الكل يتحدث عن كورونا .. لكن ماذا عن الحداثة الرأسمالية ودعائمها الثلاث؟

إن الحداثة الرأسمالية مسؤولة اليوم عن كل المشاكل التي يشهدها العالم، فهي من أوصلت المرأة إلى حالتها التي تعيشها الآن، وهي المسؤولة عن الفقر والبطالة وتدمير الأرض وانتشار الأمراض والأوبئة الناتجة عن تصاعد الغازات السامة من مصانعها.

القسم الثاني

إن نظام الحداثة الرأسمالية يقضي على الكرة الأرضية بطريقة بطيئة ونتائجه تفوق بدرجة كبيرة ما قد يسببه فيروس مثل كورونا، ولكن هذه النتائج لا تظهر على المدى القصير مثل هذا الفيروس الذي يسعى العالم أجمع لمواجهته الآن.

فالحداثة الرأسمالية تقوم على ثلاث دعامات رئيسية هي الرأسمالية، الدولة القومية والصناعوية كما تحدث عنها القائد عبد الله أوجلان. وفي هذا الجزء سنحاول تسليط الضوء على تأثيرات هذه الدعامات الثلاث على المجتمع البشري.

ويقول القائد عبد الله أوجلان في مؤلفه الذي يحمل عنوان "أزمة المدنية وحل الحضارة الديمقراطية في الشرق الأوسط"، أنه عندما قامت الرأسمالية، التي هي الدعامة الأولى للحداثة، بانتهاز الفرصة في التحول إلى نظام؛ كانت بدأت عملها بتصفية المجتمعيات الأولية. فقبل كل شيء، وتحت شعار "صيد الساحرات"، كانت قد حرقت بلا هوادة أو رحمة قوة مجتمعية المرأة الساعية للبقاء متماسكة".

ويضيف القائد "يستحيل التفكير بصيد النساء الساحرات مستقلاً عن رأس المال. فمشاهد الحرق هذه قد فادت إلى آخر درجة في بناء الرأسمالية لهيمنتها على المرأة التي تحيا أعمق درجات  العبودية. وكون المرأة في خدمة النظام الراهن بأشد حالاتها بغاء وفحوشاً، إنما يتأتى من أواصرها الوثيقة مع عمليات الحرق تلك، التي مورست في مرحلة انطلاقة الهيمنة الرأسمالية. ذلك أن صدمات الحرق المروعة أقحمت المرأة في أوروبا في خدمة الرجل بلا حدود".

وباتت المرأة الآن عبدة مهمتها انجاب الأطفال وتأمين أيدي عاملة رخيصة وخدمة الرجل في المنزل، وليس لها أية حقوق، وحتى في الدول الأوروبية التي تنظر إلى نفسها على أنها الأكثر تقدماً، باتت المرأة وسيلة للدعاية عبر استغلال جسدها، وأداة للفحوش والبغاء من أجل الحصول على المال.

ويشير القائد عبد الله أوجلان أنه بعد المرأة قام النظام بهدم مجتمعية الزراعة – القرية أيضاً دون رحمة. ويقول "إذ كان لا مهرب من استهداف مجتمعية الزراعة – القرية، نظراً لاستحالة تحقيق السلطة والربح الأعظميين ما دام الجانب الكومونالي الديمقراطي صامداً متماسكاً. وستتزايد فرصة النظام في تحقيق الانطلاقة، تناسباً مع مدى تحقيق تصفية هذه المجتمعيات، والتي هي أرضية معنى وحقيقة مقاومة الإنسان وأفراحه وأتراحه على مدار عشرات الآلاف من السنين. وجميع الممارسات العملية المتصاعدة في أوروبا والعالم خلال القرن السادس عشر وما بعده، تؤكد صحة هذه الحقيقة.....".

ويرى القائد عبد الله أوجلان بأن "انهيار مجتمع الزراعة والقرية ليس بقضية اقتصادية بسيطة، بل هو إبادة ثقافة مجتمعية معمرة عشرة آلاف سنة. كما أن القضية ليست حيازة الاقتصاد الصناعي على الأهمية بعد أن حل محل الزراعة كونه مربحاً أكثر. بل هي قضية الوجود المجتمعي بحد ذاته. ذلك أن المجتمع ضمن أجواء الأزمة البنيوية الراهنة يترك عاطلاً عن العمل بنحو مقصود في العديد من الميادين، وعلى رأسها الميادين الزراعية، وتلحق الضربة بالزراعة بإيلاء الأولوية للنباتات المعدلة جينياً. فمثل هذه النباتات لا تقتصر فقط على تعريض النباتات الطبيعية للإبادة، بل وتهيئ الأجواء لأمراض مجهولة العواقب".

وكشف تقرير للأمم المتحدة عام 2019 أن مليون نوع من النباتات مهدد بالانقراض، الأمر الذي يؤكده الإعلان عن انقراض 571 نوعاً من النباتات. فيما توضح دراسة منشورة في دورية "كرنت بيولوجي" إن معدل اندثار بعض النباتات أسرع 350 مرة من المتوسط التاريخي، وهو ما له عواقب مدمرة على بعض الأنواع النادرة. وهذا الانقراض وبمعدلات غير مسبوقة ينبئ بكارثة بيئية على الأبواب.

ويتابع القائد عبد الله أوجلان "وجهت الرأسمالية ضربة مميتة أخرى إلى الحقيقة الاجتماعية، من خلال شرعنتها للعبودية الأكثر ترويضاً، والمسماة بالتحول البروليتاري. وأحد أفدح الأخطاء التي ارتكبها كارل ماركس، هو سقوطه في غفلة طرح البروليتاري كذات رئيسية، مع أنه في الواقع عضو مفقود في الحقيقة. ذلك أن البروليتاري عبد مختلق، ولا يمكن تحوله إلى ذات متمتعة بالحقيقة بتاتاً، طالما يستمر بوضعه هذا. فالرأسمالية لا تحث البروليتاري على الاندفاع وراء إنجاز أعماله، قبل أن تقتل فيه كافة مزاياه الاجتماعية الإنسانية. بل أن الجوهر المجتمعي الإنساني لدى العبد في العصور القديمة أكثر مما لدى البروليتاري الذي هو عبد معاصر. مع ذلك، ولأنه عبد، فهو لا يتمكن من التحلي بنصيبه من الحقيقة إلا بنيل حريته. ذلك أن البقاء عبداً والتمتع بنسبة من الحقيقة في آن معاً أمر مستحيل، وهو تحريف فظيع في الماركسية. وهذا التحريف للحقيقة هو الذي يكمن وراء فشل الاشتراكية المشيدة".

وقدّرت منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة عدد العاملين في عام 2019 بـ 3.4 مليار عامل، وفي تقرير لها في 10 آذار/مارس من العام الجاري، قالت المنظمة أن عدد العاطلين عن العمل ضمن الفئة الشابة يبلغ  267 مليون شاباً.

وقال سانغيون لي، مدير إدارة سياسات التوظيف في منظمة العمل الدولية: "إن تقريرنا يظهر أن التكنولوجيا تمثل في الوقت نفسه فرصاً ومخاطر بالنسبة للشباب في سوق العمل. ومن المحتمل أن تؤدي التطورات الاقتصادية والسياسية الآنية، وكذلك مستجدات فيروس كورونا، إلى زيادة عوامل الخطر وبالتالي زيادة بطالة الشباب في السنوات القادمة، بدلا من تقليلها".

وبحسب التقرير فإنه يواجه الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً، خطرا أعظم (مقارنة مع العمال الأكبر سنا) بفقدان وظائفهم بسبب التطور الآلي، وخاصة المتدربين مهنياً.

أما الدولة القومية، التي هي ثاني دعامة للحداثة، فيقول عنها القائد عبد الله أوجلان "الدولة القومية ليست كما يروج لها مراراً بأنها الشكل الأساسي للديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، بل هي نظام إنكار كل تلك القيم ... يستحيل انفتاح المجتمع على الاستغلال الرأسمالي، من دون أن يتمكن هذا الاستغلال من بناء نفسه على الديكتاتورية المتمأسسة مجدداً على شكل دولة قومية".

فالمجتمع البشري لم يعرف طيلة تاريخه حدوداً من نمط الدولة القومية، والمشكلة تبدأ مع قيام الدولة القومية والرأسمالية بشكل متداخل، بإخضاع الوطن والمجتمع الذي يحتويه تحت هيمنتها، إذ كلما فُرض مفهوم التجانس اللغوي والثقافي ، كلما تحول الوطن والحدود إلى  مكان نظارة واحتجاز مشدد على المجتمع.

كما تسعى الدولة القومية إلى بناء مواطنين من نمط واحد، حيث لا يمكن للرأسمالية أن تحقق الربح دون هذا النمط من جيش العبيد العصري، إلى جانب أن كل المؤسسات مثل المدارس والجوامع والكنائس تصبح مراكز لإنتاج الدولة القومية، في حين أن البيروقراطية في الدولة القومية شرط لا غنى عنه لهذه الدولة لأن هذه البيروقراطية تؤدي دور الأداة الأساسية المسيرة للنظام والمؤمنة للربح، عدا عن ذلك يتم إدارة الدولة وفق ذهنية الرجل والتحجيم من دور المرأة.

وأيضاً تتحول الدولة إلى فاشية عند دخولها في حالة حرب تجاه الشرائح الاجتماعية المسحوقة والمستغلة في الداخل وتجاه القوى المنافسة لها في الخارج، وشعار الدولة الفاشية هو: لغة واحدة، وطن واحد، ثقافة واحدة، علم واحد وأمة واحدة. وبالتالي يفتح هذا الشعار أمام المجازر والإبادات والتصفية الجسدية والثقافية والسياسية لمن يخالفون سلطة الدولة القومية.

كما تدعي الدولة القومية بأنها دولة قانون، ولكن في حقيقة الأمر أوجدت الدولة القومية هذه القوانين لفرض سطوتها على المجتمع، وضمان ديموتها بعيداً عن الحقيقة، فالدولة وضعت قانوناً لمحاكمة سارق "لص" ولكنها لا تحل المشاكل التي أجبرت هذا الشخص على السرقة، وبالتالي فالدولة القومية لا تحل المشاكل وانما تكون سبباً في زيادتها.

أما عن الصناعوية، التي هي ثالث دعامة للحداثة، يقول القائد عبد الله أوجلان "الصناعوية تعني إبادة الحياة الأيكولوجية. ليس هذا فقط، بل وإبادة الحقيقة التي لا يمكن للمجتمعية أن تتواجد إلا بها أيضاً. والمجتمع الذي تدمر بيئته يومياً هو مجتمع يضيع حياته جزءاً فجزءاً، ويطعمها للوحش. الصناعوية شريك في جرم الرأسمالية والدولة القومية بشأن تصفيتها لمجتمعية الإنسان المنشأة بمقاومة طالت ملايين السنين، والقضاء عليها في غضون فترة وجيزة بحيث يمكن اعتبارها مجرد لحظة فقط إزاء تلك المدة الطويلة فعلاً. كما أن الوقاحة الكائنة في بسط ورم سرطاني على أنه المجتمع الأكثر تقدمية تحت اسم المجتمع الصناعي، توضح بجلاء واضح ماهية الحدث المرضي الذي تعبر عنه الصناعوية. ما من حرب مارست الجنايات والمجازر وصدعت المجتمعية وحكمت عليها بالمرض، بقدر ما هي الجنايات الاجتماعية المطبقة باسم المجتمع الصناعي وبدعم من الرأسمالية والدولة القومية".

ويضيف أوجلان "قد تؤمن الصناعوية الربح الأعظمي للمتربولات المهيمنة. لكن ثمن ذلك هو تصحر المناطق الريفية وإفراغ القرى من سكانها وبالتالي تجذير الأزمة الاجتماعية والاقتصادية. من هنا فالصناعوية في جغرافيا الشرق الأوسط وضمن حياته الاقتصادية، هي تقنية هجوم أيديولوجي وسياسي ينهم عن نتائج ربما تزيد في مخاطرها على حروب الصراع على السلطة والدولة، إنها القوة المسؤولة أساسا عن تغير المناخ، وعن جفاف البحيرات والأنهار والمناطق المائية، ولئن ما استمرت تخريباتها بهذه الوتيرة، فسوف لن تترك عالماً يطاق العيش فيه. كما أن التهديد الذي تحيقه الصناعوية بالحياة والمجتمع المنشأين بتراكمات وخبرات ثقافية عمرها خمسة عشر ألف سنة في الشرق الأوسط، خطير بما يعادل الإبادات العرقية المعاشة عبر الحروب.

ولئن كان لمصطلحي القيامة والمحشر أي معنى، فإنه يبدو أن المقصود به من وراء هذين المصطلحين هو يوم الآخرة الذي يقضي فيه ذاك الوحش الثلاثي الأرجل والمسمى بالحداثة على معنى وحقيقة مجتمعية الإنسان!".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً