الخلافات والعقد الدولية إلى أين تأخذ سوريا؟

النظام يعزز قواته باتجاه مناطق (خفض التصعيد) ويمهد لمعركة, تركيا تهدد بمهاجمة شمال وشرق سوريا مجدداً، وتبلغ المرتزقة في إدلب بأنهم يجب أن يعتمدوا على أنفسهم, غموض في الموقف الأمريكي, كل ذلك جرى بعد أحداث مهمة كان أبرزها لقاء بين بوتين وأردوغان, فهل هناك صفقة جديدة.

كثُرت التحليلات حول ما يجري في الشرق الأوسط وسوريا خصوصاً, فمن مقتل قاسم سليماني على يد أمريكا إلى تصعيد تركيا في ليبيا وتراجعها في إدلب, وصولاً إلى تمهيد النظام وروسيا للهجوم على إدلب, كل ذلك يلوح أن هناك صفقة إحدى زواياها غائبة فهل ستكون هي شمال وشرق سوريا.

منذ التقارب الروسي التركي الإيراني تحت اسم ضامني أستانا, بات السوريون يطلقون عليهم اسم ثلاثي الصفقات, فعقب كل اجتماع, تتوضح معالم صفقة جديدة على حساب الشعب السوري.

لكن السؤال الأهم, لماذا باتت إيران غائبة عن تحركات هذا الحلف ونوعاً ما بعيدة عن كامل الملف السوري.

لكي نستطيع أن نستقرأ مستقبل الأحداث في سوريا, يجب أن نوضّح ما هي الخلافات الحقيقة, الخلاف الأول هي تركيا والتي تحاول توسيع احتلالها للمناطق السورية، وتتخذ من قوات سوريا الديمقراطية ذريعةً لها, الخلاف الثاني هو وجود إيران والتي ترفض كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وجودها في سوريا, والخلاف الثالث هو وجود روسيا في سوريا وتناقض علاقتها بين النظام وتركيا وإيران، ومحاولتها إيجاد تفاهم مع الغرب.

بعد ما حققته روسيا من انتصارات عسكرية في سوريا, لم تتمكن من صرف ذلك سياسياً بسبب العائق الأمريكي, فجاء لقاء لافروف كيري, لتتوضح بعدها ملامح اتفاقية ترسم خارطة النفوذ في سوريا, ويبدأ معها حل فك العقد تدريجياً على الرغم من تصاعد التنافس.

روسيا أيقنت بأن الوجود الإيراني يقف عائقاً أمام إكمال نصرها, فتعهّدت بتقليص وجوده في سوريا, ليكتمل ذلك خلال قمة القدس بين ورسيا وأمريكا وإسرائيل, والتي انسحبت بعدها إيران وقواتها من المناطق المحاذية للحدود مع إسرائيل في الجنوب السوري، لتقوم بعدها إسرائيل بشن غاراتٍ على مواقع قواتٍ تابعة لإيران على مساحات واسعة تحت نظر الأعين الروسية.

وتوصلت هذه التحركات إلى حد إقصاء روسيا لإيران من تحركات ضامني أستانا, واشنطن كانت تقول دائماً بأنها لا تقبل وجود لإيران في سوريا، وعلى ما يبدو بأن الروس والأتراك قد تعهّدوا لواشنطن بتنفيذ هذه المهمة والسؤال هنا, هل هناك دورٌ روسي تركي في استهداف قاسم سليماني الذي غادر دمشق قبل أن يُقتل في العراق, وفي هذا السياق وضعت إحدى الصحف الإيرانية صورة لبوتين وبشار الأسد خلال لقائهم في دمشق، وكان عنوانها بوتين والأسد يحتفلان بمقتل قاسم سليماني.

وبهذا تكون العقدة الإيرانية قد تفككت تقريباً، وأُزيل جانب كبير من التحفظ الأمريكي, بقيت مشكلة تركيا مع الروس والنظام وتتلخص في إدلب, وعلى الرغم من كل ما يجري بأن هناك خلافات حولها وتصعيد متفاوت إلا أن السيناريو الأبرز هو أن تركيا بدأت تروج لانسحابها من المناطق التي يسعى النظام بدعم روسي التقدم إليها، وهي الطرق الدولية التي تمر من أرياف المدينة, حيث صرّح وزير الخارجية التركي بأن على (المعارضة) الاعتماد على نفسها في إيقاف الهجمات, وبذلك تصبح العقدة التركية مع النظام قد أوشكت على النهاية.

 تبقى العقدة الثالثة مسألة الأهداف الروسية, روسيا تدعم النظام السوري, وتتفق مع تركيا التي سعت لإسقاط النظام, وتُنافس أمريكا وتسعى في الوقت ذاته للاتفاق معها, فماذا تريد روسيا في سوريا؟.

روسيا تسعى لإظهار نفسها كقوة كبرى ومؤثرة في الشرق الأوسط, ودعمت النظام السوري حيث سيطرت عسكرياً على مساحات واسعة، إلا أن الوجود الأمريكي يقف عائقاٌ أمام إعلانها الانتصار, حيث تعلم بأن الولايات المتحدة قادرة على إنقاص فرحتها في أي مكان في سوريا, لذلك تحاول إرضاء الولايات المتحدة.

أما بالنسبة لعلاقة روسيا وتركيا فالمصالح الروسية التركية أهم بكثير بالنسبة إلى روسيا من ما تقوم تركيا باستغلاله, تُدرك تركيا وروسيا حاجة كلاً منهما الشديدة للآخر، فالبلدان لديهما هدف واحد هو تقوية العلاقات الاقتصادية وزيادة حجم التبادل التجاري إلى 100 مليار دولار مقابل 40 مليار، وأن تكون أنقرة منفذاً لصادرات روسيا من الغاز نحو أوروبا.

روسيا بحاجة شديدة لتركيا، خاصة مع معاناة الاقتصاد الروسي منذ فرض العقوبات الغربية، وتهاوي أسعار النفط، وحظر استيراد المواد الغذائية من بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وارتفاع معدلات التضخم وتهاوي الروبل وهروب الاستثمارات الخارجية، كما أنها بحاجة إلى السلع والمنتجات التركية لخفض حرارة الأسعار.

وروسيا أيضا بحاجة إلى خط أنابيب "السيل التركي" الذي دشّنه بوتين خلال زيارته الأخيرة إلى تركيا، وبناء محطة "أكويو" الكهروذرية في تركيا، حيث تبلغ تكلفة هذه المشاريع مليارات الدولارات.

كما أن روسيا ربحت كثيراً من تفاهمها مع تركيا حيث سلّمت الأخيرة المناطق التي كانت تحت سيطرة مرتزقتها إلى قوات النظام, كما استغلت تركيا ذلك واحتلت مناطق عفرين وتل أبيض وسري كانيه بضوء أخضر روسي، وضبابية في الموقف الأمريكي.

من خلال ذلك نرى بأن أمريكا نجحت في تقليص النفوذ الإيراني, وروسيا سيطرت على غالبية الأراضي السورية، ووسّعت نفوذها السياسي والاقتصادي في تركيا الدولة العضوة في حلف الناتو, وبقيت إدلب التي باتت قاب قوسين أو أدنى حيث ستُحسم غالباً لصالح النظام وروسيا, لكن ما هو المقابل.

(م)

ANHA