الحماية الذاتية: الخيار الوحيد للخروج من نظام العبودية الحديثة – 1

جميع الانتفاضات الكردية هي حركات حماية ذاتية

خالد أرميش

الدفاع عن النفس بشكل عام هو حالة يدافع فيها فرد أو جماعة عن نفسها ضد الهجمات القائمة أو المحتملة. من المؤكد أن الأفراد أو الجماعات أو المجتمعات التي لا تمارس الدفاع عن النفس والوعي الذاتي والتنظيم، سوف تبقى بدون دفاع وحماية إزاء جميع الهجمات التي تستهدف حقوقها المشروعة، وسوف تنهار ويتم القضاء عليها.

إن حقيقة أن الأنظمة الحاكمة في يومنا هذا تهاجم باستمرار الأفراد والجماعات والمجتمعات، تفرض على الأفراد أو الجماعات أو المجتمعات الدفاع عن النفس للحصول على حقوقهم المشروعة.

الدفاع عن النفس لا يكون فقط أثناء الهجمات الفيزيائية. يمكن أن يكون الهجوم فيزيائياً أو دينياً أو ثقافياً أو عرقياً. أو ربما تحاول الطبقة المهيمنة إخضاع واستغلال طبقة أصغر. لذلك فإن الدفاع عن النفس ضد هذا الهجوم يتطلب ذهنية متعددة الأوجه وتنظيماً وتنوعاً في الأدوات التي ستحمي الفرد أو المجموعة.

هدف المجتمع العبودي الرأسمالي في القرن العشرين

اليوم يتم وضع اللبنات الأساسية للنظام العالمي في منطقتنا (الشرق الأوسط). القرن العشرين شهد مختلف أنواع الممارسات الممنهجة القمعية والاستبدادية والفاشية، وكان استغلال الفرد والمجتمع في أعلى مستوياته. ولكن الاستعباد اللانهائي للأفراد كان الخطوة الأكثر خطأ للرأسمالية العالمية في القرن العشرين، حيث عمدت الرأسمالية من خلال خلق العبيد العصريين إلى إعلان أنها نظام أبدي.

العداء الأزلي تجاه الكرد

على سبيل المثال، تستخدم الجمهورية التركية، التي تأسست على أساس القومية العرقية التركية، أساليب الصهر القومي والمجازر والنفي والتدمير والسيطرة ضد المجتمع الكردي منذ مئات السنين. قاوم المجتمع الكردي كل أشكال القهر والاستبداد والهجمات الفاشية بثورات متواصلة، وفي القرن العشرين حافظ على وجوده وتمكن من البقاء في خضم رحى النظام الرأسمالي.

الأمر المهم هو دراسة وتحليل النظام السائد في القرن العشرين. المهم أن السياسة العدائية للدولة القومية التركية ضد الشعب الكردي مستمرة منذ القرن العشرين وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا، وما يتم فعله الآن متصل بالماضي، وبالتالي فإن هدفها الآن أيضاً هو إبقاء كردستان تحت سيطرتها مستقبلاً.

الانتفاضات الكردية مقاومات في الدفاع عن النفس

طبعاً ليس الشعب الكردي وحده من تعرض للإبادة الجماعية والصهر القومي. في منطقتنا وفي أجزاء مختلفة من العالم ، تعرضت العديد من الدول والثقافات والمعتقدات لهجمات لا هوادة فيها من قبل الحداثة الرأسمالية وتم القضاء على العديد منهم لأنهم لم يتمكنوا من مقاومة هذه الهجمات.

لكن في كردستان في القرنين التاسع عشر والعشرين، كانت هناك هجمات متواصلة. كانت تلك المرحلة دموية للغاية، خاصة في كردستان خلال القرن العشرين. ومع ذلك واصل الكرد دفاعهم عن النفس بشكل مجزأ وغير منظم.

إن انتفاضة الشيخ سعيد، انتفاضة آغري، سيد رضا، البرزنجي، الشكاكي، قاضي محمد وجميع الانتفاضات التي اندلعت ضد هجمات الإبادة الجماعية في كردستان هي بطبيعة الحال مقاومة دفاع عن النفس. ولكنها فشلت لأنها لم تكن منظمة وشاملة بما فيه الكفاية.  

في الواقع  إن هذه الانتفاضات هي حركات دفاع كبيرة عن الشعب الكردي خلال المائة عام الماضية. ظهر حزب العمال الكردستاني مباشرة بعد هذه المقاومات للدفاع عن النفس، وتأسس على مبدأ الدفاع المشروع عن النفس. في النضال من أجل الحرية الذي تطور مع ظهور حزب العمال الكردستاني، تمكن الشعب الكردي، لأول مرة في تاريخه، من خوض مثل هذا النضال المعقد، وتمكن من الدفاع عن نفسه على المدى الطويل ضد جميع أشكال الهجمات. حزب العمال الكردستاني هو في الأساس قوة الدفاع المشروع الأساسية في المجتمع الكردي. مع ظهور حزب العمال الكردستاني لم يتمكن الشعب الكردي من الدفاع عن نفسه جسدياً فحسب، بل اكتسب أيضاً الوعي والتنظيم  وناضل ضد جميع أشكال الإبادة الجماعية والصهر القومي.

ليس مجرد تنظيم بل حرب الشعب

إن ما يميز حزب العمال الكردستاني هو أنه يعتمد على القوة الذاتية للمجتمع. في الوقت الذي كانت فيه جميع حركات التحرر اليسارية والاشتراكية والقومية تحاول بناء وجودها على أساس القوة المطلقة، اعتمد حزب العمال الكردستاني على قوته الذاتية. إن الاعتماد على الذات ليس مجرد أسلوب، بل هو أيضاً يعني الثقة بإرادته الذاتية. أسلوب وجود قائم على قيم الحرية. في مواجهة جميع أنواع الهجمات، الإقليمية والعالمية، فإن الشيء الرئيس الذي يحمي حزب العمال الكردستاني ويحافظ على استمراره وتطوره رغم كل المصاعب والمعوقات، هو بلا شك الدفاع عن النفس الذي تم تطويره على مبدأ القوة الذاتية.

هذا النمط الأساسي لنضال حزب العمال الكردستاني يكشف حقيقة أخرى، ألا وهي أن حزب العمال الكردستاني حركة اجتماعية أكثر من كونه حزباً. لم يعد فرد أو جماعة أو حزب فقط هو الذي يدافع عن نفسه، بل إن ما يدافع عن نفسه هو حقيقة النضال الواعي والجماعي للمجتمع.

إما التحكم به أو القضاء عليه

هناك حقيقة أخرى يجب دراستها وتحليلها في واقع حزب العمال الكردستاني وهي موقفه من النظام الرأسمالي العالمي والدولة القومية المعادية لجميع الكيانات والمنظمات التي تعتمد على القوة الذاتية. لأن الاعتماد على النفس هو أحد الجوانب الأساسية للحماية الذاتية.

إن أقوى سلاح للحداثة الرأسمالية هو بلا شك أيديولوجيتها الليبرالية. الأيديولوجية الليبرالية تفعل هذا بشكل أساسي؛ تعمل على تهميشه، ومن ثم تدجينه، ثم تضعه في حالة يستطيع فيها التحكم به. وفي هذه الحال لا يقدم له سوى خيارين، إما تدجينه والتحكم به أو القضاء عليه بشكل نهائي. حزب العمال الكردستاني اختار البقاء اعتماداً على قوته، لذلك فإنه يتخذ قراراته بإرادته المستقلة ويكسب ثقة كل المجتمعات التي يدخل إليها، ومع مرور الزمن تطور هذا الأمر. لم يتم تدجينه، ولم يتم التحكم به من الخارج. وقد فعل كل ذلك اعتماداً على قوة الدفاع الواعية.

تجزئته من الداخل التحكم به ومن ثم السيطرة عليه

كما هو الحال في كردستان، يستخدم النظام العالمي الأسلوب نفسه تقريباً في أجزاء كثيرة من العالم، وتستخدم الدول القومية كممثليها الإقليميين، ليس فقط في كردستان، ولكن في أجزاء كثيرة من العالم تم اتباع هذه الطريقة والاستفادة منها. هذه الطريقة التي كانت فاشلة بفضل حزب العمال الكردستاني، جرى العمل على اتباعها عن طريق باقي أجزاء كردستان كسلاح فعال ضد حزب العمال الكردستاني.  لهذا السبب لم ينقص العملاء والمتعاونون من المجتمع والأحزاب الكردية أبداً. ولكن حزب العمال الكردستاني قاوم ضد جميع أشكال الاستغلال والقمع والضغط والإكراه والعنف، رغم التضحيات الكبيرة التي قدمها، ولم يتنازل عن نهجه السياسي ووصل إلى يومنا الراهن. وفي هذه الحالة أيضاً يمكن اعتبار العمالة السلاح الأكبر ضد الحماية الذاتية.

إن الحماية الذاتية تفرض علينا اتخاذ التدابير سواء ضد الهجمات القائمة أو الهجمات المحتملة، وبالتالي تفرض علينا الحياة والاستعداد وفقاً لذلك.

(ك)


إقرأ أيضاً