الحزب الديمقراطي الكردستاني  يسلم هولير رهينة لتركيا

الحزب الديمقراطي الكردستاني PDK يسند ظهره صراحة إلى حزب العدالة والتنمية والحركة القومية التركية، لكن هذين الحزبين الفاشيين متورطان في الكثير من الأعمال غير القانونية سواء في تركيا أو خارجها، من خلال دعم المرتزقة وتدخلهما في الدول الإقليمية، ومؤخراً في قره باغ/آرتساخ.

الحكومة التركية الحالية بقيادة العدالة والتنمية والحركة القومية تعيش في مأزق كبير، من حيث تعمق الأزمة الاقتصادية وارتفاع البطالة والعديد من الأمور الداخلية التي لم تُحل بعد في تركيا، إلى جانب الاعتقالات بشكل عشوائي في باكور كردستان، إذ اعتقلت الآلاف من أعضاء حزب الشعوب الديمقراطي HDP، فضلاً عن الاستيلاء على البلديات التي فاز بها حزب الشعوب الديمقراطي في انتخابات آذار المنصرم.

لكن على ما يبدو أن الحزب الديمقراطي الكردستاني مازال متمسكاً بالقيادة التركية الحالية، وبات خاضعاً لأمر السلطات التركية بل بات أداة تتحكم بها تركيا لتنفيذ أجنداتها في المنطقة، والتي تهدف بشكل أساسي إلى تقويض حركة حرية كردستان، كما تدفع تركيا الديمقراطي الكردستاني إلى اتخاذ الطرق غير القانونية لمضايقة حركة الحرية بكافة الأشكال.

 ويبدو أن الديمقراطي الكردستاني نسي فضل حزب العمال الكردستاني إبان هجمات مرتزقة داعش على مناطق واسعة من باشور كردستان، عندما استجابت قوات الكريلا لنداء مسعود البارزاني وتدخلت بشكل مباشر وقاتلت إلى جانب البيشمركة في كل من كركوك وخانقين وجلولاء وشنكال، وأنقذت باشور من كارثة كبيرة، في الوقت الذي رفضت فيه تركيا نداء البارزاني لمواجهة خطر داعش، وكانت تنتظر من خلف الحدود ليلة سقوط هولير.

منذ أن وصل مسرور البارزاني إلى سدة الحكم في جنوب كردستان 2019 وحتى الوقت الحالي لم يغلق باشور كردستان ملف الخلافات مع الحكومة المركزية، وخاصة الملفات المتعلقة بالنفط، وبحسب تفاهمات بين بغداد وهولير تقضي بتسليم هولير نفطها إلى شركة "سومو" بواقع 250 ألف برميل يومياً من أصل 450 ألف مقابل تفاهمات تسمح بوضع حصة باشور في موازنة البلاد، عدا عن ذلك ما تزال الخلافات بين هولير وبغداد قائمة، وخاصة فيما يتعلق بالأمور الاقتصادية، ومنها واردات المعابر الحدودية التي تسيطر عليها حكومة هولير إلى بغداد لتسلمها إلى الحكومة المركزية، لتقوم هي بدورها بإرسال رواتب موظفي باشور كل شهر.

ووفقاً لذلك ينبغي على بغداد إرسال 453 مليار ديناراً عراقياً سنوياً أي ما يعادل 380 مليون دولار امريكي شهرياً، لكن رغم المباحثات التي جرت خلال العام الحالي، لم يعلن الطرفان الوصول إلى تفاهم نهائي بخصوص الموازنة المالية.

 هذه الأمور أدت إلى استياء شعبي في باشور كردستان وخاصة من قبل الموظفين، حيث لم تدفع حكومة باشور رواتب الموظفين بشكل كامل لهذا العام، وقد دفعت حتى الآن رواتب أربعة أشهر رغم اقتراب انتهاء هذه العام، فضلاً عن اقتطاع 21% من راتب كل موظف بذريعة دفع الديون المتراكمة على الحكومة.

الأزمة الاقتصادية التي يعيشها باشور تعود إلى عدة أسباب، منها أن العديد من آبار النفط بيد مسؤولي الحكومة وشخصيات ورؤساء الأحزاب، فضلاً عن اتفاق الحزب الديمقراطي الكردستاني المنفرد مع تركيا لمدة خمسين عاماً من دون مراجعة الحكومة المركزية ولا حتى حكومة باشور، أي أن هذه الاتفاقية جرت بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وتركيا فقط، ناهيك عن تأجير العديد من الآبار النفطية إلى تركيا والتي تتحكم في تصديرها إلى تركيا دون قيود، هذا الانفراد من الجانب الديمقراطي الكردستاني يذهب باقتصاد وسياسة باشور نحو الهاوية.

إلى جانب هذه الأزمات التي يعيشها باشور، ما تزال الخلافات بين الأحزاب المشاركة في الحكومة قائمة على قدم وساق، وكل حزب مشارك يطالب بحصته من الحكومة، لكن الحكومة نفسها مفلسة وغير قادرة على سد احتياجات شعبها، ولسد الطريق أمام مطالب الأحزاب والشعب، أعلن رئيس الحكومة مسرور البارزاني خلال كلمته في جلسة البرلمان في الخامس من تشرين الأول الماضي أن "ديون حكومة إقليم كردستان تبلغ 28 مليار و475 ألف دولار"، لكن يجب أن نسأل من المسؤول عن هذه الديون؟، وكيف لحكومة عمرها سنة أن تعلن عن إفلاسها أمام البرلمان والشعب؟.

في الحقيقة إن الفساد الموجود داخل الحكومة هو من أوصلها إلى هذه الدرجة، فضلاً عن تسليمها لجميع المرافق الاقتصادية والسياسية لتركيا، وباتت تركيا تحلب باشور بمشيئتها وتسرق خيرات الشعب.

أمام هذه الفساد المستشري داخل حكومة هولير والوضع الاقتصادي المزري، فقد خرجت العديد من المظاهرات، لكن الحزب الديمقراطي واجهها باعتقالات عشوائية، حيث طالت هذه الاعتقالات العديد من النشطاء والصحفيين والسياسيين وحتى معلمي المدارس في المناطق الخاضعة لسيطرته في هولير ودهوك وزاخو، بهدف إسكات صوت المطالبين بالحرية والاستمرار في حكم في باشور كردستان، ومازال العشرات من هؤلاء معتقلين في سجون الديمقراطي الكردستاني، كما أن هذه الاعتقالات العشوائية فتحت المجال أمام حركة الهجرة، حيث وصل الآلاف من الشبان هذا العام إلى الدول الأوروبية خوفاً من ملاحقات الأجهزة الأمنية التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني، ووفقاً لإحصائيات منظمة القمة المعنية بشؤون اللاجئين فإن 32 ألف شخص بينهم 20 ألف شاب/ة من سكان باشور هاجروا العام الحالي، وحذّرت المنظمة من ارتفاع العدد إذا لم توفر السلطات فرص العمل أمام الفئة الشابة.

إلى جانب كل هذه الأزمات أيضاً، فقد أدى القصف التركي المتواصل إلى إخلاء المئات من القرى الحدودية، فضلاً عن ارتكاب تركيا العديد من المجازر، وكان آخرها في قرية "كاني ماسي" التي لا تبعد عن مركز مدينة السليمانية سوى 20 كم، إلى جانب عدم توفر المقومات الأساسية لتلك القرى، حيث لا تتوفر فيها شبكات الاتصال ولم تصلها شبكة الكهرباء والمياه، ولنتساءل من تسبب بهذه الهجرة وأحجم عن تقديم الخدمات وأفرغ تلك القرى؟

ولم تقتصر خلافات الحزب الديمقراطي الكردستاني على بغداد وحدها، بل إن الخلافات الرئيسية هي مع الاتحاد الوطني الكردستاني والعديد من الأحزاب المشاركة في الحكومة، حيث وصلت هذه الخلافات إلى درجة أن الاتحاد الوطني كشف نيته الإعلان عن النظام اللامركزي في المناطق الخاضعة لسيطرته.

هذا الإعلان المنفرد من الاتحاد الوطني سرّع من تدخل القوى الخارجية لوقف الاتحاد الوطني ومنعه من اتخاذ أي خطوة في هذا الاتجاه، واجتمع الطرفان في مدينة "دوكان"، وعلى ما يبدو تنازل الديمقراطي الكردستاني عن بعض الأمور لصالح الاتحاد الوطني، الأمر الذي جعل الأخير يتكتم على الموضوع.

وبالإضافة إلى ما تم ذكره أعلاه يتهم الاتحاد الوطني الحزبَ الديمقراطي الكردستاني بإبرام اتفاقيات مع تركيا تهدد سيادة باشور، وذكر هاوكار الجاف وهو عضو في الاتحاد الوطني لوسائل إعلامية في الآونة الأخيرة، أن الديمقراطي الكردستاني أبرم اتفاقاً مع تركيا يسمح لها بالدخول إلى عمق أراضي باشور كردستان وإنشاء قواعد عسكرية، وبلغ عدد القواعد التركية الموجودة ضمن أراضي باشور 30 قاعدة عسكرية، فضلاً عن تواجد الآلاف من الجنود والعشرات من المراكز الاستخباراتية (الميت) في المدن والقرى بباشور كردستان.

الحكومة الحالية تعيش أزمات حقيقية لم تتمكن من تجاوزها، حتى أن الخلافات موجودة داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني نفسه، وأصبح كل من نيجرفان البارزاني ومسرور البارزاني جناحين يتنافسان على العديد من الأمور، وخاصة من الناحية الاقتصادية حيث يحمّلان بعضهما  مسؤولية إفلاس الحكومة وتراكم الديوان عليها.

هذه الاتفاقيات المبرمة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وتركيا أجبرته على تسليم باشور كردستان إلى تركيا، وأصبح الديمقراطي الكردستاني دمية بيدها، وكشفت وثائق ويكيليكس في 2016 عن إرسال وزير الموارد الطبيعية في باشور كردستان آشتي هورامي رسالة الكترونية إلى وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركية براءت آلبيراق ، عَرض فيها بيع عدد من الحقول النفطية في باشور مقابل مبلغ خمسة مليارات دولار.

إن التحركات العسكرية التي بدأت في نيسان/أبريل الماضي في منطقة زيني ورتي ومؤخراً في مناطق غاري ومتينا وحتى زاب، جاءت بأوامر تركية بحتة، كما أن القوات المرافقة لهذه الآليات التي تتوجه إلى المناطق القريبة من الكريلا هي قوات تابعة للديمقراطي الكردستاني وليس لها علاقة بالبيشمركه حيث ينفي الاتحاد الوطني أي صلة له بهذه التحركات وأكد القيادي في الاتحاد الوطني محمود سنغوي أن البيشمركة المنتشرة في غاري ليس لها علاقة بوزارة البيشمركة، وهو خير دليل على ذلك، وأغلب الظن أن تلك القوات المرافقة لهذه الأرتال العسكرية هي بعض من الجماعات المأجورة مثل ما يسمى بيشمركة روج أو حتى جماعات مرتزقة سورية أخرى جلبتها تركيا إلى هذه المناطق وبلباس البيشمركة.

يحاول الحزب الديمقراطي الكردستاني وبالتعاون مع الدولة التركية بشتى الوسائل الخروج من الأزمة الحالية التي يعيشها، كما يحاول إشعال جبهة مع حزب العمال الكردستاني والاستفادة منها من أجل السيطرة وتمديد حكمه، وهذه التصرفات الحالية التي يقوم بها الديمقراطي الكردستاني تذكرنا بسياسات الدولة التركية في قمع مطالبي الحرية وخلق أزمات خارجية للخروج من أزمتها الداخلية، وتوجيه نظرة الشعب إلى المشاكل الخارجية وليس الداخلية التي تعاني منها هي نفسها.

وفي حال فشل مؤامرة تركيا والحزب الديمقراطي الكردستاني لإشعال نار حرب الإخوة، أعتقد أن باشور كردستان سيشهد أحداثاً مماثلة لما حدث في تموز 2016 في تركيا (الانقلاب المزعوم)، ولو استرجعنا ذاكرتنا فسوف نستنتج ذلك، وبدأت بالفعل سلطات الحزب الديمقراطي باتجاه هذه الخطوة حيث اعتقلت عدداً من الأشخاص وأعلنت عنهم من خلال بيان باسم "مجلس الأمن" الذي ورد فيه إعلان إحباط ما وصفته "عمليات تخريبية بتخطيط من حزب العمال الكردستاني".

لكن الاتحاد الوطني نفى ما ورد في هذا البيان، وعلى ما يبدو أن الحزب الديمقراطي الكردستاني يتحضّر لمؤامرة جديدة في باشور، وربما يستأجر بعض الأشخاص لإحداث أعمال شغب في مناطقه، والإعلان عن انقلاب ضد الحكومة، وبدون شك سيتهم أحزاب كردستانية في باشور كردستان بذلك للخروج من أزمته ، كما اتهم العدالة والتنمية في تركيا عام 2016 حركة فتح الله غولان للخروج من أزمته ، وإظهار نفسه الحزب المنقذ والوحيد الذي يرى مستقبل باشور، وبالتالي إضعاف الحركات الكردية والتقاعس من أجل تحقيق الوحدة


إقرأ أيضاً