الإدارة الذاتية.. تجاوزٌ لذهنية الدولة القومية ونموذج حل للأزمة السورية -1

إن الصراعات الدائرة في الهند والصين والجمهوريات السوفيتية، ووصولًا إلى بوادي المغرب والصحراء العربية، هي منتوج الهيمنة الرأسمالية التي أوجدت الدولة القومية كإحدى دعائم بقائها، في الأزمة التي تعيشها سوريا منذ 10 أعوام، هناك نموذج يتطور في شمال سوريا وشرقها، ويستطيع أن يصبح حلًّا لكافة الصراعات والحروب.

يصادف يوم الـ 21 من كانون الثاني الجاري، الذكرى السنوية السابعة لتأسيس الإدارة الذاتية في إقليم الجزيرة، التي تعتبر أولى الإدارات التي تشكلت في شمال وشرق سوريا، لإدارة المنطقة بعد أن انحرفت الثورة السورية التي انطلقت في ربيع عام 2011 عن مسارها، وتحولت إلى خدمة أجندات قوى إقليمية لا تريد الخير للشعب السوري.

وفي هذا الملف المؤلف من جزأين سوف نتطرق إلى مشروع الإدارة الذاتية، وتحوله إلى نموذج يقتدى به، وسنتناول في الجزء الأول منه، مبادئ الإدارة الذاتية، والظروف التي دعت إلى ولادة هذا المشروع، ومراحل تطوره وتحوله إلى نموذج.

'الإدارة الذاتية الديمقراطية'

والإدارة الذاتية الديمقراطية تعبير عن فلسفة الأمة الديمقراطية للقائد عبد الله أوجلان، وهي الهيكلية التنظيمية التي يتم من خلالها إيصال المجتمع إلى حالة امتلاك القرار والإرادة، لإدارة نفسه بنفسه، وتدبر أموره، بعكس نظام السلطة المركزية.

وفي مرافعته "سوسيولوجيا الحرية" يقول القائد عبد الله أوجلان: "إذا كانت الأمة الديمقراطية روحًا، فإن الإدارةَ الذاتية الديمقراطية هي جسدها"، وأكد أن الإدارة الذاتية ليست قائمة على مبدأ الأمة الواحدة والجغرافيا الواحدة وحتى الدين الواحد، وإنما على أساس الشعوب والمجتمعات المختلفة وعلى أسس الديمقراطية، وهذا يعد تجاوزًا لذهنية الدولة القومية.

ويضيف القائد أوجلان عن الإدارة الذاتية: "في نظام الإدارة الذاتية الديمقراطية، المهم هو إرادة إدارة المجتمع، فالمجتمع يقوم بتسهيل واجبات الدولة المركزية ويقوم بإدارة نفسه ذاتيًّا، وأنا أقول عنها، بأن المركز يسلّم واجباته إلى المجتمع، ففي الإدارة الذاتية الديمقراطية، لا وجود لمعاداة الدولة".

وعليه يؤكد القائد عبد الله أوجلان أن "الإدارة الذاتية هي أسلوب إدارة خارج إطار الدولة، تقوم فيه الشعوب والمجتمعات بإدارة أمورها خارج حلقة الدولة، وهي مختلفة في فحوى وفلسفة الإدارة عن أسلوب الحكم الذاتي الممنهج، لأن سلطات الحكم الذاتي في إقليم محدد هو نظام إداري ذاتي يتبع الحكومة المركزية، ويتخذ شكلًا داخل الدولة، وليس داخل المجتمع".

'مبادئ الإدارة الذاتية الديمقراطية'

1 - الأمة الديمقراطية:

وفي الإدارة الذاتية يبتعد النظام المقام عن الدولة القومية، ويضمن حقوق الأمة من خلال تحويل القوميات الموجودة داخل تلك الأمة إلى أمم ديمقراطية تتقبل الغير، وتشارك إلى جانب بعضها البعض في إدارة تنظيمات المجتمع المدني المختلفة، لإكسابها التنوع والاختلاف، وإفساح المجال أمام جميع شرائح المجتمع في الإدارة.

2 - الوطن المشترك:

ويُعتمد هذا المفهوم كأساس لأي حلّ ديمقراطي، فالوطن لجميع المكونات بمختلف قومياتها وأطيافها، ويسهم في توطيد الأخوة والوحدة بعيدًا عن هيمنة طرف على حساب الآخر، وإنكار وجودية باقي المكونات.

3- الجمهورية الديمقراطية:

وهذا المبدأ يعني السعي إلى أن يكون النظام بعيدًا عن الدولة القوموية، ومتوافقًا مع نظام ديمقراطي معتمد، للعمل على بناء سقف جامع لجميع المكونات بشكل حقوقي، وديمقراطي دون إضفاء أي طابع قومي أو أيديولوجي أو ديني.

4- الدستور الديمقراطي:

وبحسب هذا المبدأ يتم العمل على صياغة دستور بمشاركة كافة مكونات المجتمع، ويتميز بخصوصية جعل النظام فاعلًا لتقديم الخبرات والتجارب للمجتمع، ويشكل أرضية سليمة لتلاحم الطرفين "المجتمع ونظام الإدارة الذاتية".

5- الحل الديمقراطي:

ويتخذ هذا المبدأ من دمقرطة المجتمع المدني أساسًا له، ويبحث عن نظام ديمقراطي فاعل في بنية المجتمع بدلًا عن بناء دولة جديدة، سواء عن طريق إعادة تأهيل نظام المجتمع الذي كان شكلاً من أشكال الدولة، أو هيكلة نظام الدولة الموجود، وهذا يتطلب دستورًا ديمقراطيًا، بهدف خدمة المجتمع أكثر من الدولة، ولتشكيل نوع من الترابط بين المؤسسات والمجتمع بعيدًا عن تقاسم السلطة، ويمهّد الطريق لتطوير وتقوية القوى الديمقراطية والمجتمع بأكمله.

6- وحدة الحقوق والحريات الفردية والجماعية:

ويأتي هذا المبدأ لإكساب الفرد حقوقه وحرياته وقوته التطبيقية، وتحقيق حقوقه وسط الجماعة، دون عزله عن حقوقه الجماعية، وهذا المبدأ مبني على أساس أن الحريات والحقوق لا تتحقق بدون التجمعات والأفراد.

7- الاستقلال الأيديولوجي والحرية:

وتعتمد الإدارة الذاتية على التحرر الأيديولوجي، والتخلص من الأيديولوجيات المهيمنة، معتمدة على أيديولوجية الحرية، لأنها ترى أنه من دون اللجوء إلى التحرر الأيديولوجي من الصعب إنجاح عملية الدمقرطة، التي قد تدخل تحت سيطرة أيديولوجية مهيمنة ما.

8- جدلية التاريخ والحاضر:

وتعتمد في هذا المبدأ على القراءة الصحيحة للأحداث التاريخية ومراحل تدرجها في الدرجة الأولى، لتحديد المستجدات الراهنة، ولإجراء التغيّر على الراهن حسب التاريخ الحقيقي، مستفيدة من دراسات واقعية للتاريخ بما يتعلق بالقضايا المعاشة، للخروج بحلول، واعتبار التاريخ منبعًا أساسيًّا لاستمداد القوة، والعمل على بناء الذاكرة الاجتماعية للتغلب على الضرر الذي خلّفته الحداثة الرأسمالية.

9- الأخلاق والضمير:

وترى الإدارة الذاتية في هذا المبدأ أنه من الأهمية بمكان الاعتمادُ على مبدأ الضمير وإيلائه الأهمية والأولوية على المبادئ الأخرى، واتخاذه أساسًا في كل خطوة نحو الدمقرطة، لأنه لا يمكن تطبيق الديمقراطية دون مراعاة الضمير، كما أنه لا يمكن حماية المجتمع إلا عبر حركة تفعيل الضمير الاجتماعي، ليقوم بدور تحقيق العدالة في المجتمع، والوصول بالمجتمع إلى مجتمع أخلاقي سياسي.

10- الحماية الذاتية:

وتعدّ الحماية الذاتية في الإدارة الذاتية حقًّا مقدسًا لمواجهة عمليات الاضطهاد والاستغلال الناجم عن الحداثة الرأسمالية، وترى أنه توجد حاجة ملحّة لإيجاد حلول لمشاكل الحماية الذاتية لكافة مكونات الشعب من الأفراد والجماعات، وتعتبر أن افتقار المجتمعات إلى نظام دفاعي يمهّد الطريق أمام العبودية، ويجلب الإبادات العرقية.

'الظروف التي دعت لولادة نموذج الإدارة الذاتية'

إن الانتفاضة الشعبية في آذار/ مارس 2011، والتي انطلقت للمطالبة بالحرية والديمقراطية، سرعان ما تحولت إلى صراع مسلّح بين طرفين (النظام والمعارضة) على السلطة بالاعتماد على القوى الإقليمية والدولية، ولكن في مناطق روج آفا، خرجت المكونات التي تعيش جنبًا إلى جنب برؤية مغايرة لرؤية الطرفين في المعادلة السورية.

وفي هذا السياق، يقول الرئيس المشترك للمجلس التنفيذي في الإدارة الذاتية لإقليم الجزيرة، طلعت يونس: "اختلاف رؤيتنا كان نظرًا للذهنية التي امتلكها الطرفان الراميةِ إلى السلطة، ولم تختلف رؤية الطرفين (النظام ومن أطلقوا على أنفسهم اسم المعارضة)، وهذا ما خيّب آمال الشعب السوري في الطرفين".

وأكد يونس أن ذهنية الطرفين لا تزال مستمرة رغم مرور 10 أعوام من الأزمة، موضحًا أن هذا يظهر بشكل جليّ في تغييب تمثيل إرادة الشعب السوري الحقيقية الهادفة إلى الحرية والديمقراطية.

وأشار يونس إلى أن رؤية شعوب روج آفا للأزمة السورية، واعتمادها على مشروع الإدارة الذاتية لإدارة المنطقة كانت الرؤية الأكثر صوابًا، وذلك إذا تمت مقارنة مناطق شمال وشرق سوريا مع المناطق الأخرى الخاضعة لسيطرة حكومة دمشق، ومناطق الاحتلال التركي وما يسمون بالائتلاف السوري.

'نتاج ثورة'

وهذه الرؤية أدت إلى ولادة مشروع الإدارة الذاتية كإطار ونموذج جديد لتدير الشعوب أمورها بنفسها، وإدارة مناطقها ذاتيًّا بعيدًا عن أي صراع داخلي، وللحفاظ على التعايش المشترك بين مختلف المكونات، دون الاكتراث بأي اعتبارات دينية أو مذهبية أو عرقية أو قومية.

وجاءت الإدارة الذاتية كنتاج لثورة 19 تموز 2012 التي بدأت شرارتها الأولى من كوباني، واتخذ فيها الكرد على عاتقهم قيادة الثورة في المنطقة مع باقي المكونات العربية والسريانية وغيرها.

وفي هذا السياق، يقول طلعت يونس: "كان لا بد من مشروع ديمقراطي يمثّل إرادة الشعوب، ولا بد من تحوّل ديمقراطي يعتمد على إرادة المجتمعات في إدارة نفسها، وللتخلص من النظام القوموي المركزي، ومشاركة جميع الأطياف والمكونات في صنع القرار، وتحويل إدارة البلاد إلى نظام لا مركزي".

'هدف المشروع'

وبحسب العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية، الهدف هو تحقيق العدالة والحرية والديمقراطية وفق مبدأ التوازن البيئي والمساواة دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو العقيدة أو المذهب أو الجنس، ويهدف إلى البلوغ بالنسيج السياسي والأخلاقي للمجتمع الديمقراطي إلى وظيفته المتمثلة بالتفاهم المتبادل والعيش المشترك ضمن التعددية، واحترام مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وضمان حقوق المرأة والطفل، وتأمين الحماية الذاتية والدفاع المشروع، واحترام حرية الدين والمعتقد.

وفي هذا المشروع المستمد من فكر الأمة الديمقراطية، اتخذت شعوب المنطقة من الخط الثالث نهجًا لها، فهي لم تقف إلى جانب النظام الحاكم ولا من أطلقوا على أنفسهم اسم المعارضة.

وبدأ المشروع على شكل إدارة مرحلية للمنطقة، وذلك بالتزامن مع الذكرى السنوية الأولى لثورة 19 تموز، واتفق فيها مجلس شعب روج آفا والمجلس الوطني الكردي في سوريا على تبنّي المشروع، وكذلك بعد موافقة ممثلي المكونات الأخرى، ولكن أحزاب ما يسمى المجلس الوطني الكردي انسحبت في المراحل الأخيرة قبل إعلان الإدارة، وذلك دون ذكر أي سبب.

'مراحل التطور'

وبعد إعلان أول إدارة ذاتية في شمال وشرق سوريا في منطقة الجزيرة، بدأ المشروع بالتوسع ليُعلَن في مناطق مختلفة أخرى شمال وشرق البلاد، إذ تم إعلان الإدارة الذاتية في كوباني في الـ 27 من الشهر نفسه، ليليها الإعلان عن إدارة عفرين في الـ 29 من الشهر ذاته.

وبموجب العقد الاجتماعي، رفضت شعوب مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية مفهوم الدولة القوموية والعسكرية والدينية، والمركزية في الإدارة والحكم المركزي، وانفتحت على أشكال التوافق مع تقاليد الديمقراطية والتعددية، لتستطيع جميع المجموعات الاجتماعية والهويات الثقافية والأثنية والوطنية أن تعبّر عن ذاتها من خلال تنظيماتها، واحترام الحدود السورية ومواثيق حقوق الإنسان والحفاظ على السلم الأهلي والعالمي.

'نموذج لإدارة شمال وشرق سوريا'

وبدأ الاقتداء بهذا النموذج وتطبيقه في مناطق مختلفة أخرى من شمال وشرق سوريا، بعد أن حررتها قوات سوريا الديمقراطية من مرتزقة داعش، وحملت هذه الإدارات تسميات مختلفة كالمجالس والإدارات المدنية، ابتداء من مدينة منبج، ومرورًا بالطبقة والرقة وصولًا إلى دير الزور.

ومع بدء الأخذ بالإدارة الذاتية كنموذج لحلّ الأزمة السورية، وضرورة وجود تنسيق بين الإدارات الذاتية والمجالس والإدارات المدنية المشكّلة في شمال وشرق سوريا، ولإزالة العوائق التي بدأت تعترض الأهالي نتيجة غياب التنسيق، أعلن في الـ 6 من أيلول 2018 عن تشكيل إدارة ذاتية لشمال وشرق سوريا، مهمتها التنسيق بين الإدارات وتوحيد القرارات.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً