الحرية تتحقق بروح الأول من حزيران

خليل جمال

إننا نمر بمرحلة تشهد فيها أجزاء كردستان الأربعة والشرق الأوسط بشكل عام تحولات جذرية هامة. ومما لا شك فيه أن التحولات الجارية في المنطقة، والتي تعتبر مركزاً للحرب العالمية الثالثة، غير منفصلة عما يجري في العالم بشكل عام. وبمعنى آخر فإن كردستان والمنطقة ما زالت تحتفظ بدورها المحوري سواء من الناحية الجغرافية أو من ناحية تطور البشرية. القوى الكونية تواصل مساعيها التقسيمية وتسعى إلى إعادة تنظيم العالم.

التطورات والمستجدات التي تحدث في كردستان تنطوي على دور مهم بالنسبة للمنطقة وللإنسانية بشكل عام، سواء من الناحية التاريخية أو الجيوسياسية. كما أن القوة الطليعية لتقرير المصير تتمثل بالقائد آبو وبحزب العمال الكردستاني. لذلك فإن المنطقة تشهد منذ العقود الثلاثة المنصرمة حرباً كبيرة بين القوى الكونية والإقليمية المتحالفة معها من جهة، والقائد آبو وحزب العمال الكردستاني من جهة أخرى. بعد حرب الخليج الأولى تحالفت الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو وحكومة هولير التي تأسست من قبل إسرائيل، مع الدولة الفاشية التركية من أجل إعادة فتح المنطقة أمام التقسيم. محاولة الاغتيال التي جرت في الـ 6 من شهر أيار عام 1996 في دمشق ضد القائد، ومؤامرة الـ 9 من تشرين الأول التي ظهرت بعد اتفاقية 1998 بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في واشنطن، وفيما بعد اعتقال القائد في مؤامرة 15 شباط، هذه الأحداث جميعها تعتبر مراحل مهمة للحرب العالمية الثالثة.

ومع اعتقال القائد تم تصعيد مساعي القضاء على الكريلا وعلى حزب العمال الكردستاني، وبدأت مساعي إعادة تقسيم المنطقة في إطار المشروع الكبير الخاص بالشرق الأوسط. وفي هذا الإطار جرت تغييرات حكومية في تركيا وتم تعيين أردوغان وحزب العدالة والتنمية في السلطة. وتم تكليف رجب طيب أردوغان بالرئاسة المشتركة  لمشروع الشرق الأوسط الكبير. هذه الرئاسة المشتركة سمحت للناتو بتقديم مختلف أشكال التنازلات إزاء كل التدخلات والإجراءات والمستجدات في الشرق الأوسط، وطبعاً فإن الأحداث التي تلت ذلك أثبتت هذا الأمر.

بعد اعتقاله بدأ القائد آبو في إيمرالي مرحلة جديدة ذهنية من أجل إفشال المؤامرة، وحذر من حرب محتملة بين الكرد والترك. ورداً على ذلك قال رئيس الوزراء التركي بولند أجويد "أنا لا أفهم لما قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتسليم عبدالله أوجلان لنا". الحقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت ترغب بتوجيه رسالة مفادها "إما أن تقوموا بإعدام أوجلان كزعيم للإرهابيين" أو "ستبدأ حرب الكرد والترك".

بعد أن نجح القائد آبو من خلال نظرية جديدة في إنقاذ حزب العمال الكردستاني من مرحلة تصفية مؤكدة على يد الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو احتلت الولايات المتحدة العراق في عام 2003 واسقطت نظام صدام. وأسست كياناً من أجل جنوب كردستان. وكان هذا الكيان في جنوب كردستان  بمثابة كيان رسمي من أجل القوى الدولية المتسلطة على المنطقة.

بمبادرة من القائد آبو بدأت مرحلة هدنة من طرف واحد حيث بدأت قوات الكريلا بتوجيه من القائد آبو بالانسحاب إلى جنوب كردستان في الأول من شهر أيلول عام 1999. وخلال فترة الانسحاب استشهد أكثر من 500 من مقاتلي الكريلا إثر هجمات الدولة الفاشية التركية.

بعد الانسحاب عقد المؤتمر السابع لحزب العمال الكردستاني في أواخر عام 1999 وبداية عام 2000. وساهم المؤتمر وكذلك القائد في إعادة التنظيم وبداية مرحلة التغيير. الأطراف التي كانت تتحرك بشكل خفي وتروج لفكرة أنه لا حاجة لوجود الحزب والكريلا، بدأوا بتنظيم صفوفهم بعد هجوم الولايات المتحدة الأمريكية في العراق. والحقيقة أن هذا التوجه سيطر على قيادة الحزب لفترة معينة. وكانت تلك الفترة بمثابة إعادة اتفاقية الجزائر بالنسبة لحزب العمال الكردستاني.

وبموجب المستجدات الحاصلة فقد ظهر كيان كردستاني بموجب الدستور العراقي، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو يسعيان إلى نشر وتعميم هذا الكيان في جميع أجزاء كردستان. ولكن فيما بعد ظهر أن الهدف لم يكن كذلك، بل كان الهدف هو تصفية حزب العمال الكردستاني ومن ثم إعادة النظر في كيان جنوب كردستان. على سبيل المثال أثناء هجوم داعش، لولا وجود حزب العمال الكردستاني والكريلا لكان سائر جنوب كردستان وبشكل خاص هولير تعرضت للمجازر. كما أن المواقف الدولية التي ظهرت إبان استفتاء استقلال كردستان تؤكد هذه الحقيقية. جميع القوى الغربية وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية، تركت كركوك والمناطق المتنازع عليها للاحتلال العراقي. الدولة التركية الفاشية  التي تحاول اليوم احتلال كردستان وتحت ذرائع  واهية قالت "سوف نقطع الماء والخبز، ليموتوا جوعا".  ونفسها الدولة التركية الفاشية التي قالت هذا الكلام، والتي ما زالت صديقة الحزب الديمقراطي، لم تستجب لدعوة الحزب الديمقراطي وطلبه المساعدة ضد هجمات مرتزقة داعش. بل قامت بتنظيم داعش من أجل إبادة الشعب الكردي وبشكل خاص إبادة الشعب الإيزيدي.

بدأت مرحلة إيديولوجية وتنظيمية فعالة داخل حزب العمال الكردستاني ضد القوى التي ظهرت داخل الحزب بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، والتي وصفها حزب العمال الكردستاني بـ  "الخيانة الداخلية". وفي الأول من حزيران عام 2004 اتخذ القرار بإطلاق "الحملة الثورية" كتعبير عن انتصار الكفاح داخل الحزب ضد مساعي التصفية. ومع اتخاذ هذا القرار الذي وصفه القائد آبو بـ الولادة الثالثة دخلت الحركة الآبوية مرحلة جديدة من إعادة البناء وتمكين الحزب. هذه الحملة هي المرحلة الاستراتيجية الثالثة في تاريخ نضال الحرية، وتطورت من النواحي الإيديولوجية والتنظيمية. في هذه المرحلة الاستراتيجية "تطورت "استراتيجية النضال السياسي والديمقراطية" وكذلك المساعي التنظيمية والسياسية السلمية بطليعة منظومة المجتمع الكردستانية.

المرحلة الاستراتيجية الثالثة، انتهت في الأول من حزيران عام 2010 مع قرار "المرحلة الثورية" الجديدة، وذلك بعد أن أطلقت حكومة العدالة والتنمية الفاشية في الـ 14 من نيسان عام 2009 هجمات الإبادة السياسية. هذا القرار الجديد استند في توجيهاته الإيديولوجية والتنظيمية على  قرار الأول من حزيران عام 2004.

وكانت هذه المرحلة هي بداية مرحلة استراتيجية في نضال الحرية تحت عنوان "استراتيجية حرب الشعب الثورية". لأن الدولة التركية الفاشية كانت قد أطلقت هجومها من أجل عرقلة النضال الديمقراطي المشروع. وبهدف أن تكون هذه المرحلة ديمقراطية وسلمية ومرحلة مفاوضات، وسد الطريق أمام حرب كردية تركية، فإن القائد آبو أطلق سلسلة مبادرات في إطار "مسيرة السلام". الحكومة الفاشية استغلت هذه المرحلة من أجل تعزيز قوتها واستمرارية سلطتها، وبعد عام 2014 أطلقت هجمات موسعة في جميع أجزاء كردستان، وقضت على أي فرصة للنضال السياسي والقانوني الديمقراطي، انطلقت من عفرين وقامت باحتلال روج آفا منطقة تلو الأخرى. وأنشأت مؤسسة احتلال وواصلت سياسات إبادة الشعب الكردي. وتم استخدام مرتزقة داعش وباقي التشكيلات المرتزقة كأداة ووسيلة أساسية من أجل تنفيذ خطة الٍإبادة وإعادة هندسة المجتمع. وعندما تم دحر هجمات هذه القوى، تدخل الجيش التركي في الهجوم، وهو يعتبر ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، وذلك بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وحلف الناتو.

ولأن كل هذه الهجمات فشلت جراء المقاومة التاريخية، بدأت الدولة الفاشية التركية ومرة أخرى بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو بالهجوم على جنوب كردستان. الهدف الرئيس لهذا الهجوم هو القضاء على الكريلا التي تعتبر المحرك الأساسي للمقاومة في سائر أجزاء كردستان، وبشكل خاص ضد مساعي احتلال جنوب كردستان وشنكال. وبمعنى آخر، فإن الفاشية تسعى من خلال هذا المخطط  إلى كسر مقاومة الكريلا، وإزالة جميع العوائق أمامها من أجل احتلال جنوب كردستان وروج آفا. وبهذا الشكل سوف يتم استكمال حدود "الميثاق المللي" الذي هو الهدف الأول للعثمانية الجديدة.

وكما فعلت في سوريا وليبيا، فإن تركيا تهدف إلى السيطرة على كامل الأراضي العربية. ولذلك فإن أخطار الفاشية لا تهدد الشعب الكردي فقط، بل تهدد جميع شعوب المنطقة. فكما أن فاشية هتلر ارتكبت الجرائم ضد الإنسانية جمعاء، وبدأت من اليهود وحاولت فيما بعد السيطرة على العالم، فإن فاشية حكومة العدالة والتنمية والحركة القومية تهدد سائر شعوب المنطقة بدءاً من الشعب الكردي. وبصفته الرئيس المشارك لمشروع الشرق الأوسط الكبير، فإن حكومة أردوغان وبهجلي ترتكب جرائم كبيرة ضد الإنسانية. وترتكب هذه الجرائم بدعم وأسلحة حلف الناتو. وعليه، وكما أن جميع الشعوب والقوى المناهضة للفاشية تمكنت عبر حلفها الديمقراطي من دحر هتلر، فإن الحل الوحيد للتصدي لهجمات الاحتلال ومساعي الإبادة التي تنتهجها الدولة الفاشية التركية، هو استراتيجية "حرب الشعب الثورية" ولا خيار آخر أمام شعوب المنطقة وبشكل خاص أمام الشعب الكردي.

لذلك يجب النظر إلى "حملة الأول من حزيران الثورية" كاستراتيجية من أجل "ضمان الحرية وإنهاء الاحتلال والفاشية"، وأن لا تعتبر كاستراتيجية تخص جزءاً واحداً من كردستان. بمعنى أن قرار الأول من حزيران هو بمثابة الدليل والمرشد في نضال الحرية من أجل جميع شعوب المنطقة. هذا النضال قائم على المقاومة ضد الفاشية والاحتلال. وعلى هذا الأساس يجب تقييم متطلبات المرحلة الثالثة والرابعة الاستراتيجيتين، وكذلك النضال من أجل ضمان الحرية الجسدية للقائد آبو بشكل مترابط وغير منفصل.

وعليه فإن استراتيجية حرب الشعب الثورية، سوف تؤدي إلى القضاء على الفاشية والاحتلال من خلال النشاطات المنظمة والمشتركة لجميع أبناء الشعب الكردستاني وشعوب المنطقة. الشعوب التي تدافع بهذا الشكل عن وجودها سوف تنال حريتها.

(ك)