الحكومة اللبنانية الجديدة.. تحديات كثيرة

يعقد اللبنانيون آمالاً كبيرة على الحكومة الجديدة برئاسة نجيب ميقاتي، لكن يشوبها الكثير من القلق والخوف من فشلها بسبب الأزمات التي تراكمت منذ أكثر من سنة من الفراغ، بدءاً بانهيار العملة اللبنانية، وليس انتهاء بارتفاع نسب البطالة والفقر في المجتمع.

سنة من الانهيار الكامل عاش خلالها اللبنانيون جحيماً حقيقياً، أزمات اقتصادية واجتماعية، سيطر على المواطنين الإفلاس واليأس من كل شيء، ترافق مع فوضى وذل، فشريط الأحداث كان حاملاً معه أزمات لا تعد ولا تحصى، طال الدواء والمازوت والمياه والكهرباء والبنزين والدولار وغيرها.. فهل هذه الحكومة الجديدة ستوقف هذا الانهيار وتلجم الدولار، الذي ما إن أعلن عن ولادتها حتى انخفض، ما دفع الناس إلى التهافت على بيع ما بحوزتهم خوفاً من انهيار أكبر؟ وهل ستوقف الذل على محطات المحروقات؟ وهل ستعيد الدواء إلى ربوع الصيدليات؟ وهل ستعمل على خفض الأسعار التي تحولت كلها إلى سوق سوداء؟

أسئلة كثيرة تدور في الأروقة والشوارع والمقاهي.. فكل لبناني يترقب ما بعد ولادة الحكومة، والخطوات العملية التي ستصدر عنها، وإن كان الكثير منهم يقول لها: "لا ثقة" قبل الشروع بعملها، فلا أحد يقتنع بأن الوضع سيكون بخير، فقد خرج عن السيطرة وفق رأي معظم المواطنين، وعملية شد الحبال لن تتوقف، ويرى المواطنون أن خير الحكومة يبدأ مع خفض أسعار السلع الغذائية والتموينية وتوفر الدواء، ولكن كيف سيحصل ذلك، ورفع الدعم سيكون بشارة الحكومة العتيدة؟ ما يعني ارتفاعاً إضافياً بالأسعار.

حكومة بوجوه أخرى

أشهرٌ عدة انتظرها اللبنانيون حتى تم التوصل إلى هذا الاتفاق وتشكيل الحكومة، فهل ستختلف عن سابقاتها من الحكومات المتعاقبة؟

تقول الصحافية اللبنانية ندى أيوب لوكالتنا: "هذه الحكومة لا تختلف عن الحكومات السابقة، لأن نهجها نفسه، فقد شُكّلت من أطراف المنظومة نفسها؛ منظومة النهب والفساد التي حكمت البلد طيلة 30 عاماً، منذ اتفاق الطائف وحتى اليوم، فكيف يمكن أن ننتظر نتيجة مختلفة عن سابقاتها؟! أضف إلى ذلك، أن رئيسها رجل أعمال يحمل ذهنية الفئة القليلة، التي لا تفكر بالطبقات الأكثر فقراً والطبقات المهمشة، حتى تضع السياسات الاجتماعية لها".

وتؤكد ندى أيوب أن "الأفرقاء أنفسهم، وإن تغيرت الوجوه، لكن المنظومة نفسها، والنهج نفسه، والتحاصص نفسه، فلا يمكن أن نرى نتيجة مختلفة، والمعركة معها معركة برامج ومعركة خطط، فهي ستبدأ عهدها بموضوع مهم، وهو صندوق النقد الدولي، فهل ستخضع لشروطه؟".

مشاكل لبنان بنيوية

الصحافية ندى أيوب، ترى أن هذه الحكومة الجديدة "لا تستطيع حل مشاكل لبنان، لأن مشاكله بنيوية، أي بأساس النظام، الذي أُسِّس باتفاق الطائف وتكرّس، وهو نظام طائفي زبائني. يمكن لها حل بعض الملفات، أما حل مشاكل لبنان التي تزداد يوماً بعد يوم، فنحن بحاجة لعقد اجتماعي جديد".

ولكن ماذا عن التحديات التي ستواجه هذه الحكومة؟ تجيب ندى أيوب: "أبرز التحديات التي ستواجه الحكومة، طابعها اقتصادي بالدرجة الأولى، وعادةً الأزمات الاقتصادية، تترافق معها أزمات اجتماعية وسياسية، فهذه الحكومة ستواجه ملفات: رفع الدعم، وصرف الدولار، والدّيْن العام، وتأمين المواد الأساسية للحياة، وهجرة الأدمغة، والقطاعات التي تنهار، أهمها القطاع الصحي، إضافة إلى الأزمات السياسية والاجتماعية، إذ بدأنا نرى نسب الفقر المرتفعة، والجريمة والعنف..".

وتتابع ندى أيوب حديثها لوكالتنا بالقول: "إن أكثر المواضيع إلحاحاً على هذه الحكومة هو سعر صرف الدولار، والحد الأدنى من الاستقرار، وسياسات اجتماعية لحماية الفئات الأكثر هشاشة بالمجتمع، وحمايتهم من الفقر والعوز والتشرد والهجرة والمجاعة، والعمل على الاستقرار والثبات لتأمين المواد الأساسية للحياة؛ من محروقات وأدوية وخبز، هذه ملفات يجب أن تحلها هذه الحكومة، إضافة إلى الاحتكار والتهريب والتلاعب..".

ردود فعل لبنانية

وبُعَيدَ إصدار مراسيم تشكيل الحكومة، برئاسة نجيب ميقاتي، تراوحت المواقف بين مرحّب ومنتقد بهذه الخطوة المتأخرة لأكثر من سنة، إذ صرّح رئيس الحكومة السّابق، سعد الحريري على مواقع التواصل الافتراضي قائلاً: "أخيراً، وبعد 12 شهراً من الفراغ، بات لبلدنا حكومة. كلّ الدعم لرئيس الوزراء نجيب ميقاتي في المهمّة الحيويّة لوقف الانهيار وإطلاق الإصلاحات".

الرئيس تمام سلام قال أيضاً، عبر "تويتر": "أتوجه بالتهنئة للرئيس نجيب ميقاتي على تأليفه للحكومة الجديدة، متمنياً له النجاح في المهمة الوطنية الإنقاذية مع فريق عمله".

أمّا رئيس "التيار الوطني الحر"، النائب جبران باسيل، فرأى أن "سنة تأخير للأسف كانت وفّرت على اللبنانيين كثيراً من الألم. نتأمل أن نكون قد تعلّمنا احترام الدستور، وأنه لا يجوز الرهان على كسر أحد". وتمنى من الحكومة الجديدة "ألا تتأخّر بالإصلاح؛ تأخّرنا كفاية.. حتى ظهرت الحقيقة اليوم".

وهنّأ البطريرك الكاردينال، مار بشارة بطرس الراعي، باسم الكنيسة وباسمه، رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي، والوزراء المعيّنين، على تشكيل الحكومة الجديدة. معرباً عن آماله في نجاح حكومة الإنقاذ هذه في مهماتها من خلال إجراء الإصلاحات، والنهوض الاقتصادي والمالي والمعيشي، وقيام دولة لبنان بجميع مؤسساتها.

وأشار النائب علي حسن خليل، في تصريح عبر مواقع التواصل الافتراضي، إلى "أننا اليوم أمام فرصة لإنقاذ لبنان. وعلى الحكومة أن تبدأ فوراً بوضع خطة للنهوض والإصلاح".

ولفت خليل إلى أن "العالم كله يتطلع لمساعدتنا، ولكن لن يبادر إلا إذا ساعدنا أنفسنا، وكانت الحكومة على قدر المسؤولية ولم تهدر الوقت في "الحرتقات" السياسية وحسابات القوى داخلها". وأفاد بأن "الناس تترقب بأمل الخروج مما نحن فيه".

رئيس حزب الكتائب سامي الجميل، اعتبر أنه "تشكلت الحكومة بضوء أخضر إيراني، وتكريساً لسيطرة حزب الله على القرار اللبناني".

وأضاف في تصريح على وسائل التواصل الافتراضي: "هذه ليست لحظة سياسية، بل استمرارية لعمل المنظومة، ولنهج المحاصصة، اللذين أوصلا البلاد إلى ما وصل إليه، المسبّبات نفسها ستؤدي إلى النتائج نفسها، اللحظة السياسية هي بيد اللبنانيين في أيار المقبل".

ومن جانبه، قال النائب السابق فارس سعيد، في تغريدة عبر تويتر: "كرّست هذه الحكومة الغلبة الإيرانية على لبنان بوضوح. هل يستطيع الرئيس ميقاتي رسم حدود المصلحة اللبنانية إلى حين.. حكومة تحكمها الإرادة الإيرانية؟". وتابع "عملياً، إعادة تجديد التسوية مع الرئيس عون بإشراف حزب الله.. وحلّ ميقاتي بديلاً عن الحريري، مع تقديري "للشطارة"، نتيجة ما حصل، هو مزيد من الهيمنة الإيرانية على لبنان، نرفض".

ترحيب دولي وعربي

المواقف الدولية المرحبة بهذه الخطوة توالت أيضاً، وكان الاتحاد الأوروبي أول المرحبين. إذ رحّب مسؤول الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، بـ "توقيع رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة الجديد نجيب ميقاتي، مرسوم تشكيل الحكومة في لبنان".

وفي تصريح عبر مواقع التواصل الافتراضي، اعتبر بوريل أن تشكيل الحكومة هو "مفتاح معالجة الأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية الحالية، وتنفيذ الإصلاحات التي طال انتظارها، والتحضير للانتخابات في عام 2022".

الأمم المتحدة أكدت أنها أخذت علماً بتشكيل الحكومة اللبنانية، آملةً في العمل على تنفيذ الخطة الاقتصادية لبدء معالجة الأزمات التي يعانيها لبنان.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، هنأ نفسه بخطوة تشكيل الحكومة اللبنانية، وتمنى النجاح لميقاتي في مهمته بخدمة الشعب. وبحسب بيان الرئاسة الفرنسية، التي نقلت عن ماكرون قوله: "على الساسة اللبنانيين الوفاء بالالتزامات الضرورية لإجراء الإصلاحات، التي تسمح للمجتمع الدولي بتقديم المساعدات للبنان".

من جانبه، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، نيد برايس، أعلن أن الولايات المتحدة ترحب باتفاق زعماء لبنان على تشكيل حكومة جديدة، بقيادة رئيس الوزراء المكلف نجيب ميقاتي.

وقال برايس في بيان: "نحثُّ على موافقة البرلمان سريعاً على هذه الحكومة الجديدة، حتى يتسنّى لها العمل على تنفيذ إصلاحات ملموسة تعالج الموقف الاقتصادي المتدهور في لبنان"، مضيفاً: "نحن مستعدون لدعم هذه الحكومة في العمل الشاق الذي ينتظرها".

بدورها، وزارة الخارجية المصرية، رحبت في بيان، بتشكيل حكومة في لبنان، متمنيةً أن "تحقق إصلاحات اقتصادية وتنأى بالبلاد عن الصراعات الإقليمية". مشددةً على أنه "لا بد من إفساح المجال أمام الحكومة اللبنانية الجديدة لتحقيق أهدافها، وإخراج لبنان من أزمته وفقاً لصلاحياتها الدستورية".

كما رحب الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، بتشكيل الحكومة الجديدة، بعد حالة الانسداد السياسي التي امتدت ما يزيد على ثلاثة عشر شهراً. وقالت الجامعة "إن آمال اللبنانيين معقودة على تشكيل تلك الحكومة والخطوات الإصلاحية التي ستتخذها ضمن صلاحياتها الدستورية، بما يسهم في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي يواجهها الشعب".

وأشار إلى أن الجامعة العربية "مستمرة في مواكبة ودعم لبنان في جميع استحقاقاته للخروج من الوضع الصعب الحالي، إلى وضع أكثر استقراراً يستعيد فيه لبنان عافيته وتوازنه".

ورحبت نائبة المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان، منسقة الشؤون الإنسانية، نجاة رشدي، في تصريح لها على مواقع التواصل الافتراضي بتشكيل الحكومة الجديدة، متمنية لها "كل النجاح والتوفيق في مهامها الرئيسية، في سبيل إعادة البناء بشكل أفضل، من خلال تبنّي إصلاحات عاجلة". وأملت في أن "يكون الناس في صلب أولويات هذه الحكومة، بما يساعد على التخفيف من معاناتهم ووضع حد للاحتياجات الإنسانية، وتزويدهم بالخدمات الأساسية، والالتزام بإنجاز تحقيق محايد وموثوق ومستقل في انفجار مرفأ بيروت المفجع. وهذا كفيل بأن يبشر بحقبة جديدة من الإنصاف والعدالة، حيث تحفظ كرامة الناس ويُعاد بناء آمالهم في مستقبل أفضل قبل كل شيء".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً