الكل يتحدث عن كورونا .. لكن ماذا عن الحداثة الرأسمالية ودعائمها الثلاث؟

يشكل وباء كورونا تحدياً للعالم أجمع ويتوجب على الجميع مجابهته، ولكن يجب على العالم أجمع أن يدرك بأن الحداثة الرأسمالية تسبب فظائع أكثر بكثير مما يشكله فيروس كورونا، ويتوجب على الجميع مواجهة النظام الذي هو سبب كل المآسي بحق شعوب الأرض.

القسم الاول 

إن فيروس كورونا (كوفيد – 19) الذي ظهر في ووهان الصينية في كانون الأول/ديسمبر عام 2019 وبدأ بالانتشار في العالم، حصد حتى الآن أرواح الآلاف وتسبب بإصابة مئات الآلاف، وما زال مستمراً بالتفشي في مختلف دول العالم، وخلق رعباً على المستوى العالمي لأنه لم يتم اكتشاف أي دواء له بعد.

ويقول القائد عبد الله أوجلان في مانيفستو الحضارة الديمقراطية (القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية) إنه "مهما ارتقى مستوى التقدم الطبي، فسيظل عاجزاً عن وقف تفاقم الأمراض المستشرية بين المجتمع كالتيهور. بل إن التقدم الطبي بالذات برهان قاطع جدلياً على مدى تطور الأمراض".

ولكن يلفت القائد عبد الله أوجلان إلى نقطة هامة جداً وهي ما يسببه النظام الرأسمالي من خنق أفراد المجتمع بالأمراض العصبية والسرطانية، نظراً لاتسام بنيته بمثل هذه الأمراض. ويقول "القوموية والدينوية والسلطوية والجنسوية جينات ذهنية وعاطفية في الرأسمالية، تنتج الأمراض على الدوام، سواء مؤسساتياً أم فردياً. وما الأمراض البنيوية المتزايدة سوى مؤشر على الأمراض الذهنية والنفسية، وخلاصة طبيعية يؤول إليها المجتمع الذي قامت الرأسمالية بتفكيكه وبعثرته".

ويتحدث القائد عبد الله أوجلان في هذا المجلد بشكل مفصل عن الحداثة الرأسمالية، ويقول في هذا السياق "على الرغم من أن الحاكمية الساحقة للحداثة الرأسمالية في حاضرنا، إلا أن الرأسمالية من حيث أصولها قد عدت على مر التاريخ البشري شذوذاً اجتماعياً أرعن، وتضاداً مع مسار التدفق العام للإنسانية وانشقاقاً عن الديالكتيك الكوني للطبيعة. أما صعود الرأسمالية وتأسيسها لهيمنتها العالمية خلال القرن السادس عشر، فشبيه إلى حد ما بحكاية "الأربعين حرامي". فلولا الشذوذ الفاقع لجغرافيا أوروبا الغربية ولثقافات المجموعات القاطنة فيها عن مجرى التيار العام للمدنية، ولولا الصراعات المذهبية في العالمين الإسلامي والمسيحي، وغارات المغول المدمرة، والعوالم المنزوية التي تستمر بوجودها في الصين على شكل سلالات؛ لولا كل ذلك، لما كان بمقدور الرأسمالية أن تنتهز الفرصة في أوروبا الغربية للانتقال إلى بسط هيمنتها. هذا وينبغي عدم التناسي قطعياً أن هذه الانطلاقة المهيمنة تحققت في جزيرة "الجزيرة البريطانية" لا يتوقع منها هذا بتاتاً، لأنها تقع في الأقاصي الغربية لأراضٍ فسيحة تتحد فيها ثلاث قارات على خط مثل خط أمستردام – لندن. ذلك أن نخبة صغيرة من أصحاب السلطة ورأس المال المنفيين إلى الجزيرة استماتت في اللوذ عن نفسها كي لا تبتلعها الامبراطوريات القائمة على بر الجزيرة، فكان النصر حليفها.

كانت تلك النخبة قد كونت لنفسها ثلاثة أسلحة مستحدثة خلال تلك الحرب. هذه الأسلحة الثلاثة المطبقة بنجاح منذ القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر، بل وحتى أواسط القرن العشرين أيضاً، كانت تشكل الدعامات الثلاث الأساسية للحداثة الرأسمالية ألا وهي: الجنوح الدائم لرأس المال إلى جني الربح الأعظم، وترتيب السلطة في هيئة الدولة القومية، والصناعوية المتزامنة مع العبور من المانيفاكتورة إلى الثورة الصناعية".

ويشير القائد عبد الله أوجلان إلى أن هذا النظام استخدم العلم للتحكم إيديولوجياً بالمجتمع والطبيعة، واستخدم الصناعوية التي تبتلع المجتمع والبيئة، أما الرأسمالية المالية التي تركت بصماتها على الهيمنة اعتباراً من أعوام 1970، فهي كما يقول القائد أوجلان "نظام نقيض تماماً للطبيعة والمجتمع، فاستحواذها على ربح يصل ترليون دولار في يوم واحد بالتلاعب بالأرقام الافتراضية أو بالقطع النقدية، إنما يكفي لإثبات مدى كون هذا النظام نظام لصوصية لا شرعية وبربرية".

ويؤكد أوجلان أن "الرأسمالية بذات نفسها أفتك أزمة مميتة اكتسبت طابعاً دائمياً في نظام المدنية. وبسطها سلطانها خلال القرون الخمسة الأخيرة، قد عرض للملأ خصائصها الرئيسية بشكل زائد، من خلال ما أسفرت عنه من حروب إبادة وتطهير عرقي، وعمليات نهب وسلب مريعة للمستعمرات، واستغلال الكدح، وتدمير البيئة، وباستهلاك الفرد والمجتمع في نهاية المطاف. وبمجرد الانتباه إلى أن إحصائية الحروب المندلعة خلال القرن الأخير فحسب تضاهي إحصائيات كافة الحروب التي شهدها تاريخ البشرية بأضعاف مضاعفة، فبمقدورنا القول بكل سهولة إن النظام لا يتسم بالطابع المتأزم فقط، بل ويتحلى بخصائص سرطانية لأجل المجتمع البشري وبيئته".

وعلى مر التاريخ تسببت الحروب على السلطة بمقتل ملايين البشر، ودوماً ما كانت الأوبئة نتيجة طبيعية لتلك الحروب، ومجازر العثمانيين بحق شعوب المنطقة شاهدة على ذلك، فهذه المجازر التي بدأت مع عام 1516 تسببت بمقتل ما بين 40 – 90 ألف علوي في مدينة حلب بمجزرة التل نسبة إلى تجميع رؤوس القتلى على شكل تل. وفي عام 1517 قتل العثمانيون في يوم واحد 10 آلاف مصري، وفي أعوام 1842 حتى أعوام 1880 قتلوا ما يزيد عن 24 ألف شخص في مدينة كربلاء العراقية.

ولكن مع بروزِ العامل القومي بين الدول بعد إبرام معاهدة واستيفاليا عام 1649، تسارعت وتيرة المستجدات نحو الدولة القومية. وغدت مختلف النزاعات والحروب بين الدول مستحيلة التطبيق دون اللجوء إلى النزعة القوموية والسلطة بنموذجها في الدولة القومية.

ويقول القائد عبد الله أوجلان في إحدى تقييماته عن الحداثة الرأسمالية والدولة القومية "إن حروب نابليون قد لَعِبت دوراً ريادياً في هذا السياق. حيث ما كان له إدارةَ رَحَى الحرب دون جعلِ فرنسا دولةً قومية. أما الأيديولوجيون الألمان، الذين كانوا يتابعون المستجدات عن كثب، فاكتَشَفوا كلَّ رؤوسِ الخيط اللازمة لتأجيجِ النزعة القوموية الألمانية والدولتية القومية الألمانية، متجسدةً في شخص نابليون. هكذا كانت القومويةُ الألمانية المُأَجَّجة ستلعب دورَ الرافعة في توحيدِ ألمانيا بسرعةِ البرق، وإبرازِ نمطِ الدولة الذي تبحث عنه الحداثة. وكانت المرحلةُ التي ستُوَلِّد هتلر ستخطو أُولى خطواتها فيما بعد، في مستهلِّ القرن التاسع عشر".

وتسببت الحروب بين الدول القومية بمجازر بين البشر، تجاوزت ما أحدثته الأوبئة على سطح الأرض من وفيات. فالحرب العالمية الأولى التي اندلعت بين أعوام 1914 - 1918 بين الحلفاء (بريطانيا، فرنسا وروسيا) ودول المركز (ألمانيا، الدولة العثمانية، النمسا وبلغاريا)، تم فيها جمع أكثر من 70 مليون فرد عسكري، 60 مليون منهم أوروبيون، للمشاركة في الحروب.

ولقي في هذه الحرب أكثر من 9 ملايين مقاتل و 7 ملايين مدني مصرعهم نتيجة الحرب، وتعتبر هذه الحرب أيضاً عاملاً مساهماً في انتشار الإنفلونزا الإسبانية عام 1918والذي تسبب في 50 مليون حالة وفاة في جميع أنحاء العالم.

فضلاً عن ذلك، قتل العثمانيون ما يتراوح بين 1- 1.5 مليون أرمني بالإضافة إلى 250 – 500 ألف سرياني آشوري، في الفترة ما بين 1914 – 1924 كما ارتكبوا العديد من المجازر بحق الكرد وما زالوا يرتكبونها باسم الدولة القومية.

أما الحرب العالمية الثانية التي بدأت في الأول من أيلول/سبتمبر من عام 1939 في أوروبا وانتهت في الثاني من أيلول/سبتمبر عام 1945، فشاركت فيها الغالبية العظمى من دول العالم منها الدول العظمى في حلفين عسكريين متنازعين هما: قوات الحلفاء (بريطانيا، فرنسا، أمريكا، الصين وروسيا) ودول المحور (ألمانيا، اليابان، إيطاليا).

وشارك في هذه الحرب بصورة مباشرة أكثر من 100 مليون شخص من أكثر من 30 بلداً، حيث وضعت الدول المشاركة كافة قدراتها العلمية والاقتصادية والصناعية في خدمة العسكر، وتسببت بمقتل عدد كبير من المدنيين من بينها استخدام القنبلة النووية ضد هيروشيما وناكازاكي. وبحسب الإحصائيات بلغ عدد ضحايا هذه الحرب ما بين 50 – 85 مليون قتيل أي أكثر من 2.5 % من إجمالي عدد سكان الأرض وقتها.

ورغم هذا العدد الهائل من القتلى إلا أن الدولة القومية استمرت بحروبها وإبادتها للشعوب وما زالت هذه الحروب مستمرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتحصد سنوياً أرواح مئات الآلاف دون أن يتحرك أحد لإيقافها لأن انتهاءها لا يخدم مصلحة الحداثة الرأسمالية وينهي سيطرتها.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً