المعهد الكردي في إسطنبول: منهل اللغة والثقافة الكردية في شمال كردستان وتركيا

منذ عام 1992 والمعهد الكردي في إسطنبول يواصل نشاطاته وفعالياته الخاصة باللغة الكردية، وقد سعت السلطات التركية أكثر من مرة إلى عرقلة وإيقاف نشاطات هذا المعهد عبر مختلف أشكال الضغوطات، ومع ذلك لا زال المعهد يتابع نشاطاته على مدى 28 عاماً متواصلة، ويؤدي مهاماً كبيرة في هذا المجال.

تأسس مركز ميزوبوتاميا الثقافي (NÇM) في إسطنبول عام 1991، وأخذ مؤسسوه على عاتقهم العمل من أجل خدمة الثقافة والفن الكردي، ولكن ظهرت خلال العمل الحاجة إلى نشاطات أكاديمية وعلمية في مجال اللغة والتاريخ والثقافة والأدب والفن الكري أيضاً، وعليه قرر القائمون على المركز تأسيس مؤسسة لهذه الغاية.

في 18 نيسان عام 1992 تأسس المعهد الكردي في إسطنبول من قبل مجموعة من المثقفين الكرد. وضمت اللجنة التأسيسية له في ذلك الوقت كلاً من المثقفين موسى عنتر (العم موسى)، فقي حسين ساغنج، إسماعيل بشكجي، عبد الرحمن دره، إبراهيم كوربوز، جمشيد بندر، ياشار كايا وسليمان إمام إوغلو، وتم انتخاب موسى عنتر رئيساً للمعهد.

وحددت اللجنة التأسيسية مهام المعهد بإعداد الدراسات والأبحاث حول الثقافة واللغة والتاريخ والأدب والفن الكردي.

في اليوم الأول لتأسيس المعهد الكردي في إسطنبول داهمت الشرطة التركية مبنى المعهد، وقامت بإزالة اللوحة الاسمية بحجة أنها كُتبت باللغة الكردية، لكن القائمين على المعهد في ذلك الوقت أكدوا أن إزالة اللوحة الاسمية لن تثنيهم عن المتابعة، وقرروا مواصلة نشاطاتهم العلمية في المعهد.

وبعد استكمال أعمال تأسيس وإنشاء المعهد، باشر الأعضاء فوراً بنشاطاتهم الثقافية، وفي أول خطوة بادروا بتاريخ 20 حزيران عام 1992 إلى عقد كونفرانس حول التاريخ الكردي، باستضافة البروفيسور جليلي جليل الأستاذ في جامعة يريفيان.

وفي الـ 20 من شهر أيلول عام 1992 تعرض رئيس المعهد الكردي في إسطنبول موسى عنتر إلى هجوم مسلح في مدينة آمد، أدى إلى استشهاده.

وفي شهر تشرين الأول عام 1992 داهمت الشرطة التركية مرة أخرى مبنى المعهد، واعتقلت عدداً من الأشخاص الموجودين وقتها، كما صادروا وثائق وأجهزة ومعدات المعهد.

منذ تأسيسه مارست السلطات التركية مختلف أشكال الضغط والقمع ضده وضد القائمين عليه، كما رفعت دعاوى قضائية ضد رؤساء المعهد والقائمين عليه، إلا أن جميع هذه الضغوطات لم تمنع المثقفين من مواصلة نشاطاتهم حتى وصلوا إلى يومنا هذا.

 

إغلاق المعهد

في إطار إجراءات حالة الطوارئ التي اتخذتها السلطات التركية، عمدت إلى إغلاق المعهد الكردي في إسطنبول بتاريخ 31 كانون الأول عام 2016 بموجب قرار من وزارة الداخلية التركية وبأوامر مباشرة من حزب العدالة والتنمية.

كما أصدرت وزارة الداخلية التركية قراراً بإغلاق وإيقاف نشاطات 92 جميعة ومؤسسة، وبناء على القرار داهمت الشرطة التركية في منتصف الليل مبنى المعهد الكردي في إسطنبول، وأقدمت على إغلاق باب المبنى بالشمع الأحمر، كما صادرت جميع المعدات والأجهزة الموجودة في المعهد، بعد أن كانت أبواب المعهد مفتوحة على الدوام حتى في أحلك وأسوء الأوضاع، ولكن هذه المرة عمدت السلطات وبدون علم إدارة المعهد إلى شمع بابه بالشمع الأحمر.

وبعد فترة وجيزة أعاد القائمون على المعهد تنظيم شؤونهم، وباشروا بمواصلة نشاطهم الثقافي، ولكن هذه المرة تحت اسم جمعية الدراسات الكردية.

 

أعمال ونتاجات المعهد الكردي

أصبحت منشورات المعهد الكردي في إسطنبول بمثابة المرجع الأساسي، وبشكل خاص في شمال كردستان، من أجل تعزيز اللغة الكردية والكتابة بها، وإعداد معلمي اللغة الكردية، وأصدر المعهد مجموعة كبيرة من المنشورات منها قواميس كردية- تركية و تركية كردية، وسلسلة مناهج تعليم اللغة الكردية، والعديد من المنشورات الثقافية الأخرى، وأصدر أيضاً حتى الآن 50 نتاجاً مطبوعاً باللهجات الكرمانجية والزازائية والصورانية، إضافة إلى منشورات باللغة التركية.

وأطلق المعهد الكردي في إسطنبول مجلة ناطقة باسم المعهد بتاريخ 21 آذار عام 1994، باسم مجلة (زند)، واحتوت أعداد المجلة على مقالات حول اللغة الكردية، إضافة إلى مواضيع منوعة وشاملة حول الأدب والفلكلور والتاريخ الكردي، وكذلك مواضيع ثقافية وفنية مختلفة، وصدر من المجلة حتى الآن 26 عدداً، وهي مجلة نصف سنوية.

أما في مجال إعداد المعلمين فقد كان للمعهد الكردي مساهمة كبيرة ومهمة، وتمكن خلال عمله من تأهيل وإعداد المئات من معلمي اللغة الكردية، وبعد تأسيس حركة اللغة والتعليم الكردية في شمال كردستان وتركيا عام 2006، تأسست العديد من الجمعيات والمؤسسات الخاصة بتعليم اللغة الكردية تحت اسم Kurdî-Der، في مختلف مدن كردستان والمدن التركية، وتمكن عشرات الآلاف من الكرد من تعلم اللغة الكردية في تلك الجمعيات والمؤسسات، وخلال تلك الفترة أيضاً ساهم المعهد الكردي في إسطنبول بدور مهم في تأمين وأعداد مناهج تعليم اللغة الكردية.

وحول مجمل نشاطات المعهد الكردي في إسطنبول أجرت وكالة أنباء هاوار لقاء مع الرئيسين المشتركين للمعهد لمعان ألماس وأيوب سوباشي.

 

أول مؤسسة للغة الكردية في شمال كردستان وتركيا

الرئيس المشترك للمعهد الكردي في إسطنبول أيوب سوباشي قال إن المعهد كان أول مؤسسة تُعنى باللغة الكردية في شمال كردستان وتركيا، ويهتم بإعداد دراسات علمية حول اللغة والتاريخ والأدب والثقافة الكردية، وأضاف سوباشي "ومنذ ذلك التاريخ يسعى المعهد إلى مواصلة نشاطاته بحسب الإمكانات المتوفرة، وفي إطار مهامه نشر المعهد العديد من النتاجات منها أعمال الشعراء الكرد الكلاسيكيين، والعديد من المنشورات عن الفلكلور الكردي، واللغة الكردية ومنشورات عن التاريخ الكردي، ولأجل إيجاد منبر لنشر كل هذه النتاجات الثقافية حول التاريخ والأدب وواللغة الكردية، تم في عام 1994 تأسيس مجلة "زند، وإلى جانب مجلة زند، فإن المعهد يصدر منذ عام 2014 مجلة أخرى باسم Fêrname، وتُعنى مجلة Fêrname بشكل خاص بمشروع تعلم وتعليم اللغة الكردية، لتكون رديفاً ومرجعاً لمعلمي وطلاب اللغة الكردية، ولا زالت مجلة Fêrname تصدر حتى الآن".

وأشار سوباشي أيضاً إلى أن نشاطات المعهد الكردي لم تقتصر فقط على الأبحاث العلمية، بل أن المعهد ساهم في مشروع نشر وتشجيع التعلم وتعليم اللغة الكردية، حيث باشر منذ عام 1997 بتدريس اللغة الكردية، وقال أيضاً "إضافة إلى ذلك ساهم المعهد في تعليم اللغة الكردية لمئات الأشخاص الراغبين بتعلم لغتهم، إضافة إلى النشاطات العلمية والأبحاث والدراسات، ساهم المعهد بشكل كبير في نشر ثقافة القراءة والكتابة باللغة الكردية، ولأجل المواجهة والتصدي لمشاريع الصهر الثقافية نظم المعهد العديد من المنتديات الندوات والمحاضرات والكونفرانسات".

وأضاف أيوب سوباشي "حتى يومنا الراهن، لا زال أصدقاء ومتطوعوا المعهد الكردي على رأس عملهم، ويواصلون نشاطهم من أجل تعزيز هذا النضال".

 

دروس كردية عبر شبكة الانترنت

الرئيسة المشتركة للمعهد الكردي في إسطنبول لمعان ألماس قالت بهذا الصدد "اللغة تعني هوية ووجود أي أمة، من فقد لغته لا يستطيع حماية وجوده أيضاً"، وأضافت أيضاً "لذلك فإننا سوف نبذل كل ما بوسعنا من أجل تعلم لغتنا، ونحن نشرف على العديد من النشاطات المتعلقة بتعليم اللغة الكردية، يجب أن نعمل بشتى السبل من أجل تطوير لغتنا الكردية".

ونوهت لمعان ألماس أن انتشار فيروس كورونا في أنحاء العالم أثر بشكل سلبي في جميع النشاطات التعليمية، وقالت بهذا الصدد "ومنذ البداية، باشرنا بتدريس طلابنا عبر الدروس المباشرة على شبكة الانترنت، وفيما بعد سعينا من أجل الوصول إلى كافة شرائح المجتمع، وكل من يرغب بتعليم وتعلم اللغة الكردية، وبعد أن بدأنا بالدروس المباشرة، كان هناك أكثر من ألف مشترك في الدروس خلال يوم واحد.  وحاليا يتلقى الطلاب الدروس باللهجتين الكرمانجية والزازئية، ويبلغ عدد طلاب اللهجة الكرمانيجية 903 طالباً وطالبة، فيما يبلغ عدد طلاب اللهجة الزازائية 145 طالباً وطالبة".

وأنهت الرئيسة المشتركة للمعهد الكردي في إسطنبول حديثها بالقول "خلال الفترة القادمة سوف نضيف اللهجات الأخرى أيضاً إلى البرنامج التعليمي، لقد لمسنا استجابة كبيرة، وهذا ما شجعنا كثيراً على الاستمرار، الكرد يرغبون بالقراءة والكتابة بلغتهم، ولكي نتمكن من تنفيذ هذه الرغبة، فإننا سوف نواصل برنامج الدروس المباشرة على شبكة الانترنت بشكل مبرمج ودوري".

(ك)

ANHA


إقرأ أيضاً