال الحزب الديمقراطي الكرستاني، وما محاولات مسرور البرزاني العاجلة لشرعنة الاحتلال إلا لخوفه من المقاومة الشعبية.