الإدارة الذاتية.. نموذج حقيقي مُطبق لخروج سوريا من النفق المظلم -2

تواجه الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا تحديات جمّة، بسبب التدخلات الخارجية الرافضة لنظام ديمقراطي في المنطقة، وهذا ما يؤثر في الإدارة وشعوب المنطقة ككل، ولكن تسعى الإدارة بكافة إمكاناتها لتلافي النواقص والارتقاء بعملها نحو الأفضل.

تحديات وعراقيل

في هذا الجزء من ملفنا، سنتطرق إلى التحديات والصعوبات التي تواجه الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا والنواقص التي تعانيها، وكيفية تلافي هذه النواقص.

صعوبات تواجهها الإدارة بمفردها

استطاعت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا خلال عامين من تأسيسها على وضع القوانين الكفيلة بإدارة المجتمع وتنظيمه من كافة النواحي، إلى جانب تقديم الخدمات للمواطنين، ولكن مقابل عملها المستمر، فإن هناك صعوبات جمّة تصادفها.

والصعوبات الأساسية التي واجهت الإدارة الذاتية وما زالت تواجهها، بحسب الرئيسة المشتركة للمجلس التنفيذي للإدارة الذاتية بيريفان خالد، هي أن المنطقة كانت مدَمّرة، وعانت من ويلات الحرب التي استمرت أكثر من 9 سنوات من وجود داعش وهجمات تركيا، وبهذا باتت البنية التحتية مدمرة في جميع القطاعات، إضافة إلى محاولات أطراف متعددة خلق الفتن بين مكونات المنطقة لإفشال الإدارة، مثلما حدث مؤخرًا في ريف دير الزور.

والتحدي الأكبر بحسب بيريفان، كان الهاجس الأمني وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة، وقالت في هذا السياق: "انتهينا من داعش جغرافيًّا، ولكن ما تزال المنطقة تعاني من تبعاته ومن فكره".

ورغم القضاء على داعش جغرافيًّا إلا أن هناك خلايا نائمة له في المنطقة تستهدف العاملين في مؤسسات الإدارة الذاتية وخصوصًا في دير الزور، إلى جانب وجود أكثر من 12 ألف داعشي معتقلين في السجون و65 ألف من أسرهم.

والتحدي الآخر الذي تواجهه الإدارة الذاتية هو تأمين احتياجات النازحين، إذ استقبلت مناطق الإدارة الذاتية عشرات الآلاف من النازحين من مختلف المناطق السورية، ومع العدوان التركي واحتلاله لمناطق في شمال وشرق سوريا "عفرين، سري كانيه وكري سبي"، نزح مئات المدنيين من هذه المناطق.

وفي هذا السياق، شيّدت الإدارة أكثر من 15 مخيمًا في جغرافية المنطقة، وتقول بيريفان خالد "عقب الاحتلال واجهت الإدارة كارثة إنسانية من نزوح آلاف المدنيين وتوجههم إلى المخيمات، حاولنا تقديم ما يمكننا من مساعدات، لكننا على يقين بأن ما نقدمه لا يفي بالغرض، وللأسف واجهنا هذه الكارثة وحيدين أمام صمت المجتمع الدولي، واعتمدنا على مقدراتنا الذاتية، مع دعم خجول من بعض المنظمات".

ولفتت بيريفان النظر إلى إغلاق معبر تل كوجر/اليعربية أمام دخول المساعدات الإنسانية الأممية إلى المنطقة وقالت: "إن إغلاق المعبر يزيد من احتمالات حدوث كارثة إنسانية في المنطقة، ولاسيما مع قرب الدخول في فصل الشتاء حيث تزداد احتياجات النازحين".

وأشارت بيريفان إلى تحمل الإدارة المسؤولية عن مخيم الهول الذي يضم عشرات الآلاف من أسر مرتزقة داعش واللاجئين العراقيين، وتنصل المجتمع الدولي عن إدارته وتأمين احتياجاته.

ومن جانبه قال الرئيس المشترك للمجلس التنفيذي للإدارة الذاتية عبد حامد المهباش: "فيما يتعلق بملف النازحين فهو ملف معقد، فهناك العديد من المخيمات، وأكبر تجمع للنازحين موجود في مخيم الهول ويبلغ 65 ألف نازح، منهم سوريون وعراقيون وأسر داعش".

وانتقد المهباش تقاعس المنظمات الإنسانية عن تقديم الدعم لهم، وقال: "الدعم المقدم من قبل المنظمات قليل جدًّا، وهذا عبء وتحدٍ كبير يواجه الإدارة الذاتية التي تقدم الخدمات لتلك المخيمات".

