الحرب "الثقافية" تسمية أطلقها فنانون على منع تركيا إيصال جثامين فناني التراث إلى كوباني

منعت السلطات التركية خلال الأيام الأخيرة دخول جثماني الفنانين التراثيين الشعبيين "حافظ كور" و"محمد دومان" إلى مدينة كوباني ليدفنا في مسقط رأسيهما، بعد أن فارقا الحياة في تركيا، وهذا ما قال عنه فنانون بأنه نوع من الحروب التي تمارسها تركيا ضد الشعب الكردي ومحاولة لطمس هويته الثقافية.

جبهات عديدة تفتحها تركيا على شعوب المنطقة باستعمال شتى الأساليب اللاإنسانية واللاأخلاقية لتحقيق مآربها الاحتلالية، فمن قطع مياه نهر الفرات وممارسة سياسة تجويع المزارعين والمنطقة عامة، وإنشاء خلايا استخباراتية وخلايا إلكترونية تثير البلبلة وتضرب السلم الأهلي في مناطق شمال وشرق سوريا، والتغيير الديمغرافي الذي تقوم به في عفرين وكري سبي وسري كانيه، إلى سياسة طمس الهوية الثقافية التي ظهرت مؤخرًا مع منع دفن شخصيات مرتبطةً بتاريخ هذا الشعب في المكان الذي بدأوا فيه رحلة حياتهم.

ومنعت السلطات التركية ذوي وأقرباء الفنان الراحل محمد خليل غازي (محمد دومان) من إدخال جثمانه إلى مدينة كوباني بعدما فارق الحياة في العاصمة التركية أنقرة يوم الـ5 من آب/أغسطس الحالي عن عمر ناهز الـ91 عامًا، لتجبر أسرته على دفنه في قرية تقع قبالة مدينة كوباني داخل أراضي شمال كردستان في الـ7 من الشهر الحالي.

ولطالما عُرف "محمد دومان" كأحد رموز الفن التراثي الشعبي في مدينة كوباني، وذاع صيته كعازف الكمان الأول في كوباني خلال عقود عدة مضت، وقد رافق الفنان التراثي الكبير "باقي خدو" لسنوات طويلة.

ونظرًا لارتباطه الوثيق بأرضه وأبناء جلدته، كانت وصية "محمد دومان" هي دفنه في مسقط رأسه، وقد ظهر في فيديو قبل 4 أعوام من رحيله يتمنى فيه أن يرى مدينته كوباني قبل أن يفارق الحياة.

وبعد وفاة محمد دومان بيومين، فارق الفنان الشعبي عبد القادر بن حسين علي الشهير باسم "حافظ كور" الحياة أيضًا في مدينة سروج بشمال كردستان عن عمر ناهز الـ80 عامًا، لكن السلطات التركية رفضت أيضًا إدخال جثمان هذا الفنان إلى مسقط رأسه بمدينة كوباني.

ويرى فنانون وشعراء من أبناء مدينة كوباني هذا الأمر "حرب ثقافية وإبادة للفن الكردي ومحاولة لحرق حقبة تاريخية كان هؤلاء الفنانون يحملونها في أغانيهم وموسيقاهم وتاريخهم الذي يعود إلى أكثر من 100 عام".

وقال الشاعر حمد عبدي مسي الشهير بـ "حمي كوباني" إن " شخصيات مثل محمد دومان وحافظ كور كان لهم تاريخ حافل في هذه المنطقة وساهموا في نقل الكثير من القصص الكردية من الأجيال القديمة إلى أجيالنا الحالية".

"حمي كوباني" أضاف بأن "جثامين الكثيرين تدخل من تركيا إلى مناطق سورية، لذا فالهدف هنا ليس منع دخول الجثمان فحسب، بل الهدف هو القضاء على التاريخ الكردي وإبادة شعوب المنطقة ثقافيًّا وفنيًّا وعلى كافة المستويات".

وقال "نحن نمد يد الأخوة إلى الجميع، ونأمل أن يبادرنا جيراننا بالمثل، وأن نتعامل وفق الأصول المتعارف عليها دوليًّا ومحليًّا، فمن غير المعقول أن نبقى على هذا الصراع مدى الحياة".

وأكد على أنه "لا يمكن لأحد أن يقضي على هويتنا بهذه الأساليب، نحن هنا منذ آلاف السنين وسنبقى هنا ما حيينا، وهذا يجب أن يعلمه الجميع لأن سياستهم الحالية لا تخلق سوى المزيد من الأحقاد والكراهية".

وفي سياق متصل، يقول الفنان الكردي فرهاد ملا، وهو من أبناء مدينة كوباني، إن "هذه السياسة ترقى إلى مستوى إبادة الهوية الكردية الثقافية لأن ارتباط كل من الفنانين "حافظ كور" و "محمد خليل غازي" يأتي بالدرجة الأولى من تاريخ هذه المنطقة والشعوب التي تعيش فيها".

وأوضح فرهاد أن "كلا الفنانين كانا قد تشاركا في الحفاظ على التراث الكردي ونقل تلك القصص من أجيالهم والأجيال السابقة إلى الجيل الحالي".

ويشير فرهاد ملا إلى أن "عداء الدولة التركية لشعبنا كان السبب وراء منع إدخال جثامين الفنانين إلى كوباني".

ويأتي هذا في وقت تستمر فيه تركيا بنهجها وسياستها العدائية تجاه شعوب ودول المنطقة بالتزامن مع صمت دولي، إذ لا تخرج مواقف المجتمع الدولي عن إطار المصالح الضيقة في تجاهل تام لحقوق ومآسي شعب المنطقة الذي يتعرض للاضطهاد والأذى على يد تركيا.

(ج)

ANHA