الحرب الخاصة سلاح تستخدمه النظم الدولتية ضد المجتمع

تتم الحرب الخاصة من خلال بعض المؤسسات الخاصة لنظام الدولة، وفي بعض الأحيان يتم تطبيقها بشكل خاص، وهي في الحقيقة أداة حرب أساسية تستخدمها الدولة ضد المجتمع، وبمعنىً آخر، الحرب الخاصة هي استغلال كافة الوسائل والسبل ضد المجتمع.

استخدام الوسائل والأدوات والسبل التي يتم تطبيقها خلال الحرب الخاصة، ليست محدودة بمدة معينة، فالحرب الخاصة تشكلت واستُخدمت عبر التاريخ ومنذ بداية ظهور الدولة، والعلاقة بين الطبقات، وهي مستمرة إلى الآن، وتشكلت ضد الإنسانية وعلاقاتها.

 وتستخدم هذه الحرب بشكل علني وسري أيضًا، كي تتمكن الأنظمة الحاكمة من حماية ديمومتها، والوصول إلى مآربها، ولهذا فهي تستخدم كافة الأدوات والتكتيكات لتحقيق هذه المآرب، وهذه هي حقيقة الحرب الخاصة.

وعليه لننظر إلى الحرب الخاصة عبر التاريخ وإلى يومنا الراهن، وبشكل مختصر.

الحرب الخاصة من الأمس إلى اليوم

الصيد بصفته منعطفاً تاريخيًّاً في حياة البشرية، ظهر كفعل يمارسه الرجل، وهو ليس مجرد عمل جسدي، فالصيد يحتاج إلى أدوات متطورة جدًّاً، ومن أجل ذلك، فهو بحاجة إلى الاستشارة وإلى قوة الخيال، وكذلك إلى المراوغة والاستغلال. بحاجة إلى التخطيط.

 باختصار، فإن الصيد يتطلب كل ما هو بحاجة إلى تطوير الذكاء التحليلي، وهناك أمر آخر، فالصيد وعلى الرغم من أنه بدأ من أجل تأمين ما يسد الرمق، إلا أنه تم النظر إليه بأشكال مختلفة فيما بعد، حيث تم الاعتماد عليه لتحقيق القيمة الزائدة، وبيعها في الأسواق، كما تحول إلى ممارسة لتحقيق المتعة، الأمر الذي أدى إلى تحول الصيد إلى ممارسة إبادة، وأدوات الصيد لم تكن الرماح ونصب الكمائن، بل استخدام حيوانات من نفس الفصيلة بعد ترويضها وتدجينها، لتصبح هي أيضًا شريكة في الجريمة.

ومع مرور الزمن أصبحت الحيوانات الداجنة أو التي تم ترويضها شريكة في الصيد، وتساعد الصياد في عمله، وعليه فإن بعض مراحل الصيد لم تعد فيها حاجة للصياد نفسه، هذه المرحلة تطورت في المجتمعات البشرية وبخصائص مختلفة ومتباينة، فالرجل المراوغ اكتسب العديد من التجارب من ممارسة الصيد، واستغلها ضد المرأة ومنعها من أن تكون الفرد الندّ- الحر أو رائدة المجتمع.

المرأة؛ أولى الطبقات التي تم اضطهادها

بهذا الشكل ظهر النظام البطريركي وتمكن من المحافظة على بقائه، وبالتالي تم وضع الأسس الأولى للمجتمع الدولتي. هذا الوضع الذي أدى إلى ظهور أولى الطبقات والأمم المضطهدة، وبمعنىً آخر، ظهور وتطور عبودية المرأة الممنهجة أو غير المباشرة، مع مرور تطور وبروز دور المرأة أيضًا، فمرحلة الصيد التي انطلقت بداية عن طريق المرأة شملت فيما بعد المجتمع بشكل كامل، ووصلت إلى يومنا الراهن.

ومع تطور نظام السلطة وزيادة نفوذه، انتقل من مرحلة دولة المدن إلى مرحلة الملكيات، ومن الملكيات إلى الامبراطوريات، وتحول الصيد مع مرور الزمن إلى عامل أساسي للحداثة الرأسمالية، أما التوجه والذهنية الأساسية لنظام الصيد فقد تطورت إلى الليبرالية، وبشكل طبيعي فقد حولت الليبرالية الذهنيات المدجنة والتي تم ترويضها إلى مذاهب، ومن ثم حوّلتها إلى شريك في جرائمها، وبناءً عليه، فإن تاريخ الحضارة المبني على السلطة والدولة، يعني في الوقت نفسه تاريخ الأشخاص المتضررين، والذين تحولوا في الوقت نفسه إلى شركاء في الجريمة، فموضوع الحرب الخاصة الذي نحن بصدد تقييمه، لا يقتصر فقط على السلطات، بل شمل أيضًا جميع الذهنيات والأوساط والطبقات أو التنظيمات التي ساهمت بشكل أو بآخر في التحول إلى سلطة، ولذلك فإن القائد عبد الله أوجلان اهتم كثيرًا بتحليل موضوع السلطة والدولة بشكل معمق، فإذا أراد المرء التخلص بشكل كامل من حضارة الدولة وتأثيراتها، وكذلك إذا أراد إفشال وإنهاء الهجمات التي نسميها بهجمات الحرب الخاصة، فلا بد من التأكيد على تطبيق وتنفيذ تحليلات القائد عبد الله أوجلان، أي يجب اعتبار أن أسس تحول المجتمع مرتبطة بمعاداة الدولة السلطوية، لأنها تمثل المنظومة الفكرية الناجحة والأكثر نجاعة من أجل ترسيخ الذهنية الإيكولوجية، والديمقراطية وحرية المرأة، وكذلك لمواجهة استراتيجيات وتكتيكات الحرب الخاصة.

الحرب الخاصة في الحضارة الدولتية

 إن الحرب الخفية والحرب التجارية والبيولوجية أصبحت متداخلة فيما بينها في يومنا الراهن، ولذلك فإن التحليل المعمق والموسع لنظام الحضارة الدولتية وممارساتها الخاصة وبالتالي الإشارة إلى الحلول، أمر لا بد منه.

في بعض الحركات الدينية يقال إن "السلاح الأخطر في الحرب هو الخوف"، وكذلك يقال "إن جميع المخلوقات تموت، إلا أن الوحيد الذي يخاف من الموت هو الإنسان"، هاتان المقولتان أو الظاهرتان استُخدمتا كأهم عاملين للحرب الخاصة، وكذلك لترسيخ نظام الحضارة الدولتية، وترافقت طبعًا مع أساليب تعذيب وجرائم إبادة.

ومن جانب آخر، فقد حلت الانتهاكات الحقوقية محل الأخلاق، وأصبحت الحرب من أهم عوامل نشوء الحضارة الدولتية ضد التحول الاجتماعي، إن أساليب الهجوم، والتي تسمى في يومنا الراهن بالحرب غير النظامية، وحرب الكونتر غريلا، تم شرعنتها بالقوانين الحقوقية، أو بانتهاك القانون، واستمرت على تلك الشاكلة حتى وصلت إلى يومنا الراهن.

 لذلك تم إثراء وإنشاء هذه الطريقة في الحرب عبر المؤامرات والألاعيب والاستغلال، وعليه فإن حملات إنشاء وبناء المعتقدات تحولت إلى مبدأ أساسي للحرب الخاصة.

ومن جهة أخرى، ومنذ عهد الرهبان السومريين وإلى يومنا الراهن، تحولت الدولة إلى أداة للظلم والقمع، كما طورت الدولة في مناطق سيطرتها، أساليب التدريب وأدوات التعليم، وتسعى إلى إرضاء وإقناع المجتمع بها.

 وعليه فقد تحولت الفلسفة، والتعليم والتدريب وبشكل سلبي إلى أدوات للإقناع والإرضاء والتدجين والتضليل، من قبل نظام الدولة.

وكل هذه الأمور، بدءًا من التعذيب ومرورًا بالإقناع وأدوات التضليل، ومساعي تشكيل المعتقدات، تعدّ من أدوات الحرب الخاصة.

بعد الحرب التقسيمية الثانية، وتحديدًا في المرحلة التي سميت بالحرب الباردة، فإن قوى الحضارة الدولتية، وتشكيلات الدول المحيطة بها، قامت بتعزيز بناء ونظام الدولة العميقة، والتي هي موضوع الحرب الخاصة، واتحدت معها.

وتحول الناتو إلى مركز أساسي لهذه التشكيلات، في البداية لعبت المخابرات المركزية الأمريكية والموساد الدور الأساسي في الحرب الخاصة، أما الجيوش فقد تحولت إلى قوى التدخل المباشرة ضد الشعوب والمجتمعات وفق تنظيم خاص وآليات الانقلاب.

بالتوازي مع التطور في أدوات الإعلام والتواصل، فإن التقنيات التي يمتلكها حلف الناتو، تتيح مراقبة الناس في جميع ميادين الحياة وفي كل الأوقات.

 وعليه فقد أضيفت معانٍ جديدة لموضوع الحرب الخاصة في وقتنا الراهن.

عقيدة غريسيموف، الحرب الخاصة الجديدة أو الحرب الهجينة

في هذا الموضوع، فإن التطور اللافت والمهم هو نظرية "الحرب الهجينة" التي طورها الجنرال فاليري غريسيموف، والذي تولى رئاسة أركان الجيش الروسي، وبحسب هذه العقيدة، فإنه عندما تتواجه قوة غير نظامية وفق عقيدة غير نظامية، مع قوة نظامية وعقيدة عسكرية، فإن هذا يسمى بـ "الحرب الهجينة"، حيث يمكن في هذه الحرب استخدام جميع الأساليب في الوقت نفسه، مثل (الجيش، والقوات المسلحة، والميليشيات والعملاء والتقنية السيبرانية، والدعاية والحرب الدبلوماسية والإعلامية، والتواصل الاجتماعي وجميع الوسائل والتكنولوجيات الذكية الأخرى).

وأشار غريسيموف في نظريته إلى أن طبيعة وواقع الحرب تتغير بشكل كامل، وعليه فإن المكاسب والانتصارات التي تتحقق عادة بالتدخل الخارجي، يمكن تحقيقها عبر المعارضات المحلية الداخلية، ويقول غريسيموف إن الحرب الهجينة هي حرب بيضاء وسوداء، أي إنها مرحلة رمادية بين الحرب والسلام، وهذا الواقع الرمادي لا يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل يتعداه إلى الميادين الاجتماعية والمدنية والإعلامية أيضًا.

ووفق تعريف الحرب الهجينة، فإن فكرتها الأساسية تنطلق من فكرة إن هذه الاستراتيجية تبنى على نظرية الفوضى، وهي تعتمد على آليات الفوضى التي تم إنشاؤها.

 الحرب الهجينة هي في نفس الوقت تعدّ أحد أساليب الحرب، كما أنها بمثابة سلاح يستخدم في حرب الوكالة وهدفها هو تعزيز حالة الفوضى وانعدام الاستقرار.

هذه الفكرة المشتركة التي ظهرت في وقتنا الراهن في البوسنة والهرسك، وأوكرانيا وجورجيا وليبيا، تعكس طبيعة ما يحصل الآن في كردستان أيضًا.

 القاسم المشترك بين كل هذه الدول هي أنها تشارك في هذه الحروب التي تم تأجيجها وإدارتها من قبل الدولة التركية. وبشكل خاص خلال فترة سلطة حزب العدالة والتنمية والحزب القومي الفاشي، إن الاستعمار التركي يستخدم أساليب الحرب الخاصة الجديدة ليس في كردستان فقط، بل في سائر المنطقة، وتلعب دورًا فعالًا وبارزًا في هذه الحرب.

وفي الوقت نفسه، فإن الفوضى الموجودة في سوريا اليوم، تأججت وتطورت على مبدأ بناء آليات الفوضى التي طورتها القوى العالمية المهيمنة والقوى الإقليمية، وعليه فإن الحرب الدائرة هناك الآن هي حرب الوكالة.

بمعنى أن إحدى الخصائص الأساسية للحرب في وقتنا الراهن، هي تأسيس الحرب الخاصة، وحرب الوكالة نفسها على أنها القوة الرئيسة.

 مبدأ هذه الحرب الخاصة يعتمد من جهة على التكنولوجيا، ومن جهة أخرى على العقيدة، ويطلب من القوى البريئة منها، تطوير آليات بديلة ومضادة لها، داعش وقوات القاعدة والإخوان المسلمون، والتي هي من مخلفات الرأسمالية، تعدّ جزءًا من "قوى الفوضى التي تم تشكيلها"، وذلك عبر تركيا وإيران، هذه الحرب الخاصة التي يتم إدارتها، تجعل معرفة العدو الحقيقي أمرًا ضبابيًّا ومبهمًا، كما تصبح مجرد حرب رخيصة بالنسبة للقوى الحقيقية، ولذلك فإن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب يتحدث بشكل مستمر عن الحرب التي لا تكلفهم أموالًا.

الإعلام والتنظيمات الخاصة كإحدى أدوات الحرب الخاصة

لم يحدث عبر التاريخ أن تحولت وسائل الإعلام بهذا القدر إلى أداة للحرب الخاصة، ائتلاف حزب العدالة والتنمية والحزب القومي الفاشي، عمدا إلى السيطرة على وسائل الإعلام بشكل كامل، قبل بدء حربهما الشاملة ضد عموم كردستان والمنطقة، وقاما بتخصيص كل من القوات المسلحة التابعة للدولة مثل الجيش والشرطة والمخابرات، مما يعني أن دكتاتورية أردوغان الفاشية كانت قد أعدت العدة وأكملت جميع تحضيراتها، ومن ثم بدأت بشن الحرب، ومختصر القول فإن سلطة حزبي العدالة والتنمية والحزب القومي، أصبحت هي التي تدير "الحرب الهجينة" ويتم استغلالها واستخدامها من قبل القوى الدولية، ويتم توجيهها ضد الشعوب.

الحرب البيولوجية أو الأمراض المعدية كإحدى وسائل الحرب الخاصة

ومن القضايا الأخرى والمهمة في موضوع الحرب الخاصة هو موضوع استخدام الأسلحة البيولوجية، التي تم استخدامها مرارًا خلال تاريخ الحرب الخاصة، وقد تم رؤيتها وإدراكها بشكل واضح في انتشار وباء كورونا، وجرت تحليلات وتقييمات ونقاشات متباينة حول الموضوع، ولكن وجهة النظر المشتركة والعامة هي أن الحرب البيولوجية دخلت حيز التنفيذ في إطار الحرب العالمية الثالثة، كشكل من أشكال الحرب الاقتصادية والتجارية، ورغم هشاشته إلا أن وجود النظام الاشتراكي كان يحول دون إقدام قوى الحضارة المركزية على شن هجوم مماثل بشكل علني، ولكن في الوقت الراهن، فقد دخلنا مرحلة لا مبالاة كبيرة جدًّا.

وفي خضم هذه الهجمات المناهضة للشعوب والمجتمعات، والمكاسب التي حققتها الشعوب، فإن حكومة حزب العدالة والتنمية الفاشية، تستفيد من هذا الواقع وتستغل الفرصة لتنفيذ مآربها وارتكاب مجازر الإبادة بحق الشعب الكردي. دكتاتورية أردوغان الفاشية، وكأنها لم تصدق ظهور وباء كورونا، وعدّته هدية من السماء، وانتهكت جميع القوانين وتجاوزت كل الحدود لمحاربة الشعب الكردي، لا يهمها أن تنتهك قوانينها ودستورها، والقوانين والحقوق الدولية، وحقوق الإنسان العالمية.

 ولذلك فإن الدولة التركية الفاشية تخوض حربًا هجينة ضد شعوب المنطقة، وضد الشعب الكردي بشكل خاص.

وحدة الشعوب ضد نظام الحرب الخاصة البربرية والفاشية

الدولة الفاشية التركية لا تستخدم جيوشها فقط في هذه الحروب الاستعمارية والتوسعية، بل تستخدم أيضًا القاعدة وداعش والإخوان المسلمين، بالإضافة إلى العملاء الكرد، وبهدف استغلال الدين كسلاح قوي في هذه الحرب، فقد حوّلت المساجد إلى قواعد عسكرية، كما حوّلت منارات ومآذن المساجد إلى رماح، والقباب إلى دروع.

 في وقتنا الراهن حوّل حزب العدالة والتنمية الدين إلى سلاح للحرب، بشكل لم يشهد له التاريخ مثيلًا، وتجاوزت بكثير ما حصل في زمن معاوية.

إن ذهنية الحرب العالمية الثالثة، وقوى الليبرالية الجديدة، أطلقت حربًا كبيرة ضد الإنسانية في مختلف أنحاء العالم، وفي منطقتنا بشكل خاص، قوى الحضارة المركزية، والقوى الموالية لها والمحيطة بها، حوّلت الدولة إلى شركات للحرب الخاصة، وبشكل خاص بعد انهيار الاشتراكية الواقعية.

 لقد تم تحول جميع ميادين الحياة، مثل التربية والتعليم، والصحة والتغذية والتي هي المبادئ الأساسية للحياة الاجتماعية، إلى أدوات للعمل والصناعة الرأسمالية، وبالتالي إلى جزء من الحرب الخاصة.

نظام الحداثة الرأسمالية والذي يعرف أيضًا بنظام "الاستعراض والاستهلاك"، تحول بشكل كامل إلى حالة خاصة، وأصبح مركزًا لانطلاق الهجمات والحروب ضد المجتمعات، والدولة التركية الفاشية تشكل حاليًّا مخفرًا متقدمًا لهذه المراكز، ولم تتردد حتى في استخدام وباء كورونا في خدمة حروب الإبادة ضد الشعوب، دون الالتفات إلى أي شريعة أو قانون، كما تسعى إلى إشراك المجتمع التركي في هذه الهجمات والمخططات.

وبناء عليه فإن النضال من أجل ترسيخ وتعزيز الأمة الديمقراطية في إطار وحدة الشعب الكردي ووحدة شعوب المنطقة الموسعة هو السبيل الوحيد لمواجهة هذه الحرب الخاصة.

 مشروع الكونفيدرالية الديمقراطية هو المشروع الأساسي لتحرير الشعوب، ولمواجهة النظام الفاشي التركي الذي تحول إلى العدو الرئيس لشعوب المنطقة.

وعليه فإن السبيل الوحيد لمواجهة نظام الحرب الخاصة الفاشي، الذي لم يشهد التاريخ مثيلًا له في الوحشية والبربرية، هو إعلاء ورفع شعار "حان وقت ربيع الكرد وربيع الشعوب" والإصرار على إعادة كتابة التاريخ من جديد.

شمال وشرق سوريا: المنطقة المستهدفة من الحرب الخاصة

وبناء على ما ذُكر، فإن رؤية وإدراك الحرب الخاصة التي يتم تسييرها ضد مناطق شمال وشرق سوريا، من قبل الدولة التركية الفاشية، وباقي القوى، أمر مهم وحياتيٌّ من أجل مستقبل ثورتنا.

مناطق شمال وشرق سوريا، مثلها مثل باقي مناطق سوريا، تعدّ مركزاً للتنوع السكاني للشعوب والمعتقدات، بمعنى أن هناك أرضية من أجل استغلالها في الحرب الخاصة، وعليه فإن مشروع الأمة الديمقراطية والإدارة الذاتية التي أطلقها القائد أوجلان، من شأنه القضاء على هذه الأرضية ومنع استغلالها بشكل كامل، الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، تسعى بشكل متواصل إلى إفشال هذه الأرضية، ولكن الدولة التركية الفاشية وأجهزتها المخابراتية (الميت) والقوى الإقليمية والدولية، يسعون بشكل متواصل إلى تأجيج وتعميق الصراع القومي بين العرب والكرد، وصراعات الشعوب والأديان والمعتقدات، وإثارة حالة اقتتال وتناحر في المنطقة.

 ولذلك يسعون إلى تأجيج الصراع القومي وبشكل خاص بين العرب والكرد. السبيل الوحيد لإفشال هذه المساعي وأساليب الحرب الخاصة، هو الإصرار على تحقيق وحدة الشعوب، لذلك فإن المطلوب من كل مواطن في شمال وشرق سوريا، هو العمل على تحقيق وحدة الشعوب في مناحي الحياة، وبذلك كل ما من شأنه تحقيق هذه الوحدة، وإلا فإن مستقبل مناطق شمال وشرق سوريا يكون في خطر كبير، خاصة أنها الآن تعدّ من أكثر المناطق استقرارًاً في سائر سوريا والشرق الأوسط.

ومن جهة أخرى فإن الدولة الفاشية التركية وبعض القوى الأخرى وأجهزة المخابرات التابعة لها يسعون إلى ضرب الكرد بالكرد، ويلجؤون من أجل تحقيق ذلك إلى مختلف أساليب الحرب الخاصة، وعلى الرغم من أنهم يعادون الكرد بشكل عام، ويستخدمون الأساليب لضرب الكرد وارتكاب مجازر الإبادة بحقهم، إلا أنهم يدّعون أنهم يستهدفون شريحة معينة من الكرد، وهم يستهدفون الكرد الذين يقاومون ويناضلون من أجل الحرية، ويعلنونهم أعداءً، فيما يعلنون الكرد الذين يتعاملون معهم، والذين يعادون ثورة شمال وشرق سوريا والذين لم يشاركوا أبدًا في الثورة، يعلنونهم كردًا جيدين وأصدقاء.

في يومنا الراهن يتم تسيير هذه السياسة بشكل واضح وعلني في مناطق شمال وشرق سوريا، الأطراف العملية، وبدلًا من استنكار الاحتلال وتجريمه، يقومون وبكل سهولة بتجريم المقاومة، وبناء على الدعم الذي يتلقونه من بعض القوى في جنوب كردستان، فإن هؤلاء يعملون على تجريم واتهام الأشخاص الذين ضحوا بأرواحهم من أجل الثورة، وأصبح هذا الأسلوب السلاح الأساسي لهذه القوى.

يستهدفون الكرد المقاومين

مساعي وحدة الصف الكردي، التي تسعى إدارة شمال وشرق سوريا إلى تحقيقها، تعدّ السبيل الوحيد لإفشال سياسات الحرب الخاصة، لذلك فإن المطلوب من جميع مواطني مناطق شمال وشرق سوريا، وبشكل خاص الكرد، أن يكونوا مدركين لأهمية هذه الخطوة.

 إن السياسات الرامية إلى ضرب الكرد بالكرد، واحتلال أراضي الشعب الكردي وإبادته، يمكن وضع حد لها وإفشالها عبر وحدة الصف الكردي فقط، وإلا فإن الاكتفاء بالقول إننا مع تحقيق الوحدة، سوف يؤدي إلى انهيار قيم الحرية، وسينشر اليأس بين الكرد.

يستهدفون طليعة الثورة، وبشكل خاص المرأة

ثورة شمال وشرق سوريا هي ثورة المرأة، إن الحصن الوحيد لحرية المنطقة حاليًّا هو مناطق شمال وشرق سوريا، والشعب الكردي وكما فعل عبر تاريخه، اختار المرأة من أجل تحقيق الحياة الحرة، هذا الوضع يؤرق الدولة التركية بشكل خاص، كما يؤرق جميع النظم الذكورية المهيمنة، ولذلك فإنهم يسعون بشكل خاص إلى سد الطريق أمام تطور نضال حرية المرأة، ومؤخرًا ظهرت تصريحات من وزراء الدولة الفاشية التركية، واستهدفوا المرأة خلال تصريحاتهم. وبعد تلك التصريحات بدأت الهجمات ضد النساء في شمال كردستان، وفي جنوب كردستان، وكذلك في مناطق شمال وشرق سوريا، ولا تزال هذه الهجمات تتصاعد يومًا بعد يوم.

بالنضالالمنظم للمرأة والشباب يمكن إفشال هجمات الحرب الخاصة

تتصاعد جرائم الدولة الفاشية التركية ضد النساء الكرد من اغتصاب ودعارة، إضافة إلى تصاعد الهجمات والجرائم ضد المناطق المحتلة، إنهم يجردون النساء من إمكانية الدفاع عن نفسها ومن ثم يستعبدونها، ويسعون من خلال كل هذه الممارسات إلى القضاء على ثورتنا، المرتزقة والسلطات الفاشية التركية، يعتقدون أنهم يستطيعون من وراء السياسات المعادية لحرية المرأة تحقيق نتيجة، ولذلك رأينا مؤخرًا ما حدث في كوباني، إنهم يستهدفون النساء ويقتلونهم بشكل ممنهج.

إن ثورة شمال وشرق سوريا هي في الوقت نفسه ثورة الشباب، الدولة الفاشية التركية والقوى الأخرى الموالية لها، يلجؤون إلى الترويج للمخدرات وجميع أساليب الحرب الخاصة من أجل القضاء على محرك الثورة وهم الشباب، لأنها ترى أن قيادة الشباب للثورة تعدّ خطرًا عليها، لذلك تلجأ إلى مختلف أساليب الحرب الخاصة ضد شريحة الشباب.

 إن الدور الطليعي للشباب والنساء في ثورة شمال وشرق سوريا هي ضمانة النصر، لذلك فإن تعزيز تنظيم المرأة الحرة، وتصعيد مقاومة الشباب الثوري، يعدّ من المهام الرئيسة للنساء والشباب في شمال وشرق سوريا، إرادة المرأة الحرة وإرادة الشباب، هي الوحيدة الكفيلة بالقضاء على الآثار السلبية للحرب الخاصة.

العمالة هي السلاح القاتل للحرب الخاصة ضد المجتمع

عندما تستهدف الدولة التركية من خلال حربها الخاصة هذه القيم الأساسية، وبشكل خاص كوادر ومؤسسات مثل حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب، فإنها تدرك أن هذه القوى تؤدي دورًا كبيرًا من أجل تحقيق وتطوير الثورة، كما أدت دورًا طليعيًّا في ذلك، قرابة 11 ألفًا من مقاتلي هذا الجيش ضحوا بحياتهم من أجل بناء وطن حر، كما قدم هذا الجيش أكثر من 25 ألف جريح.

 الحرب الخاصة تستهدف هؤلاء الطليعيين، أجهزة مخابرات الدولة الفاشية التركية تعمل على تشويه صورة هؤلاء الطليعيين، كما أن الكرد العملاء والخونة يقدمون للعدو مختلف أشكال الدعم في هذا المجال، هؤلاء وبدلًا من القوى المحتلة والفاشية، فإنهم يعادون الأشخاص الذين يناضلون من أجل الحرية ويقدمون دماءهم في سبيل ذلك، فإذا تم قطع العلاقة بين الثورة وبين طليعتها، فإن العدو وكذلك العملاء سوف يتصرفون على هواهم، ولذلك فإنهم يستهدفون شهداءنا، والأشخاص الذي قدموا تضحيات من أجل الحرية، ومن أجل تحقيق ذلك يمارسون أساليب دعاية قائمة على التضليل والكذب.

 لذلك فمن الضرورة بمكان في هذه الفترة، معرفة وفضح سياسات الحرب الخاصة هذه، وفضح العملاء والخونة، يجب رؤية وإدراك أن الأشخاص الذين لم يقوموا بشيء من أجل الوطن والشعب، يسعون إلى التضحية بالثورة من أجل الفاشية، يجب رؤية هذا الأمر والتصدي له، إن مستوى الروح الوطنية والثورية، وأداء المسؤوليات الوطنية، متعلق بمدى الالتفاف حول الطليعة، أولئك الذين ضحوا كثيرًا من أجل هذا الشعب، يجب إظهار وإبراز نضال وتضحيات الطليعيين السابقة والحالية، وكذلك سيرة حياتهم، وأن نظهرها للجميع، وأن نعمل على دحر وإفشال هذه الهجمات الغادرة التي تشن ضدهم.

إضافة إلى كل ذلك، فإن الدولة الفاشية التركية، سلكت كل السبل التي تؤدي إلى تهديد حياة شعوب مناطق شمال وشرق سوريا، فعمدت إلى قطع المياه، وفرض الحصار، والتضييق على الأوساط التي تسعى إلى تقديم المساعدات، وهذه كلها من أساليب الحرب الخاصة، ومن أساليب الحرب الخاصة أيضًا التي تتبعها الدولة التركية هي إعادة إنعاش داعش.

 كما تمارس كل أشكال التضليل والدعاية المضللة عبر وسائل الإعلام، إنهم يسعون إلى بث اليأس من خلال الهجمات العسكرية، كما يعتدون على أملاك وأموال الأهالي، كل هذه الممارسات هي جزء من الحرب الخاصة التي تديرها الدولة التركية الفاشية وأجهزة مخابراتها، بهدف تشويه صورة الإدارة الذاتية، وطليعتها، وبث اليأس والقنوط والنزاعات بين الشعب والعشائر والمعتقدات، واستغلال المذاهب واغتيال بعض الوجهاء والأعيان، تم على يد المخابرات والتركية وعملائها، وتسعى الحرب الخاصة أيضًا إلى بث الفوضى بين أبناء الشعب، لذلك يجب دائمًا البحث عن أصابع الحرب الخاصة في كل ظاهرة سلبية، وهي مهمة أساسية تقع على عاتق الجميع.

 يجب ألا ننسى أن نمثل الإعلام المدافع عن قيم الحرية، أي أننا نمثل جناح ميراث الإعلام الحر في شمال وشرق سوريا. لذلك فإن مهمتنا إظهار الحقيقة ضد الاستعمار والفاشية.

بهذا الشكل فقط يمكن إفشال الحرب الخاصة، بهذا الشكل يمكن حماية قيم الحرية، وحماية الحياة الإنسانية، والدفاع عن نضال بناء الحياة الحرة، وهذا المسؤولية تقع على عاتق الجميع.

ANHA