ومن الصعوبات الأخرى التي تواجهها الإدارة بحسب المهباش، وباء كورونا المنتشر في العالم وفي مناطق الإدارة الذاتية كون البنية الصحية للمنطقة هشة نتيجة الحروب التي تعرضت لها المنطقة.

ورغم القضاء على داعش جغرافيًّا، يؤكد المهباش أن المنطقة ما تزال تتعرض للهجمات ولكن هذه المرة من قبل الاحتلال التركي، مثلما حصل في تشرين الأول 2019 وتسبّبه بتهجير أكثر من 300 ألف مدني من مناطقهم.

بالإضافة إلى قطع الاحتلال التركي المياه عن منطقة الحسكة، وفي هذا السياق يقول المهباش: "الإدارة أمام تحدٍ كبير لإعادة إرواء مدينة الحسكة بالمياه"، مؤكدًا أنهم يعملون بكل طاقتهم لإيصال المياه إلى المدينة عبر مشاريع استراتيجية يعملون على تنفيذها الآن.

فيما تؤكد بيريفان خالد بأنهم تمكنوا من تجاوز بعض التحديات بعزم وإرادة كافة هيئات الإدارة إلى جانب التفاف الشعب حولها.

عقدة الحل السياسي والعداء للإدارة الذاتية

وترى بيريفان خالد أن من الصعوبات الأكثر تعقيدًا هو عدم الوصول إلى حل سياسي في سوريا عامة وفي مناطق شمال وشرق سوريا خاصة، وسط تأكيدها على سعيهم إلى تحقيق أهداف الإدارة الذاتية ودفعها لتكون نموذجًا لحل أزمات المنطقة ككل.

وفي هذا السياق، سعت الإدارة الذاتية مرارًا للوصول إلى حل سياسي للأزمة السورية، بحيث تنال كافة المكونات حقوقها المشروعة، وخاصة عبر المفاوضات والمحادثات مع الحكومة السورية ومع منصات المعارضة.

إلا أن العملية التفاوضية ما بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية ظلت عالقة، نتيجة تعنت الحكومة واتباعها سياسة الباب المغلق.

وفي هذا السياق، يقول المعارض والمحلل السياسي السوري غياث نعيسة: "إن أطراف المعارضة «الرسمية» تحولت إلى توابع لدول «الائتلاف لتركيا»، وهيئة التفاوض تتقاسمها الدول المتدخلة مثلها مثل اللجنة الدستورية، وهنالك منصات «للمعارضة» تحمل أسماء عواصم الدول التي ترعاها".

والتجربة الملموسة، تؤكد أن أيًّا من هذه الدول المتدخلة والأطراف التي تدّعي بأنها معارضة، تخشى مشروع الإدارة الذاتية، لأنها تقدم نموذجًا مختلفًا لما ترغب به بإعادة إنتاج النظام معدلًا قليلًا، فهي لا تعنيها قضية الإدارة الذاتية إن لم تكن تعاديها، لأنها نقيض لحل سياسي يقوم على محاصصة طائفية أو سياسية، ولأنها، أي الإدارة الذاتية، بطبيعتها تحمل دينامية ديمقراطية وتحررية.

ويضيف نعيسة: "مشروع الإدارة الذاتية ليس له «أصدقاء» حقًّا من بين كل هذه الدول المتدخلة في البلاد، وأيضًا للأسباب ذاتها تعرضت، وماتزال، إلى اعتداءات وحصار كبير، تدفع هذه الدول، والنظام، إلى إشعال العداء ضد الإدارة وفي مواجهتها، بدءًا من التهييج القومي الشوفيني والعشائري وغير ذلك هذا الاحتقان الشوفيني، تشارك فيه قوى سياسية تعتبر نفسها ديمقراطية ومعارضة".

نواقص في الإدارة

إن الإدارة الذاتية تجربة جديدة يتم تطويرها في المنطقة، ورغم الجهود الكبيرة التي تقدمها إلا أن عملها لم يصل إلى المستوى المطلوب.

فالإدارة الذاتية تتخذ من الكومينات والمجالس المحلية أساسًا في اتخاذ القرارات، لأنها مسؤولة عن إدارة السياسات والممارسات اليومية في مجتمعاتها المحلية.

إلا أنه تراجع دور الكومينات مؤخرًا في تنظيم المجتمع نتيجة ضعف الإدارة الذاتية في تطويرها وعدم نظر بعض العاملين فيها بجدية لهذه الكومينات.

وفي هذا السياق، يقول عبد حامد المهباش: "إن الحياة الكومونالية هي حالة اجتماعية تبدأ من أصغر خلية وهي خلية الكومين ومن ثم المجالس والإدارات، ويتم اتخاذها كمبدأ أساسي لنظام الإدارة الذاتية لتطبيق النظام اللامركزي ومعناها أن يقوم الشعب بإدارة نفسه".

ويضيف، بأن فكرة الكومين، فكرة جديدة، وتحتاج للتطوير مع الزمن، فتسعى الإدارة الذاتية إلى تطوير وتفعيل فكرة المجتمع الكومينالي، حيث تستطيع القرية أن تدير نفسها وأن تقوم بإدارة مرافقها، وبالتالي تصل إلى المستوى الإداري بشكل عام.

كيف تواجه الإدارة الذاتية التحديات والنواقص؟

تعمل الإدارة الذاتية بكافة جهودها على الرفع من سوية عمل الهيئات، والإدارات المدنية عبر تهيئة العاملين فيها وتوعيتهم حول كيفية تسيير وتوفير الخدمات للشعب بطريقة أخلاقية وديمقراطية، إلا أن المنطقة تفتقر إلى الكوادر الإدارية الملّمة بالعمل.

ويقول عبد حامد المهباش: "مرت الإدارة خلال العاميين الماضيين بفترة مليئة بالعمل الدؤوب والمستمر، فالبنى التحتية لكافة الإدارات شبه مدمرة وخاصة القطاع الصحي والتربية والتعليم والزراعة والري والخدمات، لذلك كان يستلزم من كافة الهيئات مزيدًا من العمل الجاد من أجل إعادة إعمار هذه القطاعات لتقوم بتقديم أفضل الخدمات للمواطنين على مستوى الإدارات السبعة".

ويضيف، أن كافة الهيئات استطاعت وضمن الإمكانات المتاحة إعادة إعمار هذه المؤسسات وإعادة تأهيل مشاريع الري للفلاحين، وإرواء مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية التي دمرتها الحرب، وافتتاح العديد من المشافي والمراكز الصحية، وإعادة تأهيل البنية التحتية الصحية، ولكنه أكد أن "الخدمات المقدمة لا ترتقي إلى مستوى الطموح".

ويؤكد المهباش، أن الإدارة الذاتية سترتقي إلى مستوىً أفضل من تقديم الخدمات وتهيئة جو معيشي وسياسي واقتصادي وأمني مناسب بدعم وتعاون الشعب معها.

'يجب تحويل الإدارة إلى نموذج وطني ملهم للسوريين جميعًا'

ويرى المعارض والمحلل السياسي السوري غياث نعيسة، أن الأعداء الكثر وظروف الحرب والحصار التي تتعرض لها الإدارة الذاتية تعمل على مفاقمة العراقيل داخل مشروع الإدارة الذاتية نفسه، مثل حالة الفساد وضعف المشاركة الشعبية والخدمات والتشوش المتتالي للمواقف السياسية والسياسات الاجتماعية والاقتصادية، وتضخم الجهاز البيروقراطي، والتي تشكل عائقًا أمام إمكانات تطوير مشروع الإدارة الذاتية وتحويله إلى مشروع وطني لعموم السوريين، بل وفي المنطقة، وأن يصبح تجربة ملهمة لشعوب المنطقة.

ويقول نعيسة: "إن ما يجب القيام به في مواجهة المخاطر والتحديات هو تحديد العمل العاجل والجدي على تحويل مشروع الإدارة إلى نموذج وطني ملهم فعليًّا لعموم السوريين وشعوب المنطقة، ولا يمكن ذلك إلا بالاستناد إلى طاقات الجماهير والشعوب والقوى الديمقراطية واليسارية الجذرية باعتبارها الحامل الأساسي لهذا المشروع.

ورغم جميع الصعوبات التي تواجهها الإدارة الذاتية داخليًّا والهجمات التي تتعرض لها من الخارج، إلا أنها استطاعت مقارنة مع مناطق سيطرة الحكومة السورية ومناطق سيطرة المجموعات المرتزقة التابعة لتركيا، أن تحافظ على الأمن والاستقرار وتوفر الاحتياجات الأساسية للمواطنين، وأن تدير شؤون المنطقة بطريقة ديمقراطية، وهذا ما يجعل شعوب المنطقة ترى فيها النموذج الأفضل للإدارة.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً