الإيزيديون ينظّمون أنفسهم والديمقراطي الكردستاني يريدهم تابعين - 3

بعد المجازر التي تعرض لها الإيزيديون بدؤوا بتنظيم أنفسهم إدارياً وسياسياً وعسكرياً واجتماعياً، وهذا ما لا يرغب به الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي كان سبباً في المجازر.

لم يكن يوم الثالث من آب 2014 في شنكال ، يشبه الأيام السابقة، إذ استفاق الإيزيديون من نومهم على كابوس أصوات القصف والرصاص وحزم قوات الجيش العراقي وأكثر من 10 آلاف من بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني والزيرفاني، لحقائبهم وهروبهم من شنكال.

لم يكن الإيزيديون يدركون ما يجري، ولكن كل ما يعرفونه أنهم الآن أمام فرمان جديد، لتكون قرية كرزرك وبعدها سيباه شيخدر  أولى المواقع التي هاجمها داعش، ليلاقوا مقاومة شرسة من قبل رجال وشباب القريتين التي استمرت معاركهم مع مرتزقة داعش لأكثر من 6ساعات بعدما بدأت في الساعة الثانية و7 ودقائق بعد منتصف الليل.

ونظراً لقلة السلاح والذخيرة وخذلان البيشمركة لهم "للإيزيديين" لم يستطع المقاومون الاستمرار أكثر وخاصة بعد استشهاد العديد منهم،  ودخل المرتزقة مع ساعات الصباح الأولى لشنكال وبدؤوا بحوشيتهم بحق الإيزيديين.

قرية كوجو، التي حوصرت في جنوب جبل شنكال هي أكثر القرى التي تعرض أهلها لعمليات القتل والاختطاف من قبل داعش ، وقُتل فيها أكثر من 500 شخص، كما اختُطفت نساء وأطفال القرية.

وعندما أدرك الإيزيديون في القرى المجاورة بأن الخطر بات قريباً منهم، اختاروا سلوك طريق الجبال الوعرة للاحتماء بها.

في الوقت الذي كانت فيه القرى الإيزيدية تتعرض للقصف والهجمات من قبل المرتزقة، كانت بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني تهرب بالسيارات المدججة بالأسلحة الثقيلة.

لم يبقَ أمام آلاف الإيزيديين العزّل إلا إكمال الطريق الوعرة نحو قمة جبل شنكال "منطقة سردشتي"، وفي الطريق فقد المئات من الأطفال وكبار السن حياتهم بسبب الحر والعطش وكان الإيزيديون المتوجهون إلى الجبل يقولون جملة واحدة "البيشمركة باعتنا".

تدخل الكريلا من الجبال ووحدات حماية الشعب والمرأة من روج آفا

تاريخ الحزب الديمقراطي الكردستاني مليء بالخيانات بحق الشعب الكردي، فعندما سقطت مدينة الموصل بأيدي مرتزقة داعش، طالب الشيوخ الإيزيديون من قائمقام شنكال المنتمي للحزب الديمقراطي الكردستاني بتشكيل خط حماية حول المدينة، إلا أن القائمقام لم يعرهم الانتباه لأن حزبه كان قد شارك في اجتماع الأردن الذي عقد في شهر حزيران 2014 وشاركت فيه تركيا وأمريكا ووضع فيه مخطط هجمات داعش بالمنطقة.

ولأن تاريخ هذا الحزب معروف، فقد كانت قوات الدفاع الشعبي الكردستاني قد أرسلت 12 مقاتلاً ومقاتلة من الكريلا لحماية الإيزيديين في حال حصول أي هجمات، ولكن سلطات الحزب الديمقراطي الكردستاني اعتقلت 3 منهم ولاحقت البقية.

وعلى الرغم من عددهم القليل إلا أن هؤلاء المقاتلين والمقاتلات الـ 9 وبأسلحة الكلاشينكوف فقط منعوا مرتزقة داعش من الوصول إلى سفح الجبل حيث عشرات الآلاف من الإيزيديين، في حين هرب 10 آلاف عنصر من بيشمركة الحزب الديمقراطي المدججين بالأسلحة الثقيلة.

وفي ظل تخاذل الحزب الديمقراطي الكردستاني، أدلى القيادي في منظومة المجتمع الكردستاني KCK مراد قره يلان بتصريحات إعلامية أكد فيها استعداد قوات الكريلا للدخول إلى شنكال وحماية أهلها، وفي اليوم التالي توجهت قوافل من قوات الدفاع الشعبي الكردستاني HPG  ووحدات المرأة الحرة- ستار YJA-star إلى قضاء شنكال، كما انتشرت قوات الكريلا في كركوك ومخمور وفي محيط هولير لمنع تقدم داعش في إقليم جنوب كردستان.

ومع انتشار مشاهد هروب بيشمركة الحزب الديمقراطي بسياراتهم، وأخبار القتل والاختطاف الواردة من شنكال، توجهت وحدات حماية الشعب والمرأة نحو الجبل، وتمكنت يوم 8 آب من فتح ممر إنساني لإجلاء المدنيين، وذلك بمساعدة مقاتلي الكريلا وعدد من الإيزيديين الذين حملوا السلاح للدفاع عن أنفسهم.

وبعد فتح الممر الآمن بدأ أهالي شنكال يتوافدون إلى حدود روج آفا وكان الآلاف من أهالي مقاطعة الجزيرة بانتظار أهالي شنكال حاملين الماء والطعام لتقديمه لهم.

وفي شنكال، بقي مقاتلو الكريلا وعدداً من أهالي شنكال الذين يحملون السلاح، يواجهون خطر مرتزقة داعش بأسلحتهم الخفيفة، وقدموا العشرات من الشهداء ولكنهم تمكنوا من صد هجمات داعش على الجبل وحمايته.

بعد المجازر .. الإيزيديون يشكلون قوات حماية ويحررون مدينتهم

بعد ارتكاب مرتزقة داعش مجزرة بحق الإيزيديين راح ضحيتها أكثر من 2213 إيزيدياً، ونزوح أكثر من 390 ألف، واختطاف 6417 من الأطفال والنساء، أدرك الإيزيديون حقيقة الحزب الديمقراطي الكردستاني وخيانته للكرد، لذا قرروا تأسيس قوات حماية خاصة بهم سميت تلك القوات بـ" وحدات مقاومة شنكال (YBŞ)، وسرعان ما انضم إليها المئات من الشبان والشابات، ومع بداية شهر شباط 2015، أعلنت نساء شنكال عن تأسيس وحدات المرأة- شنكال.

وفي شهر آذار 2015 أطلقت وحدات مقاومة شنكال ووحدات المرأة في شنكال بالتعاون مع قوات الدفاع الشعبي الكردستاني "الكريلا" حملة عسكرية ضد مرتزقة داعش.

وتكللت هذه الحملة بالانتصار على داعش وتحرير مدينة شنكال في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2015.

ولكن كعادته لم يتحمل الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي فرت قواته من شنكال وتركت الإيزيديين يواجهون مجازر الإبادة، هذه المنجزات التي تحققت بفضل مقاتلي حزب العمال الكردستاني، فتوجه مسعود البارزاني إلى سفح جبال شنكال المحرر وأعلن عبر وسائل إعلام حزبه تحرير شنكال، ولكن الحقيقة كانت واضحة، وأبناء شنكال بأنفسهم يؤكدون بأن ليس هناك من دافع عنهم سوى قوات الكريلا.

وفي نيسان/أبريل عام 2016 بدأت قوات الدفاع الشعبي الكردستاني "الكريلا" الانسحاب من شنكال، بعد أن تم تأمين المدينة من هجمات داعش، وليقطع الطريق أمام بعض الأطراف الساعية لخلق اقتتال كردي كردي بحجة وجود مقاتليه هناك.

التنظيم

نظراً لجرائم الإبادة التي تعرض لها الإيزيديون، لم يعد لهم ثقة بالإدارات الموجودة سواء حكومة بغداد أو حكومة هولير التي يهيمن عليها الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبعد المجازر الأخيرة التي تعرضوا لها على يد داعش، قرر الإيزيديون إدارة أنفسهم ذاتياً، ولتحقيق ذلك بدأوا بتنظيم أنفسهم.

ولأول مرة في تاريخهم، قرر الإيزيديون في شنكال إدارة أنفسهم ذاتياً في 14 كانون الثاني/يناير عام 2015، عندما أعلنوا عن تأسيس المجلس التأسيسي للإدارة الذاتية في شنكال.

وحمل المجلس التأسيسي على عاتقه تنظيم المجتمع الإيزيدي وتشكيل مؤسساته لإدارة شؤونهم، وأجرى لقاءات مع وفود أجنبية عديدة.

وتحول هذا المجلس عام 2017 إلى مجلس الإدارة الذاتية الديمقراطية لشنكال، ومع إرساء هذا النظام الجديد، جرى تطبيق نظام الرئاسة المشتركة، وتشكيل الهيئة التنفيذية له.

ونظراً لأهمية قوى الأمن الداخلي ودورها في بسط الأمن والأمان، شكّل  الإيزيديون في 6 تموز/يوليو عام 2016 "أسايش إيزيدخان" كوحدة أمن لحماية شنكال.

حزب سياسي

ومع اكتشاف الإيزيديين لأهمية التنظيم الذاتي ودوره في تحريرهم وتوعيتهم، أعلنوا في المؤتمر السادس لحركة الديمقراطية والحرية TEVDA الذي عقد في حزيران 2016، عن تأسيس حزب "الحرية والديمقراطية الإيزيدي  PADE"، وذلك كحصيلة لاتحاد حركة الديمقراطية والحرية والتجمع الإيزيدي، وحصل الحزب على الترخيص من الحكومة العراقية وبدأ نشاطه بشكل رسمي في شنكال.

تأسيس حركة حرية المرأة

ولتتمكن النساء من حماية حقوقهن، والدفاع عن أنفسهن، قررن تأسيس مجلس النساء الإيزيديات الذي تولى مهمة تنظيم وتدريب النساء وتعزيز إرادتهن.

وبعد عام، تحول المجلس إلى حركة حرية المرأة الإيزيدية (TAJÊ) خلال كونفرانس عقد في 25 أيلول 2016، وتولت الحركة مهمة تحسين وضع المرأة وإعادة المختطفات، ورعاية المحررات من داعش، وزيادة الوعي بالحرية.

أكاديميات للتدريب

ولتجاوز الآثار السلبية لهجمات داعش، وتوعية المجتمع، كان لا بد من تهيئة الإيزيديين من الناحية الفكرية والنفسية ليتمكنوا من تحليل ما جرى لهم ولكي يختاروا أسلوب حياتهم، وفي هذا السياق تم تأسيس أكاديميات تدريبية، وأولها كانت أكاديمية الشهيد "عكيد عفرين" التي افتتحت في كانون الثاني/يناير 2016.

وتهدف هذه الأكاديميات إلى تدريب وتأهيل الشعب الإيزيدي حول حقيقة الإيزدياتية، الثقافة الإيزيدية، وتمكين الإيزيديين من إدارة أنفسهم وكذلك تعزيز الإرادة الشخصية.

كما افتتحت أكاديمية خاصة بالمرأة، إذ افتتحت حركة حرية المرأة الإيزيدية أكاديمية "الشهيدة بنفش" لتدريب النساء من الناحية الفكرية والتنظيمية والسياسية.

وفيما يتعلق بالتربية والتعليم، بادر شباب وشابات شنكال وبإمكانياتهم الذاتية إلى افتتاح المدارس في الخيم لتعليم أطفال شنكال لغتهم الأم.

إلى جانب هذه الإدارات والمؤسسات، تشكلت مؤسسة الخدمات، والتي تعمل على تأمين المتطلبات الحياتية، وتقديم الخدمات من كافة الأنواع لأبناء شنكال، إذ تخدم هذه المؤسسة حوالي 70 ألف نسمة من أبناء شنكال، وتعمل على تأمين الكهرباء، توزيع المازوت، والطحين وغيرها من الخدمات.

عودة الآلاف

بعد إرساء الأمن في شنكال، ووضع تنظيم خاص بهم، عاد آلاف الإيزيديين الذين كانوا متواجدين في مخيم نوروز وروج في مدينة ديرك بإقليم الجزيرة في شمال وشرق سوريا، ومن المخيمات في باشور كردستان، إلى شنكال.

ولم يقدم أي طرف سواء الحكومة العراقية أو حكومة هولير أية مساعدات لهم، بل اقتصر الدعم والمساعدة على أدوية وأغذية كانت ترسلها الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، إلى جانب تقديم بعض الخدمات للبلديات.

الحزب الديمقراطي لا يريد أن ينظّم الإيزيديون أنفسهم

عندما بدأ الإيزيديون بتنظيم أنفسهم وتشكيل قواتهم وتحرير القرية تلو الأخرى من مرتزقة داعش، رأى الحزب الديمقراطي أنه يتعرض للخسارة، فحاول بشتى الوسائل منع الإيزيديين من أن يكونوا أصحاب إرادة، وبدأ هذا الحزب حتى قبل تحرير شنكال بعرقلة الإيزيديين حتى يبقوا خاضعين له.

وأولى ممارسات الحزب الديمقراطي الكردستاني كانت في شباط/فبراير عام 2015، عندما فرض حصاراً على الإيزيديين، ومنع عبور أية مواد أو مستلزمات يومية للأُسر، حتى من كان يحمل بضع كيلوغرامات من السكر كان هذا الحزب يصادر هذا السكر، إذ أراد الديمقراطي إركاع الإيزيديين عبر التجويع.

ليس هذا فحسب، بل استولى هذا الحزب على المساعدات الإنسانية التي كانت ترسلها المنظمات الدولية، وفي هذا السياق نشرت منظمة هيومن رايتس ووتش في الرابع من كانون الأول 2017 تقريراً حول شنكال قالت فيه: "إن حكومة إقليم كردستان تحد من وصول المساعدات الإنسانية إلى شنكال".

وفي استمرار محاولاتهم لخلق شرخ بين الإيزيديين، دائماً ما سعى الحزب الديمقراطي الكردستاني عبر تابعيه الذين كانوا مسؤولين عن المجازر التي تعرض لها الإيزيديون، للترويج بأن حزب العمال الكردستاني موجود في شنكال، فخرج رئيس الحزب مسعود البارزاني في أيار/مايو 2016 وقال بأن على مقاتلي حزب العمال الكردستاني الخروج، وفي شهر أيلول من ذات العام، خرج المدعو قاسم ششو الذي كان مدعوماً من الحزب الديمقراطي حينها وادّعى أنه يمثل الإيزيديين وقال بأن على حزب العمال الكردستاني الخروج رغم أن مقاتلي الحزب كانوا قد انسحبوا من شنكال.

ولكن الإيزيديين بشيوخهم ومؤسساتهم رفضوا هذه الادعاءات وأكدوا بأن من كانوا سبباً في ارتكاب المجازر بحقهم لايحق لهم أن يتحدثوا، وتوجهوا إلى الحزب الديمقراطي قائلين: أين كنتم عندما جاءت قوات الكريلا لتخليصنا من المجازر.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً