الإرث العثماني وثقافة الاغتصاب

في الآونة الأخيرة تعرض العديد من الأطفال ومن الفتيات الكرديات لاعتداءات جنسية ممنهجة سواء في مناطق شمال وشرق سوريا المحتلة من قبل دولة الاحتلال التركية، أو في مدن شمال كردستان والمدن التركية. ومرتكبو هذه الاعتداءات هم على الأغلب رجال مرتزقة أو موظفون رسميون في دوائر الدولة.

بمعنى أن المرتكبين الرئيسيين لجميع هذه الاعتداءات هم رجال الدولة. هؤلاء الأشخاص الذين يستمدون السلطة والقوة من الدولة، هم في الوقت نفسه أشخاص تم الإيقاع بهم من قبل النظام، وهؤلاء لا يعرفون أية حدود تحول بينهم وبين ارتكاب الاعتداءات على المرأة. وبهذا الشكل تعمل الدولة على تشكيل بنية اجتماعية من الذكور المغتصبين، ومن جهة أخرى تحاول إخفاء وجهها الحقيقي.

وفي مواجهة هذه الاعتداءات، فإن شريحة كبيرة من المجتمع سواء من الرجال أو من النساء، تظهر ردود فعل مناهضة ورافضة، إلا أن ردود الأفعال هذه لا ترتقي إلى المستوى المطلوب. ورغم محدودية وضعف ردود الأفعال الرامية إلى إنهاء هذه الاعتداءات وتأسيس نظام ديمقراطي، إلا أنها تساهم إلى حد ما في كبح جماح هجمات واعتداءات الدولة الفاشية وأزلامها.

وللإجابة عن سؤال؛ ماهي أسباب وعوامل تصاعد الاعتداءات على النساء وتصاعد موجة إبادة النساء، وبدلاً من بروز المقاومة، برزت نقاشات مغايرة، يجب علينا أولاً الإجابة عن سؤال "لماذا الآن، ولماذا برز موضوع إبادة المرأة في هذه الفترة؟

الاغتصاب يعني الاعتداء على شيء لا يخصك، والاعتداء والتهجم بهدف الحصول على ذلك الشيء، بمعنى أن الاغتصاب لا يتعلق فقط بالاعتداء الجنسي على النساء. ويبرز موضوع الاغتصاب كإحدى قضايا ومشاكل النظام الحاكم. أي يمكن اعتبار الاعتداءات والهجمات التي تستهدف الوطن والشعب والأملاك والقيم والطبيعة ومنابع الثقافة من ضمن جملة أشكال الاغتصاب.

والحقيقة إن الاعتداءات التي تتعرض لها المرأة، ورغم أنه ينظر إليها على شكل الاعتداء الجنسي، إلا أنه يمكن أن نشملها مع جملة الاعتداءات المذكورة. أي إن اعتبار الاعتداء الجنسي على أية امرأة في وطن ما أو مجتمع ما، وكأنه اعتداء جنسي فقط، أو أنه اعتداء يستهدف شخص المرأة فقط، هو مغالطة كبرى وخداع للذات.

ولذلك فإن النظام الذكوري الحاكم والذي يرعى هذه الاعتداءات، يرى النساء كأداة للتحفيز والتحريض، ويعتبرها مادة جنسية متاحة للاعتداء عليها. كما النظام نفسه يعتبر الانتماء الكردي أو العلوي أو الأرمني وغيره مادة للتحفيز، ويفتح عليهم أبواب الإبادة والمجازر والاغتصاب. كما تعتبر الأراضي الغنية بالبترول ومكامن الغاز الطبيعي والمناطق الغنية بالثروات، محفزات، وبالتالي هي ميادين متاحة للاحتلال. وكذلك الأمر بالنسبة للنتاجات الفنية والثقافية. باختصار لا يمكن تقييم ورؤية الاعتداءات الجنسية التي تطال النساء كذلك مجمل التجاوزات على المواضيع التي ذكرناها، مهما كان شكلها وكيف وأين تم ارتكابها، لا يمكن تقييمها بمعزل عن  المصالح الاقتصادية والسياسية. وحتى لو تم تعريفها على أنها اعتداء جنسي، إلا أنه يجب النظر إلى الاعتداءات الجنسية التي تتعرض لها النساء كاعتداء سياسي، وبالتالي خوض النضال ضدها على هذا الأساس. يعني أن الاغتصاب يطال المجتمع أجمع، ويطال جميع الشرائح الاجتماعية. الاغتصاب اعتداء، ويجب أن يتصدى له المجتمع بالكامل وليس النساء فقط.

وبناء على هذه المعطيات يمكننا رؤية وتحليل السياسة التاريخية للدولة التركية الفاشية والاستعمارية المتعلقة بالاعتداء على النساء وإبادتهن. اليوم تبرز سلطة حكومة حزبي العدالة والتنمية الحزب القومي الفاشي على شكل عثمانية جديدة، وعليه يمكننا النظر إلى جرائم الاغتصاب والاعتداء التي مارستها الدولة العثمانية الفاشية ضد شعوب المنطقة، وبالتالي تعريف وفهم سياسات السلطة الحالية.

العثمانية كانت عبارة عن نموذج ونظام للاغتصاب، ليس بالنسبة للشعب الكردي فقط، بل أيضاً بالنسبة للعرب وباقي شعوب المنطقة وحتى جزء من القارة الأوروبية. ومثلها مثل باقي النظم الاستعمارية، فإن سياساتها لم تقتصر على اغتصاب واستعمار ثروات البلاد، بل أيضاً لم تعرف حدوداً لنهب وسلب المرأة. يضاف إلى ذلك أن القصر العثماني الذي كان يشبه البيت الأبيض حالياً، كان يؤسس لسياساته عبر الاغتصاب والنيل من الإرادة وفرض الاستسلام والإذلال. ومن جهة أخرى فقد حولت الأشخاص الذين تم تجنيدهم، مثل الموجودين الآن في أنقرة، إلى قوة رسمية وتم توجيهها ضد الشعوب.

واليوم أيضاً يتم إرسال المرتزقة من كافة أنحاء العالم، كجيش انكشاري يضم رجالاً مهزومين لا إرادة لهم. يعني أن هؤلاء المرتزقة المغتصبين والمعتدين، الذين يهاجمون الشعوب بالدبابات والمدافع والطائرات، وليس على أنغام النشيد الوطني التركي، هم الشكل الجديد والمستحدث للجيش الانكشاري. إذا لم نأخذ هذا الترابط التاريخي بعين الاعتبار فإننا لن نفهم سياسات السلاطين العثمانيين الجدد. الاعتداءات والاغتصاب الذي ذكرناه أعلاه، ما زالت عالقة في ذاكرة شعوب المنطقة. حالياً عندما يرتكبون أعمال الاغتصاب، يعملون على الترويج لفكرة أنها حالات اعتداء جنسي على المرأة، ولكن سواء في التاريخ العثماني أو ما يجري في الوقت الراهن من تنظيم بقايا مرتزقة داعش، وإذا أضفنا إليها ذهنية حزب العدالة والتنمية، فإن الرجال أيضاً ينالون نصيباً من هذه الاعتداءات الجنسية.

لقد تأسست القصور العثمانية على اللواط واستغلال الغلمان، حيث كان الأطفال الذكور من أبناء المناطق المحتلة يتعرضون إلى الاغتصاب في القصور العثمانية. وبهذا الشكل كان يتم استغلال الاغتصاب كوسيلة للإخضاع، وكما هو الأمر في الجيش الانكشاري حيث كان الاغتصاب يستخدم كإحدى سبل الهجوم والاعتداء. وهكذا تشكل الجيش الانكشاري من أبناء الشعوب المستعمرة ممن كانوا يتعرضون للاغتصاب الفكري والجسدي.

وفي يومنا الراهن أصبح الاغتصاب تقليداً متوارثاً يستخدمه المسؤولون الأتراك كإحدى وسائل التعذيب في المعتقلات والثكنات العسكرية وأماكن التعذيب الأخرى.

اليوم، وبأوامر مباشرة من وزير داخلية الدولة الفاشية سليمان سويلو، يتحرك الانكشاريون الجدد، ويشنون هجمات واعتداءات ممنهجة ضد النساء الكردستانيات اللواتي تحولن إلى رمز للتطور الاجتماعي، ورائدات للثورة. هذه الهجمات لا تستهدف المرأة فقط، بل تستهدف أيضاً القيم الثورية، وكذلك الموروث التاريخي، ويسعون من خلال ذلك إلى حرمان المجتمع من ذاكرته. فالهجمات التي تستهدف المزارات، والتهجم العنيف ضد القيم الثقافية والطبيعية، تأتي في السياق نفسه. وعليه فإن ما يتعرض للهجوم في شمال كردستان، ليس النساء فقط، بل إن الطبيعية والقيم التاريخية أيضاً يتم الاعتداء عليها وغمرها تحت المياه. الدولة التركية اليوم، وتحت عنوان اغتصاب النساء، تفرض الإبادة على شعوب كردستان وشعوب المنطقة.

وعليه فإن مجازر الإبادة التي ترتكب بحق النساء، هي اعتداءات وهجمات ضد شعوب المنطقة وضد الشعب الكردي، هجمات تستهدف النيل من الإرادة، والإخضاع والإذلال، ويسعون من ورائها جميعاً إلى ترسيخ العمالة والتبعية.

إن التصدي للاغتصاب هو مجابهة ضد الاحتلال وضد الإبادة. واليوم تتعرض المرأة في كردستان للاعتداء لأنها تمثل لغة وذاكرة المجتمع. لذلك فإن إطلاق مقاومة شاملة ضد هذه الاعتداءات والهجمات، تعتبر من أولى شروط الوطنية. فكل من يدعي الديمقراطية، والثورية والوطنية، ويدعي أنه يرغب بالعيش كإنسان، عليه أن يرفع صوته ضد هذه المجازر.

إن حالة الرجال الذين يعتبرون المرأة "شرفاً" لهم، ولكنهم مع ذلك يلتزمون الصمت إزاء هذا الوضع، حالة ينبغي تحليلها والتوقف عندها بشكل جيد. يقال إن أهالي ديرسم انتفضوا انتقاماً لامرأة تعرضت للاغتصاب على يد جنود الجيش التركي. وهذه حقيقة. هذا الموقف يشير إلى مدى ارتباط رجال ديرسم في تلك الفترة بتاريخهم ومجتمعهم. ولكن اليوم تتعرض الآلاف من النساء للاغتصاب، ولكن لا يظهر نفس الإخلاص، مما يشير إلى مدى ازدواجية موقف الرجال تجاه المرأة.

وعليه فإن على المجتمع النضال والتكاتف وتوحيد كلمته ضد الاغتصاب وإبادة المرأة، وأن يعتبر الأمر من أولى أولوياته. مهمة الإعلام الحر لا تقتصر على الإعلان عن حالات الاغتصاب والإبادة في الزوايا والصفحات أو البرامج. بل يجب أن يعتبر أن محاربة ومناهضة هذه الأمور جزء من معركة الحرية والديمقراطية. فإذا تعرضت امرأة للاغتصاب في وطن ما، فإن المجتمع كله معرض للاغتصاب، هذه هي الذهنية التي يجب أن يتحلى بها المجتمع.

(ك